محمد فتوح
يبدو ان غيوم حرب باردة جديدة بدات تتشكل في سماء منطقة الشرق الاوسط التي كانت محوراً اساسياً في صراع الغرب والشرق خلال الحرب الباردة الاولي والتي انتهت عملياً باعلان وفاة الاتحاد السوفييتي السابق. ويبدو ايضاً ان سياسة المحاور والاحلاف التي سادت اواسط القرن الماضي انطلقت من جديد لتسجل فصلاً متقدماً من العلاقات بين دول هذه المنطقة الساخنة من العالم في وقتنا الراهن.
لقد بدا في الايام الاخيرة ان اصطفافات سابقة لدول في المنطقة (عربية وغير عربية) تعززت الآن لتشكل تحالفات حقيقية، او تحالفين اساسيين بشكل ادق، بعدما كانت في الفترة الماضية مجرد تعبير عن خلافات وتصادمات بالآراء تبرز خصوصاً عند بعض الاحداث الكبيرة (مثلاً حرب الخليج الثانية التي شُنت لاخراج العراق من الكويت عام 1991) وتختفي بعد فترة قصيرة. ثم ان الصفقات التي اعلن عن خطواتها النهائية لتزويد ايران ثم سورية بالاسلحة الروسية، وما تبعها من اعلان الامريكيين عن تزويد حلفائهم في المنطقة بالسلاح.. كل هذا يمثل جانباً من نزاع جديد يتوزع لاعبوه علي محورين اساسيين، ما يذكر بنمط مضي من الصراع كانت منطقتنا ساحته ووقوده.
ان الواقع يشير الي ان سياسة المحاور بدات تتبلور بقوة في الشرق الاوسط. ولعل المحور الايراني ـ السوري الذي يبرز فيه حزب الله في لبنان كأداة بصورة جلية وتنظيمات فلسطينية بصورة او باخري؛ هو المحور الذي بدا انه السبّاق في الظهور، او في اعادة تفعيل نفسه ان صح التعبير، تبعه تنسيق بين اقطاب محور الاعتدال (وفق التعبير الامريكي). وفي الحقيقة ان هذه التحالفات السياسية بدات بالانتقال الي نمط آخر من التمحور تميز بـ سباق للتسلح بفعل تسارع الاحداث علي الساحتين الفلسطينية واللبنانية اللتين تمثلان الآن موضع الخلاف الرئيسي بين الفاعلين في المنطقة.
ما الذي دفع الامور في هذا الاتجاه؟ لقد عمل الايرانيون خلال السنوات الماضية علي توسيع نفوذهم في المنطقة ضمن ما بات يعرف بـ المشروع الايراني الذي مثّل التشيّع احد وسائله (وربما احد مظاهره)، وهو ما اعطي دافعاً لتفعيل المحور المقابل. فبينما وجدت دول عربية في هذا المشروع خطراً حقيقياً، راي فيه السوريون واطراف لبنانية (خصوصاً حزب الله) اضافة الي اطراف عراقية واخري فلسطينية؛ دعماً لهم، رغم ان الواقع يشير الي ان ما يجنيه الايرانيون من مكاسب يفوق ما تجنيه جميع الاطراف الاخري في هذا المحور.
ثم كانت حرب لبنان الاخيرة فالاحداث في الاراضي الفلسطينية بمثابة بداية النهاية لحالة الشد والجذب تحت الطاولة بين اطراف المحورين في المنطقة، لنصل الي مرحلة المواجهة الحقيقية والمعلنة. فلقد ساد اعتقاد بان الايرانيين، ضمن اطار المثلث الذي يضم ايضاً دمشق وحزب الله، يسعون لفرض واقعهم علي الارض، وفي هذا السياق جاءت زيادة ترسانة حزب الله الذي كرر زعيمه غير مرة انه يملك من الاسلحة الكثير، وهو ما جعل اطرافاً لبنانية داخلية تشعر بانها هي المستهدفة من هذه التصريحات، رغم انها في ظاهرها موجهة الي اسرائيل، في حين وجدت دول عربية ان اتساع نفوذ حزب الله وارتفاع مستوي التاييد له في الشارع العربي (علي خلفية اعلانه الوقوف في وجه اسرائيل) يعني بالضرورة امتداداً للنفوذ الايراني الذي سعي للتمدد ايضاً الي الاراضي الفلسطينية عبر تبني خطاب مؤيد للحركات المناهضة للامريكيين والاسرائيليين، وتعززت هذه المخاوف مع التطورات الاخيرة في قطاع غزة.
ولقد كان هجوم الرئيس السوري بشار الاسد علي الزعماء العرب في خطابه الشهير بعد انتهاء العدوان الاسرائيلي علي لبنان في آب/ اغسطس 2006، ووصفهم بانصاف الرجال (علي خلفية انتقادهم لحزب الله) ليكون ذلك بمثابة القطيعة النهائية وليعني ذلك ان طرق العودة بين اطراف المحورين قد قطعت نهائياً. وفي السياق ذاته جاء لقاء الرئيسين السوري والايراني في دمشق وما رافقه من اجواء ومواقف تشي باستعدادات لمواجهة ما. ولعل ما حدث هذا الاسبوع خلال اجتماع وزراء الخارجية العرب، من انسحاب للمندوب السوري من الاجتماع ثم ما تبع ذلك من تصريحات رسمية وتسريبات صحافية عما دار في الاجتماع من مشادات ونقاشات، يؤكد هذا المنحي، ولتذكر بالاجواء التي كانت سائدة عشية حرب الخليج الثانية والتي تكررت بشكل اقل حدة عشية غزو العراق.
واذا كانت الانقسامات بين الدول العربية؛ التي سادت عشية حرب الخليج الثانية عام 1991 قد انتهت بعد فترة من انتهاء الحرب، فاننا شهدنا فيما بعد عودة الي التقسيمات التي كانت خلال حرب الخليج الاولي، حيث عاد السوريون الذين شاركوا الي جانب الامريكيين ودول اخري ضد القوات العراقية؛ الي احضان الايرانيين، في حين رجع حلفاء الولايات المتحدة للاقتراب من بعضهم مجدداً وتناسي خلافاتهم التي عكرت صفو علاقاتهم خلال الازمة.
الآن، وفي ظل هذا المشهد الراهن، بدا ان روسيا والولايات المتحدة وجدتا لنفسيهما مدخلاً للتعبير عن خلافاتهما ومصالحهما التي تصادمت بحدة في الاشهر الماضية، لتعيدا الي الاذهان اجواء الحرب الباردة، ولنشهد صفقات اسلحة بمليارات الدولارات تصب في منطقة الشرق الاوسط المشتعلة اصلاً، وذلك كتعبير عن التسابق في الوصول الي قلب المنطقة وتثبيت اقدامهما فيها. وهذا ما عزز الانقسامات بين دول المنطقة، اذ وجد كل محور دعماً من احد الطرفين الخارجيين، وبالصورة التي شهدناها ونشهدها حالياً. وبينما كان الروس يمنعون اي موقف دولي حاسم ضد الايرانيين بشان الملف النووي، بل انهم لم يوقفوا تماماً دعمهم الفني في هذا المجال، كان الامريكيون يتجهون لطمأنة حلفائهم بانهم ليسوا وحيدين امام ما بات يعُرف بـ التهديد الايراني الذي لم يعد الحديث عنه سراً.
بيد ان دخول اسرائيل في هذه المعادلة، عبر اعلان واشنطن زيادة مساعداتها العسكرية في اطار الحزمة ذاتها مع عدد من الدول العربية، يعطي المحور الايراني – السوري عنصراً يمكن استغلاله اعلامياً علي الاقل لدي الشارع العربي الذي يرفض اية علاقة مع اسرائيل وينحاز تلقائياً الي جانب كل من يتبني خطاباً مناوئاً لامريكا واسرائيل بغض النظر علي سياساته وافعاله الحقيقية، لا سيما مع تمسك السوريين والايرانيين بخطاب اعلامي داعم للتنظيمات التي تعلن مقاومتها لاسرائيل. والمشكلة هنا ان تنظيمات كحزب الله او حماس بانجرارها وراء الخطاب الاعلامي للمحور الاعلامي الايراني – السوري قد تصبح (بل ربما اصبحت بالفعل) اداة لاهداف هذا المحور الذي يسيطر عليه خليط من العناصر القومية و المذهبية الخاصة بالايرانيين بالدرجة الاولي مع ما يجنيه الايرانيون من مكاسب تحققها الشعارات القومية التي يرفعها السوريون. والمفارقة هنا ان الشعارات التي ينتشي لها الكثيرون في الشارع العربي بل ونخبه القومية والاسلامية؛ يرفض المواطنون السوريون استهلاكها لانهم تاكدوا من عدم صلاحيتها وعدم مطابقتها للواقع السوري!
علي اية حال، فان تعبير اطراف المحورين في المنطقة عن خلافاتهم في هذه المرحلة من خلال الساحتين اللبنانية والفلسطينية المتفجرتين سيكون له تاثيره الكارثي علي هاتين الساحتين؛ لانه سيؤدي بالضرورة الي تعميق الانقسامات فيهما. وفي المقابل، فان استمرار مثل هذه الازمات في المنطقة سيعني تكريساً للصراعات في المنطقة كلها. وثمة مشكلة اخري، وهي ان وجود سورية وحيدة من بين الدول العربية ضمن المحور الايراني قد ادي الي عزلة خانقة للسوريين، وهذه العزلة تظهر باستمرار خلال اجتماعات الجامعة، ولعل اجتماع وزراء الخارجية الاخير خير مثال، ليكون في مواجهة السوريين عزلة دولية محكمة رغم بعض المتنفسات هنا وهناك.