الجيش الاسرائيلي هو الذي يمنع المزيد من التدهور 

حجم الخط
0

   هناك من يريد التوصل إلى استنتاجات عميقة حول طابع الإرهاب الفلسطيني من المميزات الجديدة التي تميزت بها العمليتين في الضفة الغربية في الاسبوع الماضي. مخربان من الفتية وجدا ثغرات في الجدار وتسللا إلى مستوطنتين في جنوب جبل الخليل. بعد ظهر يوم الاحد دخل مخرب إلى عتنئيل وقتل دفنه مئير على مدخل بيتها. المخرب نجح في الهرب لكنه اعتقل صباح يوم الثلاثاء على أيدي قوات الامن. ويوم الاثنين، تسلل مخرب إلى تقوع وطعن امرأة حامل وتم اطلاق النار عليه وأصيب.
 لكن في المقابل، هذه الاحداث لا تشير إلى تغيير في الاتجاه أو تصعيد الإرهاب الفلسطيني الذي يصعب اعطاءه علامات فارقة واضحة. موجة الإرهاب تستمر منذ اربعة اشهر وهي تتغير بشكل مستمر. وقد بدأت حسب ما هو معروف عشية رأس السنة، حيث قتل في القدس بسبب رشق الحجارة الكسندر ليفلوفيتش. ويشارك فيها شباب واحيانا قاصرين كما حدث في هذا الاسبوع. لكن ايضا يشارك فيها بالغون وأرباب عائلات.
 المنفذون هم من الرجال والنساء. بعضهم كانوا أبناء أو بنات لعائلات قُتل منها أو أصيب اشخاص من قبل اسرائيل. وكان هناك آخرين بدون خلفية عائلية كهذه.
 يصعب ايضا تحديد الاحداث بناء على الجغرافيا. فثلث الاحداث تمت في منطقة الخليل، لكن البلاد كلها مليئة بالعمليات الإرهابية المختلفة. في الضفة الغربية وفي شرقي القدس وفي مناطق اسرائيل. اغلب العمليات داخل الخط الاخضر نفذها متواجدون غير قانونيين. لكن كانت هناك حادثة واحدة في تل ابيب نفذها فلسطيني في الثلاثينات من عمره وهو رب عائلة عمل بتصريح في اسرائيل.
 سلاح الموجة الحالية هو السكاكين والبلطات والسيارات والزجاجات الحارقة والحجارة والسلاح الناري. هناك تقاسم للعمل بين «الشباك» والشرطة. فالشباك يهتم بالاحداث الإرهابية والشرطة تهتم بما يسمى «الاخلال بالنظام» – رشق الحجارة. بالنسبة للضحايا وبالنسبة للفلسطينيين ليس هناك فرق. كل وسيلة من هذه الوسائل هي سلاح للإرهاب يهدف إلى قتل واصابة الاسرائيليين وتشويش حياتهم واثارة التأييد المحلي والدولي.
رئيس الاركان غادي آيزنكوت ألقى هذا الاسبوع خطابا في مؤتمر معهد بحوث الامن القومي، تطرق فيه للإرهاب الفلسطيني. حينما كنت مسؤولا قبل عقد عن القوات في يهودا والسامرة، كان الاحباط للعمليات يعتمد على المعلومات الاستخبارية. أي أن «الشباك» جند العملاء وتسلل إلى خلايا الإرهاب وتنصت على الهواتف والحواسيب. هكذا تم الحصول على المعلومات عن الخطط الإرهابية، الامر الذي كان يمنحنا الوقت من اجل افشال العملية. في الحالات التي لم يتم فيها احباط العملية، سمحت لنا المعلومات باعتقال المنفذين بعد تنفيذ العملية. كان هذا هو التفوق الاستخباري الذي تحدث عنه آيزنكوت.
كان الأمر ممكنا لأن الانتفاضة الثانية كانت شعبية ومنظمة في نفس الوقت. تم تشغيلها بمبادرة السلطة الفلسطينية وم.ت.ف وحماس. كانت للشباك والشرطة عناوين واضحة من اجل الرد، من الناحية الاستخبارية والعسكرية. الحديث يدور اليوم عن إرهاب أفراد يقررون تنفيذ عملية صدفية، بدون تنظيم وبدون مشاركة شعبية.
 تريد حماس الحفاظ على الهدوء في حدود القطاع. منذ حرب غزة الثالثة منذ سنة ونصف (عملية الجرف الصامد) لم تطلق حماس أي صاروخ نحو اسرائيل بل هي تبذل الجهود لمنع اطلاق الصواريخ من قبل منظمات جهادية صغيرة، هذا مع جهدها المتواصل للاستعداد للجولة القادمة وتعزيز قوتها العسكرية. وهذا يتم بمساعدة الاموال من ايران وتصنيع الصواريخ بعيدة المدى بدقة أكبر وحفر الانفاق. مع ذلك، عن طريق الذراع العسكري لحماس في غزة والقادة في الخارج، تحاول اشعال الضفة الغربية من خلال تحريك أفراد وخلايا إرهابية. عمليات اطلاق النار في هذه الموجة الإرهابية تمت بوحي من حماس وحسب أوامرها. لكن نجاحها محدود. والشباك، بشكل مباشر وغير مباشر، ينجح من خلال التعاون مع الاجهزة الامنية للسلطة الفلسطينية في افشال معظم هذه المحاولات.
 إن وضع السلطة الفلسطينية أكثر تعقيدا. فقادتها وعلى رأسهم الرئيس محمود عباس خائبي الأمل بسبب عدم التقدم في المسيرة السياسية والشروط المسبقة التي تضعها اسرائيل لاستئناف المفاوضات، الامر الذي يدفعهم إلى الاستنتاج أن اسرائيل لا تريد الاتفاق. وكل ما تريده هو «إدارة الصراع»، كما أعلن وزير الدفاع موشيه يعلون.
 الادارة الامريكية تعتقد نفس الاعتقاد. وقد سُمع هذا بوضوح في اقوال السفير الأمريكي في اسرائيل، دان شبيرو الذي انتقد في هذا الاسبوع عدم التقدم في تطبيق حل الدولتين لشعبين.
 أبو مازن والسلطة الفلسطينية لا يريدون انتفاضة شعبية واسعة وشاملة. وبالتأكيد لا يريدون العودة إلى اخطاء ياسر عرفات الذي شجع بشكل سري قوات الأمن لديه على الانضمام واستخدام السلاح. وخلافا لعهد عرفات، فان السلطة الفلسطينية وأبو مازن لا يبادرون إلى العمليات ولا يوجهونها. وهم يأمرون الاجهزة الأمنية باستمرار التعاون مع الجيش الاسرائيلي و»الشباك». لكنهم في نفس الوقت لا يأسفون على إرهاب الأفراد طالما أنه لا يتسع زيادة عن اللزوم.
 كما نشر هنا في الاسبوع الماضي أن رئيس «الشباك» يورام كوهين اتهم السلطة الفلسطينية بأنها بأفعالها (دفع الاموال لعائلات الإرهابيين) وأقوالها تشجع على الإرهاب. لكن في الشهر الاخير يلاحظ تراجع في التحريض، على الاقل في وسائل الاعلام التي تسيطر عليها السلطة.
 
احصائيات مضللة
 
في هذه الظروف فان قدرة الشباك محدودة. والاستخبارات لا يمكنها أن تعرف ما يحدث في رأس المخرب. وحسب آيزنكوت فانه منذ بداية موجة الإرهاب الحالية كانت هناك 101 حادثة سكاكين. وحسب قوله «ظاهرة السكاكين تتجاوز العنصر الفعال في مكافحة الإرهاب. لا يوجد تحذير مسبق. تحدث اليوم العملية حينما يستل المخرب السكين ويركض نحو الهدف». شدد قائد الاركان، «في الاماكن التي تأخرنا في الرد لعدة ثوان دفعنا الثمن بالدماء احيانا».
هذه ملاحظة مهمة، حقيقة أن الحديث عن إرهاب وليس عن مخرب وحيد، لا توجد معلومات مسبقة عنه، تزيد من الميل إلى إنهاء الحادثة بقتل المخرب وتقلل من استعداد قوات الأمن لالقاء القبض عليه حيا من أجل التحقيق معه حول شركائه ومرسليه وما هي دوافعه.
حسب تقرير للشباك. في كانون الاول 2015 تراجعت الاحداث الإرهابية بالثلث تقريبا مقارنة مع تشرين الثاني: 246 عملية في كانون الاول (منها 183 كانت القاء زجاجات حارقة) مقابل 326 في شهر تشرين الثاني. في كانون الاول قتل 3 اسرائيليين مقابل 10 في تشرين الثاني. لكن هذه الاحصائيات مضللة وهي تذكرنا بالتغيرات في البورصة العالمية. مثل الاسهم التي ترتفع وتهبط هكذا هو الإرهاب في حالة ارتفاع وهبوط. لكن كما قال رئيس هيئة الاركان لا يوجد للإرهاب الفلسطيني بشكله الحالي تاريخ انتهاء. وهو سيستمر لسنوات طويلة.
كقائد عسكري يعترف بتفوق المستوى السياسي، وليس من حقه الاختلاف مع السياسة أو التصادم معها، فان آيزنكوت يمتنع عن قول ما يقوله هو والكثيرون في قيادة الجيش والشباك في النقاشات المغلقة. حسب تقديرهم كان يمكن منع الإرهاب أو على الاقل تقليصه لو كان يوجد للفلسطينيين بصيص أمل في مستقبل أفضل. المستوى العسكري يريد أن يرى المستوى السياسي وهو ينفذ خطوات تعمل على تهدئة الميدان وتعكس رغبة اسرائيل في الاتفاق. وبذلك يتم القضاء على خيبة الأمل لدى القيادة الفلسطينية. يمكن القول إنه لو شعر أبو مازن أو وزير خارجيته صائب عريقات، المسؤول عن المفاوضات مع اسرائيل، بشيء من التفاؤل لكان هذا الشعور تسرب ايضا نحو الشارع ولكان تراجع اليأس. في الوقت الذي يسير فيه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو في دوائر لا تؤدي إلى أي مكان (في كل المواضيع تقريبا)، لم يبق أمام المستوى العسكري سوى التصرف مثل الأخ الاكبر والمسؤول من اجل الحفاظ على الدولة وفعل كل ما هو ممكن من اجل منع التدهور.
مثلا، بتوصية من الاجهزة الامنية، هناك 120 ألف عامل فلسطيني يستمرون في العمل في المناطق الصناعية الاسرائيلية في الضفة وفي المستوطنات. وشدد آيزنكوت في اقواله على أن الأجهزة الأمنية تعطي أهمية كبيرة للفصل بين منفذي الإرهاب وبين السكان الفلسطينيين. هذه نظرة جديدة نسبيا مقارنة مع ما حدث أثناء الانتفاضة الثانية حيث عاقبت اسرائيل السكان بعقاب جماعي وشمل ذلك منع دخول العمال الفلسطينيين إلى اسرائيل. وحسب قوله فان خروج الفلسطينيين للعمل يوميا هو مصلحة إسرائيلية وعامل تهدئة: «سيكون من الخطأ فرض الإغلاق والحصار– هذا ضد المصلحة الاسرائيلية»، قال آيزنكوت وزعم ايضا أن هناك حاجة للإبقاء على الأمل في اوساط الفلسطينيين والسماح لهم بكسب رزقهم.
في هذا الموضوع على الاقل تتبنى حكومة اسرائيل موقف الجيش والشباك. لكن هذا الأمر مشروط وفي اعقاب العمليتين في عتنئيل وتقوع جمدت الاجهزة الامنية مؤقتا تصاريح العمل المعطاة للعمال الفلسطينيين في المستوطنات. هذا مثال على ضعف الوضع وقابليته للتحطم. يمكن القول إن عملية إرهابية كبيرة ستؤدي إلى إعادة حوالي 100 ألف عامل فلسطيني مسؤولين اليوم عن إعالة نصف مليون انسان.
 قبل حوالي أربعين سنة انفعلت البلاد عندما قال رافي ايتان، مستشار رئيس الحكومة مناحيم بيغن في حينه في محاربة الإرهاب، إننا نتوقع استمرار الإرهاب لمئة سنة. اليوم أصبحت الافعال، وليس فقط الاقوال، لا تغضب الجمهور ولا تخرجه من اللامبالاة حتى وهو يدرك أن حكومته تتحمل مسؤولية الوضع.
 قُتل حتى اليوم في جميع العمليات 29 اسرائيليا وأصيب حوالي 300، 25 منهم باصابة بالغة. وبلغ عدد القتلى الفلسطينيين 160 وأكثر من 1000 مصاب. الاسرائيليون يتعاملون مع الإرهاب الفلسطيني بشكله الحالي على أنه قدر من السماء وليس نتاج البشر. وهم يعرفون ويقبلون فكرة أنه سيستمر لفترة طويلة.

معاريف 22/1/2016

يوسي ملمان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية