النظام الخائف: المختفون قسرياً وإرهاب الدولة

ـ سؤال:»أنت متهم بالمشاركة في أعمال الشغب والبلطجة أثناء أحداث 25 يناير 2011؟»
– اسمها «ثورة 25 يناير وليست أحداث 25 يناير والمشاركة في ثورة 25 يناير شرف لم ولن أتنصل منه»
بتلك الكلمات رد الدكتور طاهر مختار على ضابط التحقيق ظهر يوم 14 يناير عقب اعتقاله من مسكنه في وسط القاهرة، ليفجر حملةً واسعةً من الغضب ليس فقط في صفوف حركة الاشتراكيين الثوريين، التي ينتمي إليها والتيار اليساري الأوسع، وإنما في أوساط الحقوقيين والنقابيين والناشطين في مجال حقوق الإنسان، والمهتمين بالشأن العام والعاملين فيه، وجمهرة من المثقفين والمعلقين السياسيين والكتاب المحسوبين على ثورة 25 يناير، وليطلق «هاشتاغ» أنا شاركت في ثورة يناير يطوف وسائل التواصل الاجتماعي.
في اليوم نفسه كان الأمن الوطني (اسم المعمودية الجديد لأمن الدولة) قد منع الشاعر عمر حاذق من السفر لهولندا لاستلام جائزة، وهاجم موقع مصر العربية الإخباري فقبض على المدير الإداري فيه. هؤلاء بالطبع من وصلوا إلى علمنا، وجرياً مع الرأي القائل بأنك لا تسمع إلا بالقليل أو العشرة بالمئة من جبل الجليد، فلنا أن نتصور العدد الحقيقي ممن دوهمت منازلهم وسلبت حريتهم، وأشدد على سلب الحرية، من المواطنين. مشغولون للغاية ضباط الأمن هؤلاء، كان الله في العون، خاصةً أن خبراً منشوراً في جريدة «المصري اليوم»، واسعة الانتشار، يفيد بأن قوات أمنٍ تابعة لجهةٍ في الداخلية لم يستدل عليها قامت بمداهمة وحداتٍ مستأجرة في منطقة وسط القاهرة، وسؤال ساكنيها عن اتجاهاتهم السياسية، وفحص أجهزة الحاسوب التي يمتلكونها.
في 20 يناير طالب الكاتب الأستاذ فهمي هويدي في مقاله في جريدة «الشروق» بـ»رعاية المهددين في الداخل»، والمقال في حقيقة الأمر لا يعدو في الأساس كونه نداءً إنسانياً لمن لا تزال لديه ذرة من الإنسانية في أجهزة الدولة، وأقل منها من رجاحة العقل للرأفة بالمعتقلين في سجن العقرب سيئ السمعة ذائع الصيت، وغيره من السجون المصرية، حيث يحل المعتقلون السياسيون أو المحبوسون احتياطياً بعد أن ذاعت في أوساط التواصل الاجتماعي قائمة بتسعة عشر معتقلاً محرومون من الرعاية الصحية، ويعانون من حالةٍ صحيةٍ متدهورة، فمنهم من فقد بصره ومنهم من شُل ومن يتقيأ دماً موشكاً على الموت.
مقدمة طويلة، لكنها لازمة. ليس لدي ما أعتذر عليه سوى التأخير في تناول الموضوع والتقصير في إيراد أسماء كل المعتقلين من دون وجه حق، من كل التيارات وأطياف العمل السياسي، وكل المهدرة حقوقهم في ظروف حبسٍ غير إنسانية، فهم أكثر من مقدرتي على التذكر. ثمة تقديرات بأنهم يقاربون الأربعين ألفاً، كنت أتابع منذ فترة موضوع «المختفين قسرياً» الذي بت أعتقد من الأصح تسميته بـ»ملف» المختفين قسرياً وتطوراته، حتى بات يشكل في رأيي عنصراً رئيسياً في المشهد السياسي في مصر وسمةً أساسية في أسلوب النظام. كل معتقلٍ له قصة، أهلٌ وأقارب وأحباء وأصدقاء وزملاء، من ذكرت بالاسم ليسوا أولهم وليس هناك ما يدفعنا للاعتقاد بأنهم سيكونون آخرهم، إلا أن لكل قصة اعتقالٍ مغزى خاصا يضاف إلى المغزى العام الذي يشكل خلفية المشهد والعلاقة بين النظام والعاملين في المجال العام: العداء للحريات العامة والممارسة السياسية والتضييق على أي نشاطٍ سياسي ومصادرة المجال العام، وأهم من كل ذلك، الانتقام والعودة إلى ما قبل 25 يناير.
بيد أن ما يميز واقعة اعتقال الدكتور طاهر هو الدلالات العديدة التي تحيل إليها، من طبيعة الدور الذي يقوم به حيث أنه عضو في لجنة الحريات في نقابة الأطباء، ومكلفٌ رسمياً من قبلها بمتابعة ملف الأحوال الصحية للمحتجزين، بحسب بيانٍ رسميٍ لها.
كما أن المضمون المتفجر بالمعاني لذلك الحوار الذي أدرجت أعلاه يكشف بجلاءٍ عن الذهنية الحاكمة لخلايا النظام الأمنية، وبشكلٍ صارخٍ عن ذلك التصادم بين رؤيتين وجيلين يستحيل التوفيق بينهما، ناهيك عن ما تحمله تلك الحملة من الاعتقالات والمداهمات تحسباً من 25 يناير من مغاز ودلالاتٍ جمة.
الحقيقة لقد وفر علينا ذلك الضابط الكثير، فوصفه لثورة يناير التي كرسها الدستور كثورة «فريدة بين الثورات الكبرى في تاريخ الإنسانية، بكثافة المشاركة الشعبية التي قدرت بعشرات الملايين، وبدورٍ بارزٍ لشبابٍ متطلع لمستقبلٍ مشرق» ذلك الوصف يغنينا عن أي مجهودٍ لإثبات العداء الممنهج لثورة يناير، من قبل أركان النظام وأجهزته الأمنية، تحت غلالة رقيقة من الادعاء باحترام الثورة وتضحيات شهدائها وأبنائها. وبحسب الدستور، فإن تلك السلطة التي تمارس العنف والاعتقال ضد «شابٍ» مشاركٍ في تلك الثورة سلطة فاقدة للمشروعية التي تتوسلها بشتى الطرق وغير دستورية بمعايير دستورها الذي وضعت. ليس في ذلك ما يدهــــش، فالعقلية، أو الغريزة الحاكمة للنظام انتقامية بامتيــــاز، تراجعت في لحظة المد الثوري الحاسمة ليقينــــها باحتمال تحطم أجهزة الدولة وأدواتها الجريحة، وربما لإحباط مشروع التوريث، إلا أن شعورها بالمهانة كان عميقاً فصممت على المناورة ومن ثم الانتــــقام. وها هي الآن أقصت ناصحيها ممن تحمسوا للقائد- المخلص لوهلة ورأوا فيها استعادةً ليوتوبيا ماض لم تحدث، ولم يعد ذلك النظام يستجيب سوى لرغبته العميقة في إعادة ترميم دولته وأجهزته على انحيازاته نفسها، وبموازاة الاعتقــــالات والاختفاءات القسرية نشطت حملة مســـعورة من التلفيق والتدليس لشيطنة الثورة وشبابها لخـــدمة هدفين يقوضان مشروعية 25 يناير من أسسها: أولاً أن يتم اختزالها والحط من شأنها وما تمثله في تاريخ الإنسانية، وتسفيهها لتصبح مجرد «أحداث شــــغب» يعاقب عليه القائمون به، ومن ناحية أخرى خطيرة رفع سقف العنف، بحيث يرخص الدم ويبتذل ويغدو الاعتقال والتنكيل والموت إهمالاً أموراً عادية يمـــر الناس بها كأن شيئاً لم يكن، والمعتقلات كالعقرب علامات كالمتنـــزهات (شبه المنعدمة في القاهرة) والمزارات السياحية.
المحصلة هو ذلك المشهد الذي يجمع بين العبثية بقدر ما يحتوي من العنف، حيث تخوض الدولة حرب كرٍ وفرٍ فتختطف الناس وتعتقلهم رهائن، وقد يحالف الحظ أحدهم كالصحافي حسام بهجت، الذي أعرب الأمين العام للأمم المتحدة عن قلقه بشأنه فأطلق سراحه.
أما الغلابة ممن لا أحد لهم إلا الله والمنظمات الحقوقية وذووهم وأمثال الدكتور طاهر، فليقبعوا إلى ما شاء الله في ظلمات السجون وعطنها، حتى الحق في الرعاية الصحية التي يطالب بها الدكتور طاهر وزملاؤه فوق ما تحتمل أعصاب النظام.
خطأٌ فادح ومجحف تتضمنه مقولة- صيغة «الحرب على الإرهاب»، فالإرهاب في مصر لم يعد ذلك العنف الموجه ضد الدولة وأجهزتها والمواطنين من قبل قوى مناوئة لها، وإنما حالةً وجودية وشرط لبقائها، طوق نجاةٍ للنظام يغطي به على فشله وعلى نقائصه وإخفاقاته، وبات إرهاب الدولة للمواطنين هو الأوسع والأكثر منهجيةً وبطشاً من دون منازع، كما أنه يغذي ويدعم تنامي ظهيرٍ شعبي للعنف ضد الدولة في المحيط الاجتماعي لضحاياها.
عدة أمور مازالت تدهشني، أولها تلك العصبية والتشنج اللذان يتصرف بهما النظام، كما أنني وعلى الرغم من إدراكي التام لكون الحماقة أعيت من يداويها، لا أستطيع فهم كيف يفوتهم أن تحركاتهم تلك تخلق انطباعاً عاماً تتسع دائرته بخوفهم، بل هلعهم من 25 يناير وتغذيه؛ كما يدهشني ذلك الجهل ذو الأبعاد الأسطورية الذي يعوقهم عن فهم مغزى 25 يناير بضخامته المتفردة حقاً في التاريخ.
هذا نظامٌ خائفٌ خائف، وما عنفه في التحليل الأخير سوى محاولة لإقناع الذات بالقوة والمنعة والقدرة، بالإضافة إلى الانتقام. مرةً أخرى، ليس لدي من اعتذارٍ أقدمه سوى تقصيري في توثيق اسم كل المأسورين والمختفين قسراً والمعذبين من دون وجه حق. يوماً ما، آتٍ لا محالة، ستكتب أساميهم على أنصابٍ تذكارية كالمسلات لكي لا ينسى أحد تضحياتهم وعذاباتهم.

٭ كاتب مصري

د. يحيى مصطفى كامل

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية