من الظواهر المثيرة للعجب أن معظم أبناء الدول الاستعمارية الكبرى، مثل بريطانيا وفرنسا، ما زالوا لم يبلغوا حتى اليوم درجة الوعي بما اقترفه آباؤهم وأجدادهم من جرائم وفظائع وما نهبوه من خيرات وتحكموا به من مقدّرات في كثير من البلدان الإفريقية والآسيوية، ناهيك عن أن يدركوا مجرد الإدراك عمق الجروح التي تركتها المظلمة الاستعمارية في نفسية الأمم المستضعفة والزلازل التي أحدثتها في بنيتها الثقافية واللغوية والأخلاقية. فقد أظهر استطلاع للرأي العام نشرت نتائجه قبل أيام أن البريطانيين «فخورون» على وجه العموم بالدور الذي اضطلعت به بلادهم في إخضاع كثير من بلدان العالم للاستعمار تحت هيمنة «الامبراطورية البريطانية». حيث أعرب 44 بالمائة من المستجوبين عن الفخر بماضي بريطانيا الاستعماري، مقابل إعراب 21 بالمائة عن الأسف. أما عن مسألة ما إذا كانت الامبراطورية البريطانية قد نشرت الخير أم السوء، فإن 43 بالمائة يرون أنها نشرت الخير، في مقابل اعتقاد 19 بالمائة بعكس ذلك.
والأعجب من هذا أن عامة البريطانيين والفرنسيين، خصوصا من ذوي التعليم الضعيف والاطلاع المحدود ومن اليمينيين الكارهين للأجانب والمطالبين، كلما أتيحت لهم الفرصة في برنامج إذاعي أو تلفزيوني، بإعادة «الأغراب إلى أوطانهم» (حتى لو كانوا من الجيل الثالث أو الرابع من أبناء المهاجرين)، لا يبدو أنه قد خطر لهم ببال أن علائق اليوم ما هي إلا بعض من عواقب علائق الأمس، أي أن ظاهرة الهجرة الجماعية هي من آخر مفاعيل المغامرة الاستعمارية. فهل كان يمكن لهؤلاء الأغراب أن يأتوا إلى أوروبا على هذا النحو الجماعي لو أن الاستعماريين الأوروبيين لم يذهبوا في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين إلى افريقيا وآسيا ليستقروا هناك عنوة ورغم أنف أهل البلاد؟ وهل كان في وسع هؤلاء الأباعد أن يأتوا إلى أوروبا على نحو متزايد منذ منتصف القرن العشرين لو لم تستلزم مشروعات إعادة البناء والتعمير في كبريات الدول الصناعية استقدام عشرات الآلاف من العمال البسطاء القابلين بأي أجر زهيد؟ وهل هي مجرد مصادفة أن يكون هؤلاء العمال قادمين من مستعمرات الأمس؟
بسائط ناطقة ببداهتها ولكنها شبه غائبة عن وعي الجمهور الأوروبي الكاره للأجانب. والأدهى أن اليمين العنصري في فرنسا لا يكتفي بعدم القدرة على فهم ظاهرة الهجرة باعتبارها «علة راجعة» (حسب التعبير الذي سبق أن استخدمه الأستاذ محمود المسعدي رحمه الله)، أي «ضربة ارتدادية»، عن الغزو الفرنسي لبلدان قصية في «ما وراء البحار»، بل إنه يفاخر بمآثر الآباء والأجداد هناك، ويطالب بتمجيد التاريخ الاستعماري في المناهج الدراسية بلوغا، عند بعضهم، إلى حد الاستمرار في تخوين الساسة الذين «فرطوا في أرض الجزائر الفرنسية»! وليس ببعيد عنا القانون الذي سنه البرلمان الفرنسي أوائل عام 2005 والذي يؤكد في أحد بنوده على «الدور الإيجابي للحضور الفرنسي في ما وراء البحار، وخاصة في إفريقيا الشمالية»، وينص على أن»الأمة تعبر عن عرفانها للنساء والرجال الذين ساهموا في الإنجاز الذي حققته فرنسا في الأقاليم الفرنسية السابقة في الجزائر، وفي المغرب، وتونس والهند الصينية…». ولكن تم إلغاء البند بعد أن تحرك المؤرخون النزهاء والقوى المستنيرة في المجتمع المدني والسياسي للضغط على الأغلبية البرلمانية وعلى الرئيس جاك شيراك ورئيس الحكومة دومينيك دوفيلبان.
هذا، ويجدر التوضيح بأن الإنصاف يقتضي الاعتراف بصحة ما ذهب إليه المستعرب الفرنسي أندري ميكال عندما قال، قبل حوالي ثلاثين سنة، إن الأوروبيين ممن ولدوا في النصف الثاني من القرن العشرين، أو ممن ولدوا قبل ذلك ولكنهم بقوا في بلادهم ولم يستوطنوا أي بلد آخر بالقوة، لا يمكن تحميلهم بأي وجه أي مسؤولية أخلاقية أو قانونية، أو حتى ثقافية أو رمزية، عن التركة الاستعمارية التي هي من عمل الآباء والأجداد والأسلاف. ولكن المسألة بالنسبة لكثير من المواطنين في بريطانيا وفرنسا (وحتى في بلجيكا التي ارتكبت قواتها الاستعمارية فظائع تقشعر منها الأبدان) لا تتعلق بالمسؤولية، بطبيعة الحال، وإنما بانعدام الجهد اللازم لمحاولة الفهم. وتندرج مشكلة عدم محاولة الفهم هذه في سياق معضلة أعم هي الإعراض عن التاريخ. إذ ان من المثقفين الأوروبيين المؤيدين للحق الفلسطيني من نبه إلى أن الرأي العام الغربي لا صبر له على فهم الجذور التاريخية للأزمات، ولهذا فإنه يعتبر مجرد التذكير بحقائق النكبة عودة إلى ماض سحيق!
٭ كاتب من تونس
مالك التريكي