غضب في مصر

غضب في كل مكان. شعور عميق صارخ بالإهانة… وجوم يكسي الوجوه، قلق وترقب في العيون. لا أجد سوى تلك الكلمات المقتضبة لأصف بها ما رأيته حولي في مصر، ليس لأن الواقع لا يحتمل أكثر من ذلك بكثير، وإنما لأنني كغيري من المواطنين كنت أحبس أنفاسي ترقباً وشعوراً بثقل الظرف الاستثنائي، وإذ أعقب ذلك فرح بعودة المخطوفين، فإنه سرعان ما حلت مكانه تساؤلات مزعجة عما دار في الكواليس، وما يمكن أن يكون قد قُدم من تنازلاتٍ أدت إلى إطلاق سراحهم.
ليس من جديدٍ يدهش القارئ في تكرار تلك القائمة المستطيلة من المشاكل الفادحة، التي تشكل أبعاد أو مكونات ما بات يعرف اصطلاحاً وإيجازاً بالمأزق السياسي، أو الاستعصاء المصري؛ فهناك الاستقطاب السياسي الذي يمزق البلد، والشارع المنفلت وإمعان الرئيس وجماعته في التغلغل إلى هيكل الدولة وحلحلة أو تفريغ مؤسساتها الحداثية، والفوضى الأمنية المتعاظمة والانهيار الاقتصادي المشرف على كارثةٍ بكل المعايير والمقاييس.. غير أن كل ذلك وما يثيره من مشاعر الغضب وكوامن التمرد لا يساوي شيئاً ولا يعدل ما شعر به جمهور المصريين إزاء حادث اختطاف الجنود السبعة… فهو شيء آخر غير الغضب وحده، ذلك الذي أشعل قلوبهم حين علموا بالاختطاف، إذ حل محله شعور عميق ساحق بالإهانة، تلك التي صفعتهم بكل عنفٍ وصفاقة وهم يشاهدون شريط الفيديو للجنود.
والحقيقة أننا لا نبالغ حين نؤكد على وجود إجماعٍ شعبيٍ ساحقٍ كان يطالب بحلٍ عسكريٍ موجعٍ لتلك ‘الشرذمة’ التي قامت بهذه الجريمة، يلقنهم وكل من تسول له نفسه درساً، وتثأر لكرامة مصر الجريحة وترد لها اعتبارها، بل إن الكثيرين صرحوا بانهم لا يبالون بكم سيموتون في عمليةٍ كهذه، بمن فيهم المختطفون في سبيل إبراز القوة وبسط نفوذ الدولة. هذا للوهلة الأولى، إلا أننا حين ندقق النظر نكتشف أن للأمر أبعاداً أعمق بكثير، فذلك التحريض الشعبي لم يعبر فقط عن الرغبة في رد الإهانة، بقدر ما عكس مطالبةً (وبالتالي احتياجاً) بالتأكيد على كون الدولة المصرية مازالت قائمةً وبخير، وأنها لم تتفكك وأن جيشها موجود، متماسك وقادر على الفعل، فالناس يدركون أن مصر تمر بأزمة، ويرون ويقرون بالقائمة السالفة الذكر من المشاكل وإن اختلف ما يلتمسونه من مبررات، وأنها تشهد صراعاً بعد ثورةٍ لم تحقق آمالهم في العيش الأفضل، بغض النظر عن اختلاف وجهات النظر، فالشواهد والمؤشرات الموضوعية على سوء الأداء لا يمكن دحضها، إلا أن تلك الإهانة وضعتهم وجهاً لوجه أمام احتمال تحلل الدولة وتحولها إلى دولةٍ فاشلة، ولم يكن حرصهم على الانتقام في نظري سوى تشبثٍ بنفي هذا الكابوس وتغيير المسار نحو إعادة التماسك للدولة، لا سيما أن تلك الجريمة/ الحادثة أبرزت للسطح شروخاً وتشوهاتٍ في بنية النظام، وعلاقات القوة بين أطرافه ولاعبيه السياسيين شديدة الإزعاج، بحيث كان الجمهور إما يتجاهلها أو يتعامى عنها.
وعلى الرغم من تحرير المخطوفين، وما أعقبه من فرحةٍ في البداية، فإن ذلك لم ينسِ الناس طويلاً أن رد الفعل على هذه الجريمة الشنعاء لم يرق إلى المستوى المرجو من الحسم والشدة حتى الآن، كما لم ينسوا مخاوفهم وشكوكهم التي تراكمت جراء الأحداث والتصريحات، ففاقمت من حال الصدمة ومن غضبهم وشعورهم بالمهانة، التي لم يكن من الممكن التقليل من حدتها من دون عملٍ عسكري.
الملاحظ هنا أن تلك المشاعر الحادة تطال كل الأطراف، فمن ناحية هناك موقف الرئاسة: من المفهوم أن تحاول تسويق عودة المخطوفين كونه انتصاراً، لكن الحقيقة أن الغموض الذي يتعلق بالعملية، كما ذكرنا لم ينس الناس سلوك وتصريحات الرئيس وجهازه طيلة الأيام السابقة، وأقل ما يوصف به وأكثره مجاملةً هو الارتباك: فالرئيس تضاربت تصريحاته، ولعل أبشع ما قاله، هو ما تم نشره على موقع الرئاسة من مساعيه للحفاظ على أرواح الجنود المختطفين والخاطفين، حيث يساوي بذلك بين الضحية والجاني، وكثر الحديث عن التفاوض، مما دفع بالكثيرين للحديث، إما لمزاً أو تصريحاً عن تردد الرئيس، نظراً لكون الخاطفين من ‘جماعته’، وهم بذا لا يقصدون جماعة الإخوان المسلمين تحديداً، وإنما التيار الإسلامي الأعرض الذي يندرج تحته الخاطفون، وهي الشكوك التي عززها غياب تفاصيل عملية الأفراج.
من ناحيةٍ أخرى، فإن ذلك التخبط والارتباك في ردة فعل المؤسسة العسكرية أصاب الجمهور بالإحباط، فقد كانوا يتوقعون رداً أسرع وموجعاً، ومن سخرية السياسة أن المباهاة بإطلاق سراح الخاطفين من دون قطرة دم ومن دون رصاصةٍ واحدة لا يزيد غالبية الجمهور إلا غيظاً وغضباً!
في رأيي أن ملف هذه القضية مايزال مفتوحاً، فليس السبعة جنود أول من خطف، وعلينا أن نتذكر الضباط الثلاثة الذين لم يعودوا بعد ولا نعرف لهم مكاناً، ناهيك عن الجنود الذين استشهدوا في رمضان السابق، ولم يتم الإمساك بالجناة أو معاقبتهم؛ بالإضافة إلى كون الغموض الذي يلف تفاصيل العملية وعدم الثأر من الجناة لم يخففا من غضب الجمهور وقلقه، لذا لا يملك الكثيرون سوى التساؤل: ما الذي يمنع من تكرار هذه العملية، ما دام الجناة أحراراً طلقاء؟ ويضيف بعضهم ‘بل إن الرئيس كان حريصاً على حياتهم’؟!
أجل، عاد المخطوفون، ونحن سعداء بذلك، كما نتفهم أن يستغل د. مرسي هذا الموقف في الدعاية إلى نفسه، إلا أن الحادثة لن تمر هكذا مرور الكرام، بل سيستمر الجدل بين ‘فرقاء’ الوطن عليها كثيراً حتى تجد كارثة أخرى..

‘ زميل الكلية الملكية لأطباء التخدير

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية