الأردن: جدل البلديات يتواصل.. ورموز العاصمة يتحدثون عن خلل تمثيلي غريب.. ومستقبل الحكومة في الميزان

حجم الخط
0

منظومة متشددة من التشريعات والقرارات والتوجهات تستحضر روح المرحلة العرفية.. وحالة فصام اصلاحية يختبرها المجتمع

عمان ـ “القدس العربي” ـ بسام البدارين: نجاح التيار المحافظ في الأردن في تخويف الجميع من تداعيات الاصلاح والتغيير لم يؤد فقط لاقصاء أفكار ومفردات الاصلاح من القاموس السياسي والاعلامي بل تعدي ذلك لصالح انتاج منظومة من التشدد أصبحت واقعا موضوعيا وتشبه الي حد كبير سلسلة أحكام عرفية مبطنة قيمتها تكمن في أنها غير معلنة وغير مباشرة ولا يمكن رصدها عمليا. وعبقرية القيود سواء في التشريعات والأنظمة او في تصرفات الحكومة ومؤسساتها التنفيذية تعيد عمليا استنساخ الأجواء العرفية التي قررت في البلاد قبل عقود في سياق الحفاظ علي الدولة والهوية والنظام قبل التخلي عنها لصالح تحول ديمقراطي قرر عام 1989 لاحتواء اضطرابات الأسعار واعادة انتاج المعارضة. لكن هذا الاستنساخ لا يفرض جبرا ولا بالقوة كما كان يحصل في الماضي فالخيارات الديمقراطية واقعيا متاحة لمن يرغب ويهتم لكنها اما مكلفة او غير منتجة، وبطبيعة الحال يمكن دوما استدعاء احتياطي استراتيجي من المخاوف والهواجس لتبرير التراجعات الاصلاحية وتمريرها شعبيا عبر نافذة صغيرة يحرص فيها كل فرد في المجتمع الأردني علي هيبة الدولة ووجود المؤسسة مشدوها بالغرائب التي تحصل في الاقليم ابتداء من العراق وانتهاء بلبنان مرورا بفلسطين. بمعني أخر نجح الجناح المحافظ في المؤسسة والنخبة الأردنية في توظيف مخاوف الناس الطبيعية مما يحصل حولهم واعادة استثمار المشهد لتعزيز منظومة ناعمة جدا قلصت الكثير من الحريات وأطاحت ببعضها والأهم مررت قرارات وتوجهات وملفات ما كان يمكن ان تمر في مجتمع ديمقراطي حقيقي او حتي في مجتمع نصف ديموقراطي يواجه أزمة فصام نادرة تتمثل في مؤسسة تقول انها تدعم التحول الديمقراطي لمواطنين غير ديمقراطيين تربويا وفكريا كما يلاحظ رئيس الوزراء الأسبق فيصل الفايز. الجديد في الموضوع ان الجناح المحافظ في المؤسسة والنخبة كرس نمطا عبقريا من الخطأ البصري فعلي سبيل المثال أصبح تجنب العبث في قواعد لعبة قانون الانتخاب مطلبا شعبيا وليس حكوميا فقط والمركزية في ادارة الاعلام لها أنصار ومؤيدون وسط الجسم الاعلامي أكثر بكثير من خصومها، والاسلاميون الذين تستهدفهم الحكومة لا بواكي لهم خارج كادرهم. وبالقياس أصبح الحديث عن غرائب ما حصل في انتخابات البلديات مؤخرا محاولة واضحة للمساس بمصداقية الدولة وهيبتها وأصبحت مجرد الاشارة لخلل التمثيل في نتائج الانتخابات البلدية وخصوصا في العاصمة عمان عودة للطرح المعادي للكيان الوطني الأردني ومحاولة متجددة لركوب موجة المشروع الصهيوني رغم ان الشعب بكل فئاته أثبت انه مخاصم طبيعي وتلقائي لكل ما له علاقة بالصهيونية واسرائيل وحتي التطبيع معها. وانتخابات بلدية العاصمة عمان عكست خللا يتحدث عنه الجميع في التمثيل الحقيقي وشكل علامة فارقة من اشارات الانتخابات البلدية التي اثارت ولا زالت عواصف من الجدل والنقاش حيث لم تتمثل أقليات عمان في المجلس المنتخب وصعد ممثلون للمجلس البلدي لا يعكسون واقع العاصمة والأسباب حتي الآن مجهولة لحد ان المسألة بحاجة لدراسة حقيقية لفهم حقيقة ما حصل فيما يترقب الجميع الأن قائمة تعيينات البلدية التي يقال انها في جيب رئيس الوزراء معروف البخيت. ومن يتحدث عن اصلاح حقيقي الأن في عمان او عن حقوق سياسية متكافئة للجميع او عن عدالة في التوظيفات لا تتصدي له الدولة فهي تسمح بمثل هذا الكلام الديمقراطي بل يتصدي له مئات الشكاكين المتهمين والجاهزين للانقضاض علي كل من يتجرأ علي التحدث عن الاصلاحات باعتبارها وصفة أمريكية هدفها النهائي الوطن البديل والقضاء علي الكيان الأردني. ومن يتهم في مثل هذه الحالات يتجنب حقائق جغرافية ودستورية وواقعية تعرف الدولة الأردنية باعتبارها ممثلة لكل رعاياها وأبنائها، خصوصا اذا كان الهدف الاستعداد لركوب موجة المستقبل والتهيؤ فعلا لا قولا لبناء دولة عصرية حديثة بتلك القياسات التي تجتهد من أجلها القيادة الأردنية داخليا وخارجيا.

لذلك أصبح الاصلاحي غريبا في مجتمع النميمة الأردني، فاضطر علي الأغلب لممارسة الاقصاء الاختياري فيما جلست المؤسسة تراقب اصلاحييها المبتعدين او المتهمين بدون مناصرتهم او دعمها. والحديث عن المؤسسة هنا حصريا يعني الحديث عن شبكة متنفذة من المسؤولين والسياسيين المحافظين يؤهلها موقعها للتخويف والتهويل وخبراتها ممتازة في المجال العرفي ولديها موقف جذري من المسألة الديمقراطية، والأهم أنها وكما يقول رئيس سابق للوزراء شبكة محاطة بامتيازات نتجت عن الادارة غير الديمقراطية وأفرادها ليسوا معادين للاصلاح بطبيعتهم لكنهم لم يجربوه ويعتقدون انه نمط من العبث يمكن ان يطيح بكل شيء.

وهؤلاء بطبيعة الحال لديهم وصفة جاهزة للحفاظ علي مستقبل البلاد وحاضرها ولا يجازفون بتجربة أي انماط حداثية وعصرية ويقاومون تلقائيا أي تغيير من أي نوع ويحتفظون بتصورات محافظة لادارة كل الملفات، وبسبب ضعف عزيمة بعض دعاة الاصلاح وأخطائهم نجح المحافظون في تكريس تصوراتهم وأجندتهم في اطار مقاومة مشاريع تغيير أنماط تفكير الدولة وبرامج الادارة.

هذه المجموعة التي تساندها مجموعات أقل أهمية في المجتمع والمؤسسات المدنية والاعلامية والتشريعية هي المسؤولة نظريا عن تأخير حسم قانون انتخاب جديد وعصري وهي المسؤولة علي الأغلب عن استراتيجية اخضاع التيار الاسلامي وتغيير عناوينه، وعن التراجعات التي طالت تشريعات الحريات والاعلام وعن العودة الناعمة للنمط العرفي المحافظ في الادارة وممارسة الحكم بالمستوي التنفيذي. وبالتالي يمكن القول ان المجموعات المشار اليها هي المسؤولة اساسا عن حالة الفصام الاصلاحية التي يعايشها المجتمع الأردني حيث يكثر الكلام عن الاصلاح والتغيير بدون عمل حقيقي، وحيث يحتاج الأمر لعدة زيارات ملكية لمعالجة أخطاء ادارية في المطار او في احد المستشفيات.

وحيث ـ وهو الأهم ـ ما زالت السياسات المتبعة اجرائيا وحكوميا تمنع مشاركة الأغلبية وتبقي فئات اجتماعية عريضة في منطقة الشعور بالاغتراب قصرا، اما التبرير فمتاح في كل الأوقات علي شكل دعوة لتجنب العبث بالقيمة الأساسية للاردنيين المتمثلة بالأمن والاستقرار وأخري توازيها لعدم الغرق في السيناريوهات التي تطيح بالأوطان، رغم ان الأمن والوطن ومعهما شرعية القيادة عناصر اجماعية خارج سياق أي حسابات من أي نوع.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية