يجب عدم تجاوزها والقفز فوقها
ظنّت الجماعة الدولية لسنين طويلة أن الارهاب الفلسطيني سيقف مع انشاء الدولة الفلسطينية؛ وهذه معرفة قامت علي التجربة التاريخية الغربية ـ الصحيحة علي نحو عام ـ لان الارهاب يُستعمل لاحراز أهداف قومية، وأن الجماعة القومية التي تُلبي مطالبها تكف عن شغل نفسها بالارهاب. ومن نتيجة ذلك أن طُلب الي اسرائيل تقدم سياسي، بافتراض أن الدولة الفلسطينية ستفضي ـ كأمر مفهوم ضمنا ـ الي انتهاء الارهاب.
ليس هذا ما ظنّته حكومة شارون: لم يكن المفهوم ضمنا مفهوما البتة، وكان المطلب الاسرائيلي ترتيب تقدم مغاير وهو وقف الارهاب والقضاء عليه قبل كل شيء والتقدم السياسي بعد ذلك فقط. وهذه بالضبط خلاصة السياسة التي جُسدت في شعار لن يكون تفاوض (سياسي) تحت النار (الارهاب) . لا يخالف أحد عن وجود الخطر الكبير الكامن في اقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة في المخطط الحالي للمجتمع الفلسطيني ـ وهو مجتمع مصاب بالارهاب، والجريمة، والفساد والانشقاق. ستكون دولة كهذه زميلة محترمة في الجماعة الدولية المنظمة، لكن الارهاب المضاد لاسرائيل سيستمر منها، في حين ستُقلص قدرة الجيش الاسرائيلي علي العمل داخل الدولة الفلسطينية تقلصا كبيرا بسبب قيود سياسية، وقانونية ومواقف الرأي العام الدولي. اليوم ـ من اجل منع الارهاب ـ تسيطر قوات الأمن وتتجول كما ينبغي داخل المنطقة التي تسيطر عليها اسرائيل حربيا، عندما ستقوم دولة فلسطينية سيُطلب الي قوات الأمن ـ من اجل منع الارهاب ـ أن تغزو الدولة المجاورة، ذات السيادة والمستقلة، والتي تعترف بها في العالم دول كثيرة (أكثر من تلك التي تعترف باسرائيل) واختلاف الوضعين يتحدث من تلقاء ذاته.
وضع الرئيس بوش في خطابه في يوم 24 حزيران (يوينو) 2002 الأساس لتسوية تقدم سياسي مختلف، ومغاير. تم تطوير موقفه في الوثيقة التي أُعدت برأي من الرباعية الدولية (وتم الأخذ بها في قرار الهيئة العامة للامم المتحدة) المسماة خريطة الطريق ـ وهي خطة لادارة عملية المصالحة بين دولة اسرائيل، والشعب الفلسطيني والعالم العربي.
يُطلب الي الفلسطينيين في المرحلة الاولي، من جملة ما يُطلب اليهم، الكف عن الارهاب: حل المنظمات الارهابية، ومصادرة سلاحها، وإقرار جهاز استخبارات، وأمن وشرطة ناجعة لمنع الارهاب وتطبيق القانون، وبناء نظم شرطة وادارة مناسبة ـ أي ادارة نظيفة من الارهاب، تعمل كما ينبغي وتستحق أن تقود دولة.
في المرحلة الثانية ـ بعد مرور فترة امتحان ـ ستقام دولة فلسطينية في الحدود الحالية للسلطة الفلسطينية، وبعد ذلك فقط ـ في المرحلة الثالثة وبعد فترة امتحان اخري، سيتم البدء بتفاوض لاحراز تسوية للمسائل الأساسية: الحدود، واللاجئين ومكانة مدينة القدس. هذه خريطة الطريق: التقدم للمرحلة التي تلي مشروط بالتنفيذ الكامل للمرحلة السابقة، والمسيرة كلها مشروطة باقامة سلطة فلسطينية ناجعة وتؤدي عملها وتمنع الارهاب وتُطبق القانون، ويظل الحكم هل أُقيمت المرحلة علي نحو يُمكّن من الانتقال الي المرحلة القادمة، في يد الولايات المتحدة بالفعل.
منذ أن قررت حكومة اسرائيل قبول خريطة الطريق (مع تحفظات ما)، وافقت اسرائيل علي اقامة دولة فلسطينية بشروط خريطة الطريق. ليس جدار الجدل اذا مجرد اقامة الدولة الفلسطينية بل شروط اقامتها.
في الاسابيع الأخيرة يبدو تغير للنشاط الفلسطيني نحو انتقال عن نظام عصابات مسلحة الي ادارة سليمة، لكن كل ما تم لا يقترب من اقامة تامة للمرحلة الاولي من خريطة الطريق. ان تجاوز ذلك الي التفاوض في التسوية الدائمة في الوضع الحالي يعني تجاهل المرحلية المشروطة لـ خريطة الطريق ونزولا عن أهم انجاز سياسي لاسرائيل في السنين الأخيرة. ان خريطة الطريق هي اعتراف أكثر الجماعة الدولية بحق اسرائيل في ألا توافق علي دولة فلسطينية ما لم يُضمن أن تكون تلك الدولة قادرة علي منع الارهاب من داخلها. لا يجب النزول عن ذلك. لا يجب النزول ولا الإفساد.
دوف فايسغلاسمستشار سابق لشارون(يديعوت احرونوت) 8/8/2007