وثيقة أروشا والوضع السياسي في السودان

حجم الخط
0

د. يوسف نور عوض

كانت مشكلة جنوب السودان قبل أكثر من عامين الشغل الشاغل للمجتمع الدولي وكان المرجح انه بعد حل هذه المشكلة أن يتحول السودان إلي مرحلة البناء واللحمة الوطنية، ولكن العمل في اتجاه توحيد الجهود توقف فجأة بعد أن تحول اهتمام المجتمع الدولي إلي أزمة دارفور التي صورت علي أنها اخطر أزمة يواجهها العالم وحملت الحكومة السودانية مسؤولية كل ما يجري في تلك المنطقة من مآس.

ولا نريد أن نقلل من أزمة دارفور بكونها بالفعل أزمة خطيرة وتتطلب معالجة خاصة ولكن من الخطأ أن نتصور أن حل مشكلات السودان بصورة جزئية يمكن أن يوصل إلي ما يتطلع له الجميع، ذلك ما يدعونا إلي أن نؤكد أن مشاكل السودان لم تبدأ مع مشكلة الجنوب أو دارفور فهي في حقيقتها ترجع إلي تلك الفترة التي تأسس فيها السودان الحديث في عهد الحكم التركي إذ من المعروف أن الأتراك هم الذين أسسوا السودان الحديث وأعطوه شكله وحدوده الحالية إذ لم تكن هناك دولة موحدة بهذا الاسم قبل غزوهم بل كانت هناك شعوب وثقافات ترتبط مع بعضها بعضا بأواصر قوية ولكنها لم تتوحد في إطار دولة واحدة وهنا تكمن المشكلة التي واجهها الأتراك وعملوا علي حلها في مراحل مختلفة من خلال النظام اللامركزي الذي كان يتيح لهم تقسيم البلاد إلي مناطق ووحدات سياسية يسهل التحكم فيها بصورة مجزأة، ولم يختلف الوضع كثيرا أيام الحكم الانكليزي المصري فقد واجه هؤلاء أيضا حقيقة السودان الواسع الكبير الذي قاموا بتقسيمه إلي ثماني مديريات حكموها بطرق إدارية متطورة ومنظمة، وتخلصوا مؤقتا من مشكلة جنوب السودان من خلال قانون المناطق المقفولة الذي أمن عدم الاحتكاك بين الشمال والجنوب، ولم تصادف الإدارة البريطانية مشاكل كبيرة إلا في النادر، أولا لأن عدد السكان لم يكن كبيرا ولم يتجاوز في أول أمره خمسة ملايين نسمة كما أن المصادر الاقتصادية كانت كافية جدا لإدارة الدولة التي قسمت لقطاعين حديث وتقليدي.

ولا شك أن المشاكل بدأت بعد الاستقلال بشكل لم يكن معهودا من قبل، وليس ذلك بسبب النزاعات القبلية والعرقية كما يظن الكثيرون بل بسبب زيادة عدد السكان وتوقف عجلة التنمية وظهور أجيال جديدة لها طموحاتها الخاصة، ذلك أن الانتلجنسيا الجنوبية كانت لها أهدافها ومطامحها التي تختلف عن مطامح الإنسان العادي الذي ما كان يريد أكثر من الأمن والعيش الميسر، ولم يكن له كبير غرض في الصراعات الدينية والعقدية كما لم يفكر في شعارات كبيرة مثل تقاسم السلطة والثروة، وكان ذلك أيضا شأن إقليم دارفور الذي كان تاريخيا مركز قوة الثورة المهدية ومن بعد الداعم القوي لحزب الأمة ولكن مع ظهور الإنتلجنسيا الحديثة أصبح الإقليم متوجها نحو وجهة لا تختلف كثيرا عما كان سائدا في جنوب السودان.

ولا شك أن المجتمع الدولي الذي يرمي بثقله في الوقت الحاضر من أجل حل مشكلة دارفور له أهداف غير تلك المعلنة، بعض هذه الأهداف يتعلق بالموقف السياسي من حكومة السودان بكونها إسلامية، وبعضها يتعلق بصراعات إقليمية مثل صراع الشرق الأوسط وغيره من الصراعات في داخل القارة الأفريقية.

ولا شك أن الحكومة السودانية تدرك كل ذلك ولكنها ما زالت تعتقد أنها يمكن أن تتوصل مع المجتمع الدولي إلي حلول في المشكلات التي تواجهها، وذلك في تقديري وهم، ونسوق له التطورات الحادثة في قضية دارفور ذلك أنه في شهر ايار (مايو) من عام ألفين وستة توصلت الحكومة إلي اتفاق مع فصيل من جيش تحرير السودان وهو الاتفاق الذي رفضت فصائل منشقة التوقيع عليه لتعود المشكلة كما كانت ويساعد المجتمع الدولي علي توسيعها من خلال توجيه الاتهامات للحكومة السودانية تارة وإلي فصيل مني مناوي تارة أخري، ويضيف إلي ذلك التهديدات من مجلس الأمن بتوقيع عقوبات علي الحكومة السودانية. وبدلا من أن يعمل هذا المجتمع علي المساعدة من أجل تقريب المصالحة بين الفرقاء نراه يتيح المجال لتزايد عدد الفصائل بدرجة كبيرة تصعب السيطرة عليها وذلك ما دفع الأمم المتحدة والإتحاد الأفريقي إلي تكثيف الجهود من اجل التوصل إلي موقف موحد بين الفصائل في مباحثات أروشا لأجل التفاوض مع الموقف الحكومي مع وجود انشقاقات في داخل الفصائل ذاتها. وقد يبدو الموقف في ظاهره وكأنه محاولة لرأب الصدع ولكن التجربة علمتنا أن تدخل المجتمع الدولي لا يهدف إلي حل مشكلات حكومة السودان بل يهدف في الأساس إلي تعقيد مواقفها من خلال مواجهة قوية لسياستها، وذلك ما جعلها تبدي تحفظاتها تجاه ما توصل إليه المجتمعون في وثيقة أروشا علي الرغم من الترحيب الذي لقيته نتائج المباحثات سواء من بعض الدول الأفريقية مثل جنوب أفريقيا أو من الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وجامعة الدول العربية. ويتركز تحفظ الحكومة السودانية كما أعرب عنه الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية علي الصادق في نقطة واحدة وهي أن الحكومة لا تريد أن تعيد فتح الملفات التي أغلقت في أبوجا والتي تتعلق بتقاسم السلطة والثروة من جديد لأن الحكومة تعرف أنها لا تواجه في الوقت الحاضر فصيلا أو فصيلين وإنما تواجه مجموعة كبيرة من الفصائل، ولا شك أن تقاسم السلطة والثروة معها معناه الدخول في التزامات مادية وإدارية قد تكون فوق قدرة الحكومة. والمسألة الأكثر أهمية في كل هذه الجهود هي التساؤل هل تملك الحكومة ما يمكن أن تقدمه لهذه الفصائل في حال التوصل إلي اتفاق؟ وهنا تبرز مشاكل السودان كلها علي أنها مشاكل من صنع النخب ولا تتسبب فيها ظروف من صنع أي نظام للحكم، ذلك أن حكومة السودان لا تملك في الحقيقة زمام السلطة في البلاد علي النحو الذي يصوره الكثيرون كما لا تمسك بثروة الأقاليم إلا إذا انحصر الأمر في دخول النفط، وبالتالي فإن محاولة حل مشكلات السودان من خلال تلبية مطالب بعينها ستكون صعبة جدا، والأجدي من كل ذلك أن يكون هناك عقد اجتماعي جديد يتوافق عليه جميع أهل السودان من أجل أن يحددوا الكيفية التي يريدون أن تحكم بها بلادهم وهو عقد غير موجود في الوقت الحاضر سواء كان ذلك من جانب الحكومة أو من جانب مناهضيها، ذلك أن الحكومة لا تمثل قطاعات واسعة من الشعب السوداني وهي انبثقت من تنظيم ديني وجد صعوبة بالغة في أن يضع مفاهيمه موضع التنفيذ، وبدأ يدرك أنه من الصعوبة بمكان الاستمرار بأيديولوجية دينية من أجل وضعها في نظام دولة، وليست المعارضة في وضع أفضل ذلك أن المعارضة الشمالية علي الرغم من أنها تحاول الاستفادة من مآزق الحكومة فهي تريد أن تعيد عقارب الساعة إلي الوراء من أجل بدء المسيرة من مراحلها الأولي التي ثبت فشلها، وأما المتمردون القدامي والجدد فهم يعولون علي الانتصارات التي حققوها ويعتقدون أن هذا طريق سوف يؤدي إلي تحقيق أهدافهم النهائية، وفي الحقيقة هو طريق لن يؤدي إلي شيء سوي تفكيك وحدة البلاد، وإذا كان هذا هو الهدف فليتصارح الناس في ذلك حتي يحددوا خياراتهم بدقة بحيث لا يستمرون في وهم الدولة الواحدة التي لا وجود لها في الواقع العملي، وقد رأينا قبل أيام باقان أموم الأمين العام للحركة الشعبية يهدد بان سياسة الحكومة الحالية ستؤدي بالفعل إلي الانفصال في جنوب السودان، والسؤال هو هل الانفصال تهديد يرفع فقط في وجه الحكومة أم هو تهديد يشمل أهل السودان كلهم؟

يجب هنا أن يتوقف الجميع ليتساءلوا هل نريد وطنا موحدا يعمل جمـــيع أبنــائه من أجل بنائه ورفعته أم نريد وطنا أساسه التجزئة؟ الإجابة علي هذا السؤال هي التي تحدد مسار المرحلة القادمة من العمل السياسي في السودان ويجب ألا ينخدع أحد بان مجرد عقد لقاء بين الحكومة وفصائل المتمردين يمكن أن يحقق الأهداف الوطنية، ذلك أن تحقيق أهداف المتمردين قد ينحصر فقط في تحقيق أهداف فصائل النخب كما أن تحقيق أهداف الحكومة قد يعني من الجانب الآخر تكريس نظام حكم قد لا يكون ممثلا لكل شرائح أهل السودان، وقد يكون هذا الاتجاه هو ما تريده بعض الدول في المجتمع الدولي ولكنه بكل تأكيد لن يخدم المصالح الحقيقية لشعب السودان التي لا بد أن ينظر إليها وفق رؤية وطنية شاملة. 9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية