عمان ـ «القدس العربي»: بسام البدارين صدمت الحكومة الأردنية كل المؤشرات الحيوية التي يتحدث عنها دعاة الإصلاح السياسي عندما سمحت للرجل الثاني فيها الدكتور محمد الذنيبات بقيادة صلح عشائري في خلاف جهوي وقبلي في مدينة الكرك جنوبي البلاد انتهى عمليا بتكريس عادات جديدة تعزز نفوذ التقاليد العشائرية على حساب دولة القانون.
الإلحاح على ترتيبات تتضمن دخول شخصية أكاديمية بارزة من طراز الدكتور الذنيبات في عمق نزاع عشائري واجتماعي ومحلي الطابع برزت مبكرا من قبل جهاز الحاكم الإداري في مدينة الكرك باعتباره يمثل المجسات الرئيسية لقراءة الواقع الميداني.
مبكرا أدركت السلطات الأمنية في الكرك ان حادثة قتل أثارت نزاعا بين عشريتين كبيرتين في المدينة لا يمكن السيطرة عليها بموجب القانون المدني ولا بإجراءات التقاضي المعتادة.
هنا حصريا برزت قوة ونفوذ التقليد العشائري الذي ركبت موجته الحكومة فورا على أمل احتواء مشكلة اجتماعية وفقا لخيارات سهلة وسريعة، الأمر الذي أثار موجة عاتية من اللغط والتكهن حول جدية الدولة وأجهزتها في فرض هيبة القانون كمعيار لتصفية النزاعات المحلية.
بدا واضحا من البداية ان الإخفاق في معالجة قانونية وقضائية وأمنية للمشكلة قيد البحث يؤشر على فشل الإدارة الحكومية رغم كثرة الكلام عن عزل السياق العشائري وإنفاذ لغة القانون.
الدكتور الذنيبات شخصية إدارية رفيعة المستوى ويجلس في مقعد نائب رئيس الوزراء وهو أيضا وزير التربية والتعليم، الأمر الذي شكل صدمة للرأي العام عند إشرافه الشخصي على ترتيبات صلح عشائري انتهت بصك لعملية الصلح لا علاقة له بالقانون ولا بمنظومة التقاضي المتعارف عليها.
القصة بدأت بالاحتقان الأمني الشديد الذي ساد مدينة مؤتة جنوب الكرك بعد مقتل رجل أعمال شاب.
الاحتقانات الأمنية زادت حدتها فأحرقت منازل ومحلات تجارية بعدما تبين ان القتيل هو نجل أحد مشايخ عشيرة الصرايرة الكبار في ما تبين ان القاتل مدفوع بنزاع مالي من أبناء عشيرة البرارشة.
تم إلقاء القبض على القاتل الذي ارتكب جريمته بدم بارد في وقت قياسي واعترف بجريمته وقام بتمثيلها وأعرب عن ندمه فيما تبرأت منه عائلته وطالبت بإعدامه بالطريقة نفسها حقنا للدماء.
كل ذلك لم يساهم في إرضاء عشيرة المغدور وفي الوقت الذي كانت فيه الحكومة تراقب المشهد دخل الدكتور الذنيبات على الخط قبل تسجيل المفاجأة الأبرز ببنود صك الصلح العشائري.
ثلاثة بنود في صك الصلح العشائري أثارت قلقا بالغا في المجتمع السياسي والمدني الأردني.
البند الأول الإصرار على إعدام القاتل بإجراءات قضائية سريعة وتنفيذ الحكم خلافا لكل تقاليد وإجراءات التقاضي.
البند الثاني يتعلق بترحيل جميع أقارب القاتل حتى الجد الخامس مع عائلاتهم خارج مدينة الكرك إلى مدينة الطفيلة المجاورة.
البند الثالث تنفيذ مضمون الصك والصلح خلال ثلاثة أشهر فقط.
لافت جدا في السياق ان الدكتوراه في الإدارة التي يحملها نائب رئيس الوزراء وموقعه الرسمي لم يساعداه إطلاقا في إبعاد الحكومة وسلطتها عن هذه البنود المخالفة تماما للقوانين المدنية وأنماط التقاضي بموجب أحكام الدستور. رغم الحملة التي شنها نشطاء ضده لم يوضح الوزير الذنيبات موقفه من الجدل المثار حول دوافع الحكومة للموافقة على ترتيبات من هذا النوع على حساب نفاذ هيبة القانون.
لكن يبدو ان الشغف السياسي للحكومة في احتواء سريع للإشكال بين العشيرتين في الكرك دفع بإتجاه هذه المفارقة والمفاجأة.
الأكثر حساسية يتمثل في ان وثيقة حادثة مؤتة العشائرية والتي أشرف عليها الذنيبات والحاكم الإداري والشرطة أنتجت سابقة ستكون دوما مقلقة ومزعجة ليس فقط على صعيد الإعلاء من شأن تقاليد العشائرية على حساب دولة القانون والمؤسسات.
ولكن أيضا وهو الأهم على صعيد تحريض العائلات والعشائر مستقبلا للمطالبة بخطوات مماثلة في النزاعات الناتجة عن القتل والدم وهي دوما نزاعات كانت تساعد التقاليد العشائرية في إحتوائها إيجابيا دون الإنقاص من قيمة إجراءات التقاضي العادلة التي تأخذ وقتها بصورة كافية في إنفاذ القانون.
بعد الآن يتوقع في أحداث مماثلة ان تطالب عشائر ضحايا القتل بتطبيق سيناريو مؤتة ما يخل حتى في رأي نشطاء العشائر ببعض الإجراءات المستقرة في وجدان الجميع والتي كانت تقضي بان ترتيبات القانون العشائري ملحقة ومساندة للاستحقاق القانوني وليس العكس كما حصل مع وثيقة الذنيبات.
السابقة التي حصلت أزعجت نشطاء التيارات المدنية ودعاة الإصلاح وأظهرت ان الحكومة تحتاج لمنظومة التقاليد العشائرية في القرن الحادي والعشرين ليس فقط لأنها قوية وصلبة في المجتمع أو مفيدة ومنتجة ولكن أيضا لان ذراع السلطة ضعيفة وقوة الحكومة مشكوك فيها الأمر الذي يشكك في جدوى الحديث عن الإصلاح الشامل أصلا ومن حيث المبدأ.
وثيقة الذنيبات أثارت جدلا عاصفا لأن الحكومة قبلت بموجبها تكريس تقليد الضغط على القضاء وتوجيه الأحكام في فترة زمنية محددة وفقا لهوى العشائر ولأن الحكومة بدت ضعيفة وهي تدير هذه المسألة خصوصا مع تنامي حالات القتل في إطار نزاعات عشائرية شمالي وجنوبي البلاد حيث توجد حاليا خمس حالات على الأقل فيها نزاع عشائري على الدم وينشغل بنتائجها الحكام الإداريون.
الأهم ان وثيقة الذنيبات دعمت إلى تكريس مفهوم «الجلوة» العشائرية والتي تقضي برحيل العشرات وأحيانا المئات من العائلات البريئة من منازلها وترك ملكياتها ضمن سلسلة عقاب جماعي تخالف القانون ويرفضها المنطق الأخلاقي وإن كانت ثقافة التقاليد العشائرية تعتبرها الاسلوب الأمثل لحقن الدماء.
الغريب ان مفهوم «الجلوة» طبق فعلا رغم إعلان رئيس مجلس الأعيان فيصل الفايز وهو شخصية عشائرية نافذة ان «الجلوة» لم تعد منصفة ولا عادلة ولا حتى حضارية.