يعلن رفع العقوبات عن إيران مرحلة جديدة في تاريخ منطقة الشرق الأوسط ستترك أاثرها على العلاقات الأمريكية ـ الإيرانية والعربية ـ الإيرانية. فقد سبق الإعلان عن بدء تطبيق ملامح الإتفاق أو ما يعرف بخطة العمل المشتركة للإتفاق النووي عددا من خطوات حسن النية وبناء الثقة بين البلدين عندما تبادلت واشنطن وطهران سجناء منهم مراسل صحيفة «واشنطن بوست» جيسون رضائيان. وجاء الإعلان بعد أسبوعين حافلين من التوتر السعودي ـ الإيراني ومهاجمة متظاهرين السفارة السعودية في طهران احتجوا على إعدام رجل دين شيعي سعودي، وهو ما أدى لقطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.
لكل هذا يأتي التحول في علاقات إيران مع العالم وسط تغيرات على خريطة التحالفات في الشرق الأوسط. وكما يرى يوروسلاف تروفيموف فقد اختفى التفريق بين حلفاء أمريكا وأعدائها في المنطقة بل هناك اليوم «الأعداء الأصدقاء». فنجاح إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما بالدفع نحو حل دبلوماسي للمسألة النووية الإيرانية جاء على حساب العلاقات مع الحلفاء التقليديين في السعودية وتركيا وإسرائيل. ويقول تروفيموف في «وول ستريت جورنال» (19/1/2016) إن التآكل في معمار التحالفات الإقليمية يجعل من الصعوبة بمكان التكهن بتصرفات دوله ويفسح المجال أمام إرتكاب أخطاء مكلفة قد تؤدي لحروب جديدة. وستؤثر بالضرورة على أولويات الإدارة الأمريكية ولعل أهمها مكافحة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام. ويقول إن الولايات المتحدة تقوم بالتحرك وسط هذا الشرق الأوسط الجديد بعد أن فقدت الكثير من نفوذها فيه. فمن جهة، لم يؤدي تقارب واشنطن مع إيران إلى تغير في سلوك الحرس الثوري الإيراني الذي يواصل دعمه للجماعات المحلية المشاركة في النزاعات داخل المنطقة خاصة في سوريا. ومن جانب آخر يشعر حلفاء الولايات المتحدة التقليديون أنهم لم يعودوا مجبرين لتلقي أوامر أمريكا وهذا واضح في الطريقة التي تتصرف بها دول الخليج خاصة السعودية. ففي الماضي عندما كان السعوديون يستمعون لأمريكا لشعورهم بأن أمريكا جاهزة لحمايتهم. لكنهم الآن وبعد تخلي واشنطن عنهم أو هكذا يشعرون يرغبون بفعل كل ما يستطيعونه لحماية أنفسهم، وهذا يفسر الحرب المكلفة التي تخوضها السعودية في اليمن ضد المتمردين الحوثيين وتلميح القادة السعوديين لإمكانية حصولهم على السلاح النووي. وزادت الشكوك السعودية بعد الموقف الأمريكي من الإعتداء على سفارتها حيث حاولت واشنطن لعب دور الوسيط الذي «ساوى في اللوم بين الطرفين» كما يقول إميل هوكاييم الباحث في المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية «وهذا لن يتقبله الحلفاء التقليديون في المنطقة الذين يتوقعون أن تقف أمريكا إلى جانبهم». وهناك تركيا، عضو حلف الناتو التي تشعر بخيانة الولايات المتحدة لها عندما قررت عام 2013 التخلي عن ضرب النظام السوري بعد تجاوزه الخط الأحمر واستخدام السلاح الكيميائي. وأنقرة غاضبة أيضا على تعاون الولايات المتحدة مع أكراد سوريا الذين ترى أنهم جزء من حزب العمال الكردستاني (بي كي كي) الذين تخوض حربا ضدهم.
صراع داخلي
وتظل آثار الإتفاق على العلاقات الإقليمية ملمحا واحدا وإن كان مهما، فهو لن يؤدي إلى عودة في العلاقات الامريكية ـ الإيرانية في الوقت الحالي، رغم الصداقة الواضحة بين وزير الخارجية جون كيري ونظيره الإيراني محمد جواد ظريف. وبسبب الحظر الأمريكي على التعاون التجاري مع إيران فلن تستفيد الشركات الأمريكية من الإستثمارات الجديدة وستكون حكرا على الشركات الآسيوية والأوروبية. ومن هنا تفهم أهداف زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ للمنطقة. أما الملمح الأهم فهو موقف إيران نفسها من تطبيق الإتفاق. ومن هنا نفهم تضارب التوقعات من المؤسسة الإيرانية الحاكمة. فبعد يوم من الإعلان عن رفع العقوبات كتب الرئيس الإيراني حسن روحاني تغريدة على التويتر قال فيها إن «أرجل الاقتصاد الإيراني تحررت من سلسلة العقوبات». ورد المرشد الأعلى للثورة الإيرانية آية الله علي خامنئي بتقييم أقل حماسا وقال إن رفع العقوبات ليس كافيا لتعزيز الاقتصاد وتحسين حياة الناس. وربما كان الخلاف تعبيرا عن وجهة نظر الرجلين خاصة أن الإتفاق النووي هو انتصار للتيار المعتدل الذي يمثله روحاني وظريف لكن التقييمين يعبران عن الطريقة التي تعامل فيها كل معسكر مع الإتفاق النووي. ورغم تغطية الصحافة الإيرانية للإعلان ومنافعه الاقتصادية إلا أن من السابق لأوانه الحديث عن مرحلة تحول في العلاقات الأمريكية ـ الإيرانية كما رأت صحيفة «لوس أنجليس تايمز» (19/1/2016) وترى ان نجاحه يظل رهن السياسة المحلية الإيرانية. فقد أقام روحاني برنامجه الانتخابي عام 2013 على أن عودة إيران للاقتصاد العالمي مهمة للتخلص من التضخم ومشاكل البطالة وضرورية لخلق الفرص وعليه كان رفع العقوبات أمرا حيويا لتحقيق كل هذا. وبالتأكيد يتوقع الكثير من المحللين ان تبدأ إيران مرحلة من تحرير اقتصادها وعلاقة تقارب مع واشنطن. وهناك احتمالات لزيادة الإستثمارات وحضور الأموال الأجنبية. فبعد نهاية العقوبات تحتاج إيران لكل شيء من إصلاح بناها التحتية وبناء الطرق والموانئ والمطارات وهي بحاجة لاسطول من الطائرات كما نقلت صحيفة «فايننشال تايمز» (16/1/2016) عن مسؤول مقرب من روحاني. ونقلت صحيفة «لوس انجليس تايمز»عن كليف كوبتشان الذي يدير «مجموعة يروشيا» في نيويورك «خرج الجني من القمقم». وقال «هذا هو اتفاق سيطلق العنان لقوى لا يمكن إعادتها للقمقم بسهولة..فسترتبط إيران بالاقتصاد الدولي».
المتشددون يردون
وهو أمر مرجو لكنه مرتبط بموقف المتشددين حيث ترى الصحيفة أن العودة ليست حتمية. فقد عمل المتشددون بجهد لمنع اختراق الثقافة الغربية والقيم السياسية ودخولها للجمهورية الإسلامية. وفي الوقت الحالي فهم ليسوا مستعدين للسكوت بل سيستخدمون رفع العقوبات كي يقووا من أجندتهم. وتتوقع الصحيفة أن ينتهي جزء كبير من المليارات التي سيرفع عنها الحظر والموارد الجديدة إلى خزينة الحرس الثوري الجمهوري وغيره من أعمدة المؤسسة المحافظة. وبدا واضحا في كلام المرشد تقليله من نهاية العقوبات وتأكيده على فكرة «اقتصاد المقاومة» وهو مصطلح تحاول المؤسسة المتشددة تطمين الإيرانيين من أن بلادهم تستطيع الإعتماد على نفسها بدون دعم خارجي. ويرى حميد رضا ترغي، المقرب من القيادة الإيرانية أن عدم حماس المحافظين راجع إلى تأكيدات المرشد الأعلى مرة وبعد الأخرى أن رفع العقوبات ليس مهما «لأن أمريكا ستحاول البحث عن فرص لفرض عقوبات جديدة». وصور الإعلام التابع للمعسكر المتشدد عودة المستثمرين كدليل على تصميم إيران وانتصارها ضد القوى الغربية الشريرة ـ خاصة الولايات المتحدة. فهذه لا تزال محلا للشك من الإيرانيين، فدعواتها للتعاون في القضايا الرئيسية مثل سوريا ولبنان والبحرين واليمن تفسر في إيران بكونها مطالب للخضوع. وبالنسبة لإيران فأمريكا وحلفاؤها ـ السعودية وإسرائيل ـ هم من يقومون ببذر بذور الفرقة والفوضى ويدعمون الجماعات المرتبطة بالقاعدة في سوريا. وبحسب محمد مراندي الأستاذ بجامعة طهران «ما لا يفهمه الكثيرون في إيران هو كيف تقوم دولة مثل الولايات المتحدة التي هاجمتها القاعدة في 9/11 بدعم جماعات متحالفة مع القاعدة في سوريا». وهو تصوير مبالغ فيه لكنه يعبر في جانب منه عن موقف الجناح المتشدد الذي سيحاول الإستفادة من الواقع الجديد في الانتخابات البرلمانية التي ستعقد في الشهر المقبل. ويواجه روحاني وجناحه المعتدل تحديا كبيرا من المتشددين الذين يسيطرون على عملية اختيار المرشحين للبرلمان.
لا أجواء احتفالية
وهذا الصراع الخفي بين الجناحين ربما كان سببا في غياب الأجواء الإحتفالية في طهران يوم «بدء التنفيذ» ولاحظ مراسل صحيفة «نيويورك تايمز» (16/1/2106) كيف كان أول برنامج عرضه التلفاز الرسمي مخصصا للحديث عن لقاحات الأطفال. ولم يشهد الصحافي أعلاما مرفوعة ولا شبانا يهتفون بل كان يوما عاديا في طهران حيث يسارع الناس في أول أيام الأسبوع إلى أعمالهم. وفسرت الصحيفة غياب الحماس بأن المفاوضات النووية عكست عددا من الخيبات والوعودة التي قطعتها المؤسسة على نفسها وجربها الإيرانيون. ففي الوقت الذي تحدثت فيه الحكومة بأمل عن رفع العقوبات إلا أن قلة من السكان تتوقع أن يتغير شيء على حياتهم. ونقلت الصحيفة عن مسؤول نظافة في طريقه للعمل «لم أر احتفالا» وأضاف « يتحدثون عن مليارات الدولارات التي ستأتي ولكن كما في السابق لا أتوقع وصول هذه الدولارات إلى جيبي». ونقلت صحيفة «لوس أنجليس تايمز» عن الدبلوماسي السابق فريدون مجلسي قوله «نعرف أن معجزة سريعة ستحدث ولكننا نتطلع للأمام من أجل حدوث تحسن». ونقلت الصحيفة عن متشككين قالوا إن المنافع الاقتصادية ستأتي بالقطارة مشيرين لمشاكل الفساد والإدارة السيئة خاصة في مؤسسات الدولة. ويقول أمير كافيان، رئيس تحرير مجلة في طهران «لن تزيد القوة الشرائية للناس ولا النمو الإقتصادي» فـ «الفساد وسوء الإدارة متجذر بشكل كبير وسيبتلعان أيا من الأموال في مرحلة ما بعد العقوبات».
اختبار نوايا
وتبقى المرحلة المقبلة امتحانا للنوايا الإيرانية فبالتأكيد لن تتخلى طهران عن وكلائها في المنطقة. ولو افترضنا أن إيران ستنفق كل المال على تحسين اقتصادها فلديها ما يكفي كي تدعم حلفاءها في دمشق واليمن ولبنان. وسيكون لديها 4 مليارات لمساعدتهم. ولهذا السبب بدا الموقف من الخليج مختلفا، فمع الإعلان عن رفع العقوبات بدأت السعودية وحلفاؤها حملة للتأكيد أن تصرفات إيران لم تتغير. وكشف وزير الخارجية السعودية عادل الجبير بمقال نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» (19/1/2016) عن الدوافع التي جعلت السعودية وحلفاءها مقاومة للنهج الإيراني الذي لم يتغير منذ الثورة الإسلامية عام 1979 «حيث ينص دستورها على تصدير الثورة، فعمدت إلى دعم الجماعات المتطرفة والعنيفة». وساق الجبير عددا من الأمثلة التي تثبت وجهة النظر الخليجية والتي لم يختلف عنها ما جاء بمقال كتبه سفير مملكة البحرين فواز بن محمد آل خليفة ونشرته صحيفة «ديلي تلغراف» (22/1/2016) وناقش فيه أن لا فرق بين تطرف شيعي وسني. وقال إن العالم ركز على التطرف السني المتمثل بتنظيم الدولة «داعش» وأهمل التطرف الشيعي المتمثل بالميليشيات المدعومة من إيران. وقال إن التطرفين متشابهان في الأيديولوجية من ناحية التشدد وعدم التسامح والعداء للغرب والإشتراك بالهدف الواحد «التخلص من دول الخليج العربية».
وأكد السفير أن دول الخليج حذرت من طموحات المؤسسة الشيعية الفارسية تماما كما حذرت من خطر التشدد السني. واتهم إيران بتلقين وتدريب الشباب الشيعة من السعودية والبحرين والكويت في معسكرات الحرس الثوري. وقدم السفير بلاده كحالة مثالية عن استمرار التدخل الإيراني. ولم تختلف لهجة وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف في مقال كتبه بـ «نيويورك تايمز»(11/1/2016) هاجم فيه «البربرية» السعودية. ولكنه ختم مقاله بالقول «على القيادة السعودية أن تختار: يمكنهم الإستمرار في تأييد المتطرفين ودعم الكراهية الطائفية أو بإمكانهم القيام بأداء دور بناء لتشجيع استقرار المنطقة. ونأمل أن ينتصر العقل». وهي دعوة لا تختلف في جوهرها عن دعوة الجبير الذي كتب يقول «إلا أن السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت إيران تريد العمل وفًقا لقوانين الأنظمة الدولية، أو تريد أن تبقى دولة ثورية تسعى للتوسع والاستخفاف بالقانون الدولي. ففي نهاية المطاف، نريد من إيران أن تعمل على معالجة المشكلات بما يمكن الشعوب من العيش بسلام. إلا أن تحقيق ذلك يتطلب حدوث تغييرات كبيرة في سياسة إيران ونهجها وهو أمر ما زلنا في انتظار حدوثه». ومن هنا فعالم ما بعد رفع العقوبات عن إيران مرشح لاستمرار المواجهة بين المتنافسين.
إبراهيم درويش