موسكوـ «القدس العربي»: فيكتوريا سيميوشينا اعتبرت وزارة الخارجية الروسية أن رفع العقوبات الاقتصادية والمالية عن الجمهورية الإسلامية، التي سبق أن فرضها الغرب عليها، هي خطوة جديدة هامة نحو التطبيع النهائي للوضع حول إيران. لقد اقتنع السياسيون والخبراء الدوليون بأن برنامج طهران النووي لن يقود إلى صنع أسلحة نووية. ان روسيا، باعتبارها جزءا من مجموعة الوسطاء الدوليين الستة لحل المشكلة الإيرانية – ما يسمى بـ «مجموعة 5+1»، قد لعبت في نهاية المطاف دورا رئيسيا في حل الأزمة. لقد اعترف بهذا الدور جميع المشاركين في العملية التفاوضية. وقد رحبت وزارة الخارجية الروسية برفع العقوبات عن إيران.
وورد في بيان رسمي نشر على موقع الوزارة «نأمل أن يستمر جميع أطراف الاتفاقية في مواصلة معالجة المسائل المتعلقة بمتابعة تنفيذ الالتزامات المنصوص عليها في خطة العمل المشتركة الشاملة بشأن البرنامج النووي الإيراني. وسوف يساهم التنفيذ الناجح لخطة العمل في تعزيز نظام حظر الانتشار النووي، وسيساعد في حل مجموعة مشاكل تعزيز الأمن الدولي والإقليمي، وفي المقام الأول في الشرق الأوسط والخليج العربي».
لقد عانى الاقتصاد الإيراني نتيجة لفرض العقوبات من ضغوط هائلة. ولم يبدأ نمو طفيف في اقتصاد البلاد إلا في العامين الماضيين. وتعوّل السلطات في طهران حاليا على عملية إعادة تجهيز سريع لمصانعها وتحديث البنية التحتية بأكملها.
وتعود شركات النفط الإيرانية مجددا إلى سوق النفط التي تعاني حاليا من فائض العرض، بيد أن الخبراء الروس لا يرون أي تهديد نتيجة لعودة إيران إلى سوق النفط. إذ يعتقد المستشرق الدار كاسايف، عضو المجلس الاستشاري للصنّاع النفطيين في روسيا، أنه لا داعي للمبالغة في إمكانيات إيران في المجال النفطي.
واستبعد كاسايف «إمكانية تجاوز الحجم الفعلي للنفط الخام الذي يمكن للإيرانيين عرضه بسرعة في الأسواق العالمية ثلاثمئة ألف برميل يوميا» مؤكدا أن «تصريحات المسؤولين الإيرانيين حول امكانية زيادة صادرات بلادهم من النفط بمقدار 1 مليون برميل يوميا خلال مدة ستة أشهر إلى عام متفائلة للغاية ومن الصعب إخراجها إلى حيّز التنفيذ».
ويمكن لأسعار النفط، نتيجة للأخبار الواردة من إيران، أن تهبط إلى مستوى 25 دولارا أمريكيا للبرميل، غير أن ذلك، بحسب الخبير، سيكون رد فعل قصير المدى، لأن السوق كانت تتوقع حدوث زيادة في صادرات إيران من النفط الخام منذ ستة أشهر.
وقد أعلن رجب سافاروف، المدير العام للمركز الروسي للبحوث الإيرانية، في مقابلة أجراها مع اذاعة «فيستي»الروسية، أنه لا مصلحة لإيران في تدهور سوق النفط.
وقال سافاروف: «ليس من المربح لإيران بيع نفط رخيص. ففي حين أنها قد جنت سنويا قبل عامين 122 مليار دولار أمريكي من بيع النفط، فان أقصى ما يمكنها الحصول عليه الآن هو 22 مليار دولار. وعلى العكس من ذلك، فان إيران تدعو إلى الحد من إنتاج النفط ومن مصلحتها رفع سعر البرميل إلى 50-60 دولارا أمريكيا».
وأضاف الخبير بأن المملكة العربية السعودية، العضو الرئيسي في منظمة أوبك، طالما كانت تخشى من رفع العقوبات عن إيران، وهي تسعى الآن إلى فعل كل ما في وسعها من أجل تدهور الأسعار في سوق النفط.
وقامت الولايات المتحدة الأمريكية، بعد ساعات قليلة من رفع العقوبات عن إيران المرتبطة بالبرنامج النووي للجمهورية الإسلامية، بفرض عقوبات جديدة عليها ـ في هذه المرة ضد عدد من الأفراد والمنظمات المرتبطة ببرنامج الصواريخ الإيرانية.
وقال إلدار كاسايف في حديث مع جريدة «القدس العربي»: «على الرغم من أن الرئيس الأمريكي الذي يكون بتوقيعه على مرسوم بشأن إلغاء عدد من العقوبات ضد إيران قد برر عمليا سبب حصوله على جائزة نوبل للسلام، فان الصداقة الحالية بين واشنطن وطهران قد تتحول في المستقبل المنظور إلى مواجهة بينهما. يمكن لباراك أوباما، تبعا لنتائج الانتخابات الرئاسية المزمع اجراؤها في خريف هذا العام، أن يسلّم موقعه في المكتب البيضاوي للمشاركة في السباق الرئاسي هيلاري كلينتون. لقد دعت السيدة كلينتون إلى فرض عقوبات جديدة على إيران بسبب برنامجها لاختبار صواريخ باليستية، وقد فرضت هذه العقوبات منذ الآن». وفي المقابل، لا يشارك ليونيد ايسايف، المستعرب وأحد كبار المحاضرين في قسم العلوم السياسية في جامعة البحوث الوطنية المدرسة العليا للاقتصاد، في الضجة حول رفع العقوبات عن الجمهورية الإسلامية، ويرى الخبير أن طريق إيران من أجل الرفع الكامل للعقوبات عنها واكتسابها ثقة الغرب ستكون طويلة جدا.
وقال ايسايف: «يجب علينا ألا ننسى أن للمواجهة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية تاريخ طويل جدا. لقد أدرجت إيران من قبل أمريكا في محور الشر، ومن غير المعقول الإدعاء بان كل المشاكل بينهما ستحل دفعة واحدة. تقوم واشنطن بالتواصل مع طهران، ولكنها تعي أن إيران لا تزال تمثل منافسا رئيسيا لها في المنطقة. وبالأحرى، ان هناك مسعى لدى الغرب يود أن يرى في إيران دولة يرغب بالتعاون معها، ولكن الطريق إلى ذلك ما زالت غير سالكة».
ومع ذلك، فمن الصعب انكار حقيقة أن رفع العقوبات عن إيران يعني ضم لاعب قوي إلى لوحة الشطرنج في الشرق الأدنى. يمكن لهذا الوضع أن يؤثر بشكل كبير على عدد من المشاكل الحادة في المنطقة مثل سوريا والعراق وأفغانستان. وهل من الضروري القول بأن صوت إيران سوف يسمع بشكل أعلى؟ يعتقد المدير العام للمركز الروسي للبحوث الإيرانية رجب سافاروف أن هدف الاستفزازات الصارخة الأخيرة من جانب المملكة العربية السعودية هو إخراج إيران عن طورها ودفعها للقيام بتصرفات حادة تضعف من موقفها على الساحة الدولية.
وقال الخبير: «يتم كل شيء الآن للحيلولة دون رفع العقوبات المتبقية عن إيران. تخشى المملكة العربية السعودية أنه بعودة إيران إلى الساحة الدولية ستنزاح لغة الحديث عن حل الوضع في منطقة الخليج الفارسي نحو حل الوضع في كل من العراق وسوريا وأفغانستان. أصبحت إيران لاعبا متزايد الأهمية في حل المشاكل الإقليمية. ومع ازدياد دور إيران يقل دور المملكة السعودية».
من جانبه، يعتقد المستشرق الروسي والأستاذ في الجامعة الحكومية للعلوم الإنسانية غريغوري كوساتش أن لا شيء جيدا يمكن توقع حدوثه في حل النزاعات التي طال أمدها على خلفية رفع العقوبات عن إيران. وأن تزايد التوتر بين المملكة العربية السعودية وجمهورية إيران الإسلامية سيستمر.
وقال كوساتش: «انني أنطلق من تصريحات المسؤولين، ولا سيما تصريحات عادل الجبير التي نشرت قبل يومين في مقالة خاصة في (نيويورك تايمز) تحت عنوان (هل يمكن لإيران أن تتغيّر؟) يستنتج من هذه المقالة أن إيران لم تتغير ولا تزال، من وجهة نظر عادل الجبير، تمارس سياسة التفرقة المذهبية. ان هذا يعني أن المملكة العربية السعودية سوف تبذل جهودا أكبر لمواجهة إيران. أي أن الإدارة السعودية سوف تكثف ضغوطها على المجتمع الدولي، وستزيد من دعمها للمعارضة السورية وسوف تؤثر أيضا على العراق لإزاحة إيران من هناك، كما أن الأوضاع في اليمن ستتطوّر ، حيث لن يتخلى الجانب السعودي عن مواقفه».
وسوف تزداد في سوريا، بحسب الخبير، فرص حدوث تصادم بين مصالح روسيا وإيران التي طالما كانت غير راضية عن التدخل العسكري الروسي.
واختتم المستشرق الروسي قائلا: «ان التعاون الروسي- الإيراني في سوريا ليس بالوردي مثلما تحاول تصويره وسائل الإعلام الروسية. على العكس من ذلك، فقد حدثت منذ فترة طويلة شروخ في العلاقات بين الطرفين. يعود سبب حدوث هذه الشروخ في المقام الأول إلى أن تعزيز الوجود العسكري الروسي في سوريا يقلل من نشاط إيران في العملية السياسية داخل سوريا ويقلص من مدى تأثيرها على الرئيس بشار الأسد. سوف تحاول إيران الآن الضغط على روسيا لإعادة شغل المواقع التي سبق أن فقدتها في هذا البلد».