هل امريكا جادة في مشروعها الديمقراطي؟

حجم الخط
0

محمد علي شاهين

اتكأت امريكا مهندسة عملية الانقلابات العسكرية في عالمنا العربي علي الزمر العسكرية التي انخرطت ضباطاً وجنوداً في خدمة الاستعمار الفرنسي والبريطاني، فرباها علي عينيه، ورعاها في معاهده العسكرية، وكانت مطية للقوي الكبري في هذه المنطقة الحساسة والغنية من العالم.

واستخدمتها امريكا كمخلب قط لقلب الانظمة الديمقراطية الهشة التي خلفتها الحقبة الاستعمارية، وكان اكبر خطأ ارتكبته الحكومات الوطنية بحق شعوبها: المحافظة علي تلك المخلفات البشرية المريبة، وادماجها في القوات المسلحة تحت دعوي الوحدة الوطنية وحماية حدود الوطن.

ومكنت امريكا المتباكية علي الديمقراطية المفقودة بالمال والسلاح للانظمة الديكتاتورية المتعاقبة في هذا الشرق الاوسط الفقير والمتخلف ذي القابلية للاستبداد والاستعمار، والقابل للانفجار في كل زمان لان اسباب النزاع والفوضي فيه متاصلة، وكان اكبر دعم تلقته تلك الانظمة من الولايات المتحدة: السكوت حتي الآن علي جميع انتهاكات حقوق الانسان، بما فيها الجرائم الفاقعة المعروفة لدي القاصي والداني، التي ترتقي الي الجرائم ضد الانسانية.

ورغم تصريحات كبار المسؤولين الامريكيين في كل مناسبة، بان ادارتهم جادة ومصممة علي احداث تغييرات لصالح شعوب منطقة الشرق الاوسط، فلا شيء يدل علي حدوث تغيير حقيقي وملموس علي السياسة الامريكية في المنطقة.

وعلي العكس فقد اعطيت الانظمة الديكتاتورية المسكوت عليها الفرصة للتكيف مع شعارات التغيير والاصلاح، لتتخذ كافة الاحتياطات الامنية لحماية نفسها من قوي المعارضة، وترفع كفاءة مؤسساتها القمعية لتضرب بضراوة اعداءها المتهمين بحماية امريكا ورعايتها.

وجرت في هذه المنطقة المحرومة من العالم من نعمة اختيار الامام الصالح والنظام العادل تعديلات دستورية في بعض الدول للالتفاف علي الديمقراطية بطرق تلفيقية تنقد الكثير من الحكمة والذكاء، وكرس حزب السلطة الاوحد لقيادة الدولة والمجتمع الي الأبد.

وجرت انتخابات زيفت نتائجها علي نطاق واسع، وكان الاساس القانوني الذي اجرت سلطة الجور الانتخابات علي اساسه يفتقد الحد الادني من العدالة والمصداقية.

وكان الاختبار الاول لمصداقية ديمقراطية امريكا ما جري في الضفة والقطاع، من رفض نتائج الانتخابات الديمقراطية الحرة والشفافة، بسبب الفوز الكاسح لحركة المقاومة الاسلامية، فسكتت عن اعتقال ممثلي الشعب الفلسطيني في سجون الاحتلال، وعن اعتقال رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني المنتخب، وعن تعطيل جلسات المجلس التشريعي، ولم تحتج علي اقالة الحكومة الشرعية.

ومنحت امريكا حكومة الطوارئ، ثم حكومة تصريف الاعمال الغطاء الشرعي والدعم المالي، وهللت لمراسيم الرئيس عباس المنقوصة والمخالفة للاجماع الفلسطيني المتوافق عليه ولما يجف بعد حبر قرارات مؤتمر مكة.

ولم تكن امريكا معنية بحل عادل للقضية الفلسطينية التي اتخذها حكام المنطقة ذريعة لفرض القوانين الاستثنائية، ونهب الثروات الوطنية، لان التعامل مع الديكتاتور المطيع اسهل من التعامل مع المجالس النيابية الحرة.

ولم تتورع امريكا ـ التي تعلقت بها قلوب اهل الشرق في الماضي ـ منذ ان اصدر الرئيس الامريكي الثامن والعشرون (ولسون) مبادئه الاربعة عشر الشهيرة، التي نصت بصراحة في احدي موادها علي حق الشعوب في تقرير مصيرها، عن دعم حكومات الطوارئ القائمة في العالم العربي واستمرار تدفق مساعداتها للانظمة المعمرة الفاسدة، واقامة اوثق العلاقات مع قادة هذه الدول، واستقبالهم في البيت الابيض كحكام اسوياء.

وتتعرض مصداقية امريكا في شمال شبه القارة الهندية اليوم للاهتزاز، وهي تدعم حكومة الجنرال مشرف الملوثة يداه بدماء آلاف الطلبة بجامعة حفصة، وتحويل باكستان المستقرة الآمنة الي جحيم، تحت دعوي محاربة الارهاب والتطرف، وكان علي امريكا ان تسمع نداء الحرية في باكستان اذا كانت تؤمن بالديمقراطية، وان تقف مع الشعب لا مع الديكتاتورية العسكرية التي كانت وراء التخلف والفقر والتطرف في العالم الاسلامي.

ويخرج المتابع بنتيجة مفادها ان ما يقال عن نشر الحرية والديمقراطية والقيم الامريكية السامية في منطقة الشرق الاوسط لا يتعدي كونه دعاية انتخابية امريكية، موجهة لمرضي القلب الامريكيين والمغفلين العرب، ومبرراً للتدخل في شؤون المنطقة للتخلص من الحكام الخارجين علي بيت الطاعة الامريكي، كما حدث في العراق، وتلويحاً بالتدخل في شؤون كل من يخطر علي باله التفلت من حظيرة الراعي الامريكي كما يحدث في المنطقة برمتها.

ولو ارادت امريكا فرض الديمقراطية علي المنطقة لاستطاعت بما تملكه من وثائق، وفضائح، ومستمسكات، وارقام حسابات، وملفات جاهزة عن انتهاكات خطيرة لحقوق الانسان تدين المعنيين بانتهاك مبادئ الديمقراطية في منطقة واسعة محرومة من نعمة الحرية، ودون الاستعانة بجيوشها الجرارة وعملائها.

ولكنها لا تريد ذلك، لان الديمقراطية كالماء بالنسبة للارض العطشي، والماء حياة، وهي لا تريدنا ان نحيا حياة آمنة وسعيدة ومستقرة.

ويتكرر السؤال باستمرار هل امريكا التي اغرقتنا منذ عهد الرئيس (ولسون) حتي الذقون باحلام الحرية جادة في مشروعها الديمقراطي في المنطقة؟

ام ان مشروعها النظري القائم لا يعدو عن كونه خروجاً محدوداً علي نص تقرير التنمية البشرية التابع للامم المتحدة الذي وضعه عدد من المثقفين والخبراء العرب.

وهل تريدنا امريكا ان نكل اليها مهمة استعادة الحرية والديمقراطية، فننام في احضانها غير ساعين لاستعادتها من مغتصبيها، وكان الحرية الحمراء لا تحتاج الي يد مضرجة بالدم!

كاتب من فلسطين8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية