في عالم فقد القواعد الاخلاقية بسبب العولمة الوحشية التي اكتسحت العالم: هل سيرتفع صوت الحكمة والتعقل في الغرب؟

حجم الخط
0

سعيد مولاي التاج

ربما يكون الحكماء والعقلاء في الغرب قلة لكنهم موجودون، وربما كانت أو تكون أفكارهم نشازا في وسط اجتماعي تشكل وعيه الجمعي وفق نمطية في التفكير والتحليل أسهمت الآلة الدعائية ووسائط الإعلام المحتكرة والموجهة من لدن لوبيات سياسية واقتصادية في تكريسها إلي حد بعيد، وربما يكون صوت حكمتهم خافتا مهمشا مقصيا عن دائرة التأثير لكنه بدأ يرتفع ويشد الانتباه إليه شيئا فشيئا بعد أن أثبتت صحة أفكاره وصدقيتها الحوادث المتتالية التي هزت العالم، فكشفت حجم المخاطر الهائلة التي تهدد الإنسانية جمعاء، وقد كان ينظر إليها سابقا كخيالات فلسفية وأحلام شيخوخة جامحة.

صوت الحكمة الذي أعرب ويعرب عن نفسه ويدق ناقوس الخطر، في عالم فقد كل قواعد الارتكاز الأخلاقية والقيمية بسبب تسونامي العولمة الشمولية المتوحشة التي اكتسحت العالم فأفقدته الهدف والمعني والغاية، بدأ يستقطب أنصارا من مختلف الطبقات والفئات والمجتمعات خاصة بعد أحداث 11 ايلول (سبتمبر) وتفجيرات أوروبا (لندن ومدريد) التي أشعرت المواطن الغربي بجدية التهديد وكرست لديه الإحساس بأن الأنظمة غير قادرة علي حمايته وتوفير الأمن رغم ما تمتلكه من قدرات عسكرية ومخابراتية، وتحول الإحساس بعدم الأمن في مرحلة متقدمة إلي وعي بأن الحكومات هي المسؤولة بأخطائها السياسة والاقتصادية والعسكرية والبيئية عما وقع وسيقع علي الكوكب الأزرق.

هذا الشعور بالإحباط والسخط عبر عنه الغربيون في مناسبات متعددة وبأشكال شتي، بدءا بالمسيرات التي عمت سائر مدن وعواصم الغرب منددة بالحروب والعولمة، وصولا إلي العقاب السياسي كإسقاط حكومة ماريا أثنار في إسبانيا أو عدم التصويت لصالح الحزب الجمهوري في انتخابات الكونغرس بأمريكا، وقد تكون هذه بداية حركة احتجاجية إنسانية مدنية هي أول ثمار المراجعات الفكرية والفلسفية لصدمة ما بعد الحداثة التي يعيشها الإنسان الغربي الذي بدأ يعلن عن وجوده كـ مواطن وليس دافع ضرائب فقط كما أريد له أن يكون لفترات طويلة. نسوق من خلال هذا المقال نماذج من صوت الحكمة والتعقل الغربي عبرت عنها شخصيات مختلفة الخلفيات والمواقع والتجارب تحررت من سلطة الأفكار المسبقة السائدة ونظرت بمنظار أكثر عدالة وواقعية وجرأة أيضا لقضايا تعتبر طابوهات ومناطق محظورة ومحرمة علي الفكر والإبداع في الغرب، رغم هامش الحرية الكبير.

إدغار موران والقضية الفلسطينيةتكتسي آراء إدغار موران (1) أهمية خاصة لاعتبارات عديدة لعل من أهمها كونه من آخر جيل الرواد العمالقة في الساحة العلمية والثقافية الأوروبية والفرنسية، إذ يعتبر من أعمق الفلاسفة وعلماء الاجتماع المميزين بنظرتهم الشمولية العميقة لمجموعة من القضايا الرافضين للتجزيئية والتبسيطية الفكرية، والاعتبار الثاني يعود لكون إدغار موران يهودياً شرقياً يشترك في أصوله اليهودية التلمودية مع العديد من المفــــكرين والفلاسفة الغربــــــيين ومع ذلك يختلف معهم كثيرا في تحــليله وجرأة عرضه لمجموعة من القضايا التي تشغل النخب المثقفة في الغرب، وخاصــــة المسألة اليهودية التي شكــلت الفكرة الأساسية لكتابه الأخير العالم الحديث والمسألة اليهودية (Le monde moderne et la question juive)، والذي ينتظر أن يثير عليه من جديد حملة مسعورة من اللوبي الصهيوني المتطرف المسيطر في فرنسا، كتلك التي تعرض لها بعد نشره لمقاله اليهود ـ فلسطين: السرطان علي صفحات جريدة لوموند واسعة الانتشار، دان فيها الوحشية الإسرائيلية وحجم الهمجية الكبير الذي تمارسه في حق الشعب الفلسطيني الأعزل، فنعت بعد ذلك بـ اليهودي الخائن واتهم بمعاداة السامية ـ التي يمتلك مفهوما خاصا لها ويعتبرها من التسميات الخاطئة ـ، التهمة الجاهزة والسيف المشهر في وجه كل مفكر أو مبدع شكك أو حاول أن يستعمل المنطق والعقل في نقد الرواية التاريخية الصهيونية حول الهولوكست. وهذه من المفارقات الغريبة في الفكر الغربي الذي يطالب بإلغاء العقلانية والموضوعية والنسبية في القضايا ذات الصلة بالتاريخ والفكر اليهودي، في حين يدعو بالمقابل إلي حرية المعتقد والفكر والنقد والتشكيك فيما عدا ذلك من القضايا والمقدسات، إلي درجة دفعت المفكر الاستراتيجي الفرنسي باسكال بونيفاس إلي إصدار كتاب بعنوان مثير يلخص المرارة والحنق الذي يشعر بها الأحرار هو: هل من المسموح أو المباح نقد إسرائيل؟…. أم أنها معصومة تقف فوق النقد؟ حتي المسيح يُنقد، حتي المقدسات تُنقد، ما عدا حكومة إسرائيل التي يمنع نقدها منعا باتا!!!. وهو أمر شاطره فيه مجموعة من المثقفين الفرنسيين اليهود حين أصدروا كتابا بعنوان معاداة السامية الابتزاز الذي لا يطاق!(Antisژmitisme : l’intolژrable chantage Isra‘l ـ Palestine، une aaire franچaise)و المهم أن موران يري أن سياسة إسرائيل تتجه بها إلي الكارثة وتفوت عليها فرصا تاريخية للتعايش مع جيرانها، وأنه ينبغي عليها التخلص من شعورها بـ الإذلال التاريخي الذي تعرض له اليهود وجعلهم ضحايا مجازر رهيبة، وقد وقف موران ليؤكد في كتابه بأن اليهود قد عاشوا أزهي عصورهم في كنف الحضارة العربية الإسلامية. في حين تعرضوا للاضطهاد والتحيز في أوروبا علي مدي ألفي سنة في فترات متعددة إما علي أيدي الأصولية الدينية متمثلة في الكنيــــسة التي لم تبرئهم من جريمة قتل الإله إلا قريبا، أو حتي علي يد العلمانية المتنورة التي تنكرت لنزعتها الإنسانية ـ أو ربما عادت إلي أصولها الدينية ـ علي يد الفاشية والنازية وهو اضطهاد رغم التزوير والتضخيم الذي صور به ينبغي أن لا يستمر مبررا لاستدرار عطف الغربيين والارتزاق به لابتزاز الدعم أو الصمت علي ما تقترفه إسرائيل من مجازر ضد الإنسانية. إذ أن الذي يتعرض للإذلال الآن هم الفلسطينيون: من الواضح أن الفلســــطينيين هم من يُذلون ويهانون في الوقت الراهن، ولن ينجح أي سبب إيديولوجي في جعلنا نتوقف عن التعاطف معهم، ولا شك في أن (إسرائيل) هي من تذل وتهين. كما يقف عند لعبة الابتزاز التي يمارسها اليهود، ويضرب موران مثلا علي لعبة الابتزاز تلك: سلسلة الأحداث المختلقة التي عرفتها فرنسا وتبث تدبيرها من جماعات يهودية ليستنتج أن أكبر تهديد لفرنسا حاليا ومستقبلا ليس معاداة اليهود بل موجة الكراهية والعنصرية الموجهة ضد السود والعرب والإسلام والمسلمين. ويجدد موقفه الذي كرره غير ما مرة لليهود من أجل تحقيق السلام إن ما يجري في الأراضي المحتلة شيء مرعب ومخيف، لذا تعدّ منطقة الشرق الأوسط، في رأيي، من أخطر المناطق في العالم، والصراع القائـــــم بين الفلسطينيين والإسرائيليين هو بمثابة سرطان خطير يهدّد بالانتشار والتوسّع في جسم العالم…… كلّنا يعرف ما ينبغي عمله لكن لا أحد يحرّك ساكناً. ورغم أن هناك حلولاً وقوانين دولية ينبغي تطبيقها تظلّ الأمم المتحدة عاجزة عن تطبيق قراراتها، وتظلّ المجموعة الأوروبية في موقفها في موقع الخجول. أما الولايات المتحدة الأميركية فترفض القيام بهذا الدور.

هذا نموذج أول من صوت الحكمة الذي خرج عن تيار التفكير السائد، رغم اختلافنا معه في بعض الطروحات أو الأفكار أو حتي في الخلفيات التي تحكمت في الوصول إلي هذه الخلاصات.

جيمي كارتر: نعم للسلامنموذج ثان نتعرف عليه هو جيمي كارتر(2) من خلال كتاب بعنوان فلسطين: سلام لا تمييز عنصرياً (Palestine Peace not Apartheid). صدر أواخر 2006، وهو كتاب لم يختلف عن سابقه في استثارة اللوبي الصهيوني في أمريكا وأوروبا وحتي في أوساط الرأي العام الذي ألف لغة ونمطا وحيدين يستقيهما من المادة الإعلامية التي تغرقه بهما المحطات التلفزية الأخطبوطية وكبري الجرائد والمجلات، فمباشرة بعد ظهور الكتاب في كانون الاول (ديسمبر) تعرض كارتر إلي حملة ضخمة من الانتقادات والاتهامات علي مدار الساعة وصلت في حالات كثيرة إلي درجة كبيرة من الإسفاف والتهديد، حتي من المقربين الذين اشتغلوا معه في معهد كارتر حيث استقال أربعة عشر يهوديا وشاركوا في الحملة عليه، فبعضهم رماه بالكفر وخيانة إرادة الرب التي تبشر ببناء الهيكل وإعادة مملكة صهيون!!!! وبعضهم نعته بالباحث عن الشهرة والأضواء!!!! وآخرون شهروا سيف معاداة السامية وكراهية اليهود ووصفوه بمزور التاريخ المنحاز للعرب!!! وهكذا بضربة لازب تحول أكبر من أسدي للكيان الصهيوني خدمة تاريخية بتدشين مسلسل التطبيع والاستسلام مع مصر، وبعدها العرب قاطبة، إلي عدو بمجرد انتقاده للسياسة الوحشية التي تنتهجها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني وكافة شعوب المنطقة، التي كان آخرها العدوان علي لبنان الذي انتقده كارتر وانتقد معه الدور الأمريكي الداعم والمشبوه.

لا شك أن الكتاب مثير وصادم وجريء في مضامينه وعنوانه، إذ أنه من النادر في الأوساط الثقافية والفكرية والإعلامية وحتي السياسية التي اعتادت مغازلة جماعات الضغط اليهودية، أن يصدر عن أي كان رأي ينتقد أو حتي يشير من بعيد إلي السياسة الإسرائيلية في فلســـــــطين المحتلة، فما بالك بمن يشبهها بالعنصـــــــرية ويضعها في كفة واحدة مع ســـــــــياسة الأبارتيد في جنوب إفريقيا التي مثلت أبغض وأمقت أنواع العنصرية التي عرفتها البشرية تاريخيا، وكانت محل رفض من العالم كله.

نضع آراء جيمي كارتر محل اعتبار ونظر لأسباب عديدة، لعل أولها كونه سياسياً ودبلوماسياً له قيمته في الأوساط الأكاديمية والسياسية حاليا فضلا عن كونه رئيسا سابقا لأكبر قوة سياسية وعسكـــــرية في العالم تدعم إسرائيل دعما غيــــــر مشروط، وثانيها خبرته الكبيرة وإحاطته بخفـــــايا ملف ما يسمي الشرق الأوسط إذ يعتبر أحد كبار مهندسي اتفاق كامب ديفيد ومن العارفين القلائل بتفاصيل ودقائق الملف وأبعادها التاريخية والحضارية والدينية، وثالثها أنه نصراني بروتستانتي ذو مرجعية دينية تلمودية مثل الرئيس بوش وصقور إدارته المحافظين الجدد. ومع ذلك لم يمنعه التعصب الديني، ولا الانتهازية السياسوية، ولا الحرص علي المنصب، ولا حتي ـ نوعا ما ـ ماضيه في خدمة إسرائيل إلي التعصب والقفز عن الوقائع التي يستنتج منها كل عاقل أن الأوضاع آيلة إلي الانفجار وأن اليهود هم المسؤولون عن تعاسة الفلسطينيين إن لم نقل تعاسة العالم… علي أية حال نتمني أن تسهم هذه المراجعات والمواقف في بناء جسر للحوار وحسن الجوار بين حضارات وثقافات العالم وشعوبها المتعددة والمتنوعة، وأن تتحول من مواقف فردية إلي تيار إنساني عام، رغم محاولات التضييق والخنق وتعليق المشانق التي يسعرها اللوبي الصهيوني في العالم ضد الأصوات المرتفعة هنا وهناك.

ہ كاتب من المغرب(1) ولد إدغار موران في الثامن من تمّوز (يوليو) عام 1921 في باريس، وهو يتحدّر من عائلة يهودية كانت تعيش في الأندلس، رئيس الجامعة الأوروبية ورئيس وكالة الثقافة التي ترعاها اليونسكو، وهو أحد أكبر المنظّرين لعلم الاجتماع لا سيّما في كتابه المنهج La Mژthode.(2) في مؤتمر الفاتيكان الثاني المنعقد عام 1963م.(3) ولد جيمي كارتر في 1 تشرين الاول (أكتوبر) 1924م، واسمه الأصلي جيمس ايرل كارتر، وهو الرئيس التاسع والثلاثون للولايات المتحدة الأمريكية في الفترة من 1977 إلي 1981م.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية