هل تذكرون الموقف الذي اندفع فيه ايهود باراك نحو المنصة واختطف الميكروفون بالقوة من يد موشيه شاحل ليلقي كلمته علي الجمهور؟
وهل تذكرون الكلمات الاربع التي كتبها في رسالة رسمية وعاطفية لايتان كابل: اخطأت، تعلمت وسأخوض المنافسة؟ وهل تذكرون المقابلات التي قال فيها انه قد تعلم العبرة من اخطائه وتغير؟ ليس تماما. ربما باستثناء الغياب الطويل عن الحياة السياسية وتحسين مستوي المعيشة. الا ان التغيير الأبرز طرأ في طريقة عودته المتواضعة لمنصب وزير الدفاع والتي تجسدت بالأساس في صمته الطويل والمثير للاستغراب. باراك فسر ذلك بأنه غارق حتي رأسه في اعادة بناء الجيش بعد حرب لبنان الثانية.
ذلك الجزء الهام في صمته الذي لم يتم توضيحه تماما فُسر من قبل الصحفيين كانتظار صبور لاحتمالية سقوط ايهود اولمرت مع صدور تقرير فينوغراد النهائي، الامر الذي يُفسح المجال أمامه لرئاسة الوزراء بالتحالف مع كديما واسرائيل بيتنا.
والي ان تحدث هذه المعجزة، التي لا توجد قناعة لدي الكثيرين بحدوثها، حرص باراك علي وصف اولمرت كسياسي متزن وموهوب. ولكن علي ارض الواقع لم تنشأ بينهما علاقات عمل تقوم علي الاحترام والتقدير المتبادل. اولمرت لم يضمه تماما الي الدائرة الداخلية لمنظومة صنع القرارات الخاصة به. لم يتشاور معه قبل زيارته لواشنطن وأريحا. هذا ناهيك عن عدم دعوته لمرافقته في هاتين الزيارتين. باراك يعرف اختراع الاهانة الشخصية غير المباشرة هذه من تلك الايام التي رفض فيها كرئيس للوزراء اصطحاب يوسي سريد معه الي كامب ديفيد مُدعيا أنه لا يتوفر سرير شاغر من اجله.
اولمرت لم يتشاور مع باراك عندما ألقي بقنبلته السلمية عشية المؤتمر الدولي الذي بادر بوش الي طرح فكرته لشهر تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل، ولا عندما دعا السعوديين للمشاركة في ذلك المؤتمر من دون شروط. تصريحات اولمرت حول اقامة دولة فلسطينية علي جزء كبير من اراضي الضفة الغربية حتي حدود 1967 دفعت باراك الي القفز من موقعه. التزام اولمرت في أريحا بازالة حواجز لتسهيل حركة الفلسطينيين في الضفة أخرج باراك أخيرا من صمته.
عشرة تبدلات طرأت علي رئاسة الوزراء في اسرائيل منذ عام 1967، حيث لم يقم أي واحد منهم بالانسحاب من ملليمتر واحد في الضفة الغربية. باراك الذي صرح قبل سبع سنوات بأنه متوجه لمئة يوم من المفاوضات من اجل حل مئة عام من الصراع اليهودي ـ العربي، اقترح علي ياسر عرفات في كامب ديفيد مئة في المئة من المناطق تقريبا، وتقسيم القدس، وسيادة فلسطينية علي الحرم. هذا الاقتراح لم يكن ناضجا وهذيانيا ولم يتم تحضيره بصورة مسبقة، كما انهم لم يفكروا بالنتائج المترتبة عليه، الأمر الذي جلب علينا انتفاضة الاقصي وتسبب في إلحاق أشد هزيمة بايهود باراك من بين كل الهزائم الانتخابية التي شهدها السياسيون في البلاد في كافة الأزمنة.
حزب العمل الذي يترأسه باراك هو حزب ينادي بالسلام بصورة علنية، ومع ذلك هناك فرق شاسع بين باراك وبين عامي أيلون الذي ينادي بتقديم تنازلات اقليمية وبازالة المستوطنات مقابل السلام. باراك تحدث هو الآخر عن السلام في الانتخابات الداخلية إلا أنه رفض مبادرة اولمرت تلقائيا. اعضاء الليكود يسخرون من ذلك قائلين بأن باراك يتنكر في صورة الليكودي. أيلون نفسه بدأ يتساءل الآن اذا كان عضوا في حزب العمل أم في الليكود.
باراك اختطف الميكروفون مرة اخري في مقابلات مع يديعوت احرونوت و معاريف بنفس الطريقة الاستفزازية المندفعة التي تصرف بها مع شاحل مُتهما اولمرت باطعام الاسرائيليين أوهاما حول التسوية القريبة. اللقاءات مع أبو مازن وصفت في احدي الصحف علي لسانه كهواء، وفي صحيفة اخري كأجواء. باراك صرح، ولكنه نفي انه صرح أنه لا ينوي الاستجابة لمبادرة ايهود اولمرت بازالة حواجز. وعموما ينقلون عنه قوله انه من دون أن يكون بحوزتنا سلاح ضد كل أنواع الصواريخ الموجهة لكافة مناطق الدولة، فليس هناك ما يمكن الحديث عنه. مسؤوليتي العليا تكمن في الدفاع عن أمن مواطني اسرائيل، ينقلون عن باراك قوله ذلك من الطابق الرابع عشر في وزارة الدفاع. هذه عبارة مغامرة تصدر عن سياسي لم يُنتخب من قبل الشعب للكنيست الحالية، وهي ليست دقيقة تماما. المسؤولية العليا لأمن اسرائيل تقع علي عاتق رئيس الوزراء والحكومة كلها.
من الضروري أن يتم ايجاد حل واضح لمعضلة من الذي يسيطر علي الدولة من قبل ان تندفع اسرائيل لحل النزاع علي أساس دولتين لشعبين. أي موقف اجماعي هو الفيصل في هذه اللحظة، هل هو موقف اولمرت أم موقف باراك؟ لا يُعقل أن يكون هناك وضع يتمرد فيه الوزير الثاني في الهيكلية السلطوية علانية علي سياسة رئيس الوزراء ويواصل مع ذلك تسخين الكرسي. ليس من الممكن اثارة جنون مواطني الدولة بهذه الطريقة وعليهم أن يقولوا لنا من الذي يحكم والي أين نسير ومن الذي يجب أن نُصدقه.
يوئيل ماركوسمعلق دائم في الصحيفة(هآرتس) 14/8/2007