مسارات التركيب اللغوي في سبت يا ثلاثاء لزيد الشهيد: رواية تدور بين اغتصابين.. خاص وعام!

حجم الخط
0

د. فاضل التميمي

تنهض رواية الكاتب العراقي زيد الشهيد سبت يا ثلاثاء -الصادرة عن دار أزمنة عمان من دون تاريخ-، علي متن سردي ممثل بمجموعة من التراكيب اللغوية التي تؤلف سياقات الجمل التي تحيل عادة علي معني ما… ، وهي في الرواية تنفتح بأفق تراكمي علي لغة مرمّزة تنوء بحمل مجازي شفيف، ومغاير… ولكنها في الوقت نفسه تتيح لمن يرغب في قراءتها مزيدا من التأمل، والحفر في مساراتها، ومساربها الدلالية، ولكثرة ما فيها من جمل مجازية، وتشبيهية، وكنائية، وطباق، وتصويت، وتوضيح، ووقفات فاصلة، وإحالات تاريخية، وأسطورية، وتناصية فقد شكّلت مع بعضها مستويات لغوية متداخلة حتي أن متلقيها عاجز تماما عن تلخيص ثيمتها ما أن ينتهي من قراءتها بمعني أنها عصية علي الاختزال، والتلخيص، وليس في هذا التوصيف قدح في الرواية، وإنما هو دليل واضح علي قيام لغتها علي تركيبية فارق فيها (الكاتب)/ (المؤلف) الأساليب التقليدية في السرد من وصف، وحوار، وانتقال، وتقنيات استرجاع، واستباق، وغيرها… معتمدا علي لغة مستعارة من فضاء الذهن، وتحولات الذاكرة، فهي ليست رواية تفاصيل، وتزاحم أمكنة، وتلاعب أزمنة تطمئن إلي ما هو سائد ومعروف، بل هي رواية حالات مركبة، واستنطاقات، وتلقّ، وقد يخطئ قارئها حين يعدّها رواية سياسية بالمعني التقليدي للمصطلح؛ لان القراءة الدقيقة لمتنها، وتأويلاتها تحيل علي (حالاتها) التي تستقطب حياة بأكملها تمزج ما هو سياسي بما هو ثقافي، ونفسي، وأخلاقي في إطار صفحات ليست بالكثيرة. قلت إن لغة الرواية تنفتح علي ما هو مجازي، وتشبيهي فالمجازي يديم الصلة مع الشعر، ويفتح قناة للتأمل مع الذات، ومخلوقات الرواية وفضائها، حيث الاستعارة بظلالها المشعة تعمل علي صياغة (ادعاءات) ذهنية يقبل بتشابكاتها العقل المتلقي بما تنطوي علي استعادات نصية تشتغل في تركيبتها النصية علي صور المبدع، والتقاطاته المتناثرة علي تخوم الذاكرة.

إن عبارات المؤلف في محنته الروائية القابضة علي شكل الاستعارة ومخرجاتها في: سكاكين الألم باتفاق حميم مع خناجر الصمت تعلنان عشوائية حرب لا هوادة لغدر لحظتها زحفا ص13، و تنتفض ضحكات القدّاح تمثيلا ص15، و فتصرخ بفم الفقد: يا جسرُ! أين العابرون؟! ص17، و الصباح يفتح أبوابه، صخب العصافير يمحو نداءات تلميذات المدرسة ص19، و طرف العصي يلسع ظهر عريان المستدير للهرب من الفارّين ص53، و ترسم قوامها علي بهاء المرآة، يضحك الشعر ناثرا قهقهاته علي الكتفين، والثوب… يثير متعة النظر ص45، تمنح اللغة فيضا شعريا يضاف إلي طبيعتها المتحركة، وتجعل المتلقي محكوما بأطر المشاركة في إنتاج النص وتأويله. فاللغة المجازية تتجه نحو الشعر المحض لتفارق فضاءات النثر البارد، فعباراته: لنهر الصِّبا أريج فر منها وابتعد ص14، و نجاة تطلي كفيها بحناء الفراغ، وتتعطّر بغبار الحيطان ص15، و تمسك السكينة وتقطّع الروح كوارث وصدمات/ هواجس وتوجسات/ كوابيس وضنونا/ لوعة واحتراقات/ هلعا وجزعا/ لهبا وشظايا ص40، و فاطمة عملت علي تبديد بذرة اللهفة في سيح الهجران ص42، و يعافها الشرود إذ يصرح لها الألم ص80، و تسترخي المجسّات فيستحيل ضوء الشمعة كرنفالا دبيبيا ونشوة مائية، رحيلا إلي جزر معلقة بين سماوات الحلم، وارضين اليقظة ص87، ليست أقوالا شعرية، وإنما هي استعارات شعرية محضة استعادها الكاتب من مكامن نفسه الفياضة بالتخيل، والبوح وادخلها قانعا، لا مرغما في نسيج الرواية ورؤاها… أكان المؤلف يغامر بعمله هذا؟. يخيل للقارئ أنه كان يحاول تشكيل عالمه بلغة غير عابثة يؤدي الإيجاز فيها أثرا واضحا في تقديم المعني من دون ترادفات تذكر، أما قراءاته، واستنطاقه للّسان الآخر (الانكليزي) فزوده بمهارات أخري عملت علي تقديم لغته تقديما استثنائيا نهج فيه برؤي مجازية حفرت في ذاكرته عمدا حتي يمكن لقارئه أن يتخيل أن الرواية بامتدادها المنساب من دون نتوءات، وترقيمات، وتقاطعات بنية أدبية مغلفة باطار مجازي مشاكس.

أما التشبيهي فمهمته الموازنة بين (الحالات) لغرض إيجاد صلة حية بين طرفي التشبيه، وتقديم طرف علي آخر لغرض التوضيح، وبيان الحال، أو مقداره، أو الإحالة بالدلالة التشبيهية علي أصولها، ومقاصدها القابعة في أعماق النفس، فعباراته ترفع فاطمة عينيها لتلتقيا بوجه نجاة تراه مومياء مهملة ص36، و أفواههم ممرات مفتوحة لولوج الهواء تيارات ص37، و الشعر جديلة تنساب كأفعي علي لوح الظهر ص78، و الليل حاضنة الهواجس والهموم واستعادات صور ص80، و الرعب يتمثل غيلان هائلة هدّارة ص92، لا تخلو هي الأخري من شعرية تشبيهية، ولكنها في الوقت نفسه تنسجم وطبيعة اللغة في الرواية. وتحلق اللغة الكنائية في فضاء الرواية لتمنح السرد لوازم المعاني بعيدا عن المباشرة والتوضيح، مضيفة شعرية أخري إلي لغة السرد فعبارته تهالك كرة البرتقال مسحوبة بأصابع الرماد المنهمر من أكمام الغمامات ص11، لا بد أن تحيل علي مشهد سردي تتثاءب فيه الشمس كناية عن غيابها… لقد ركبت اللغة المسار الكنائي لغرض تقديم معنيين يهم الروائي أن نلتقط الأبعد منهما، أما قوله الإذاعات استحالت أفواها تخلّت عن شفاهها فأضحت لا تعرف الانطباق ص75 ، فكناية طويلة عن صناعة الكلام الموجه الذي أجادته الإذاعات تساوقا مع آلة الحرب، وقوله والبالون المنتفخ أسفل النهدين يمثل تشويها لا بد له من الانتهاء ص80، فهو كناية أخري تسربت دلالاتها حتي منتهي الرواية، أراد المؤلف من خلالها الإشارة الدائمة إلي إشكالية كبري واجهت الحياة في مدينة (السماوة) مثلت في رأيه سرطانا دعا صراحة للتخلص منه. حتي (طباقات) الرواية لا تخلو من شعرية انمازت بها اللغة الساردة، فحليمة التي تتنبأ بالفرح، فتفاجأ بالأحزان ص69، تعيش وضعا متضادا تتمثله اللغة وتقذف به صورة مربكة تستلهم المأساة بوساطة تقديم الصورة، ونقيضها… ولك أن تسمع ترنيمة الخراب التي أطلقتها (مناهي) لكي تكشف عن شعريتها الطباقية وهي تنوء بحملها المأساوي الكبير قائمة علي أساس معادلة أزلية: كوميدي/ تراجيدي.. ضحك/ مأساة تجاوزا لبرزخ الحياد ص86، فضلا عن (نجاة) التي في محنتها اليومية لم تستطع اللغة إلا أن تقدمها بشاعرية حزينة تلونها دلالة الطباق صاحت بهم: سأصعد إليكم.. لماذا لا تنزلوا إليّ؟!

، فسمعتهم يهمهمون: سننزل إليكِ.. لماذا لا تصعدي إلينا ص89… فالمتنافرات تجتمع في السياق النثري لتعلن عن تشكلها النفسي الناهض من بئر المأساة بسخرية مركبة. وتأخذ لغة الرواية في مسارها السردي المنفتح علي أفق التجربة الذاتية للمؤلف طابعا شعريا آخر حين تتلون سياقاتها بظواهر صوتية تتمثل في تقطيع الكلمات، ومد الحروف تبعا للمتغيرات النفسية التي تتحكم في المواقف، فهو يعمد إلي تقطيع الكلمة الواحدة لغرض مد أصواتها لكي تأخذ شكلا صوتيا طويلا، فكلمة (مجنونة) تصبح في السياق مجـ… نو… نة.. آ، يا جسر ص 17، فالتقطيع في الكلمة السابقة مدّ الصوت، وقرنه بالألف الممدودة، علامة التأوه ربما للمطابقة بين نوع الصوت، وشكل الكلمة، و(هاكنّ) في جملته هاكن يدي لنعود… هاكن جوارحي.. آ.. لا.. لا..! ص79 تصبح ها.. كن..! ها كننننننننننن، فالمد هنا يعطي فكرة عن انقطاع الصوت، وتدفقه، ومده في متن الرواية إشارة إلي اضطراب الحالة النفسية للمصوت، وانعكاسها علي عملية إنتاج الكلام، أما كلمة (إنهاك) التي تصبح إن… هاك ص92، فالتقطيع فيها عمل علي تغيير دلالة الكلمة، وتأويلها، وكذلك الفعل (تعلو) حيث يصبح تعلو.. تعـ.. لو ص 92، فمقاطع الفعل مقسمة علي ثلاثة أصوات متباعدة… فضلا عن كلمة (صبرنا) التي تهيمن علي ثيمة الرواية فتمتد صوتيا بموازاة حالة الصبر التي قصدها السارد وصَـ.. بر.. نا ص94. ويجسد السارد قسما من الأصوات عن طريق مدها لا سيما الصوت الإنساني الحامل لفعل الأنين، والألم تقريبا للصوت الحيواني المعروف فيستقبل النائمون بوادر عواء يرتفع… يعلو شاهقا: عوووووووو.. عوووووووو 17، أما صوت التأفف الذي يطلقه (أبو فاطمة) لحظة دخول البيت علامة من علامات الضجر فيصبح إففففففف! ص41. ويعمل الخوف علي اختزال الكلمة بحرف واحد، أو مد الحرف إلي تصويت متصل لـ.. لـ.. لـ..! لا تخافي أنا (عريان).. من أنت؟ يرد الفم الحافظ للسان أعلن نفسه خشبة وانتهي إلي لا جواب… أنا عريان لماذا أنت خائفة؟ الست نجاة؟… يي.. يي.. يي.. يي ص50، الحوار هنا اشتمل علي مد صوتي بين المتحاورين كان الخوف سببا في تشكيله الصوتي لا محالة.

ويمتد حرف المد (آ) ليكون مرادفا لكلمة (نعم) ص25، أو ليكون صيحة عظيمة يطلقها فم الأم بمعني (آه) الم بطنها يصرخ: اصرخي، فتستجيب بقبضة اليد علي الحائط، يغضب الألم.. يغضب.. يغضب مجسّات لم يمسسها بعد فينشق الشدقان عن أوتار تتمطي وتنشد بصيحة آآآآآآآ.. ليتحول الصوت إلي فم الوليد آآآآآآ ينظر: ص27 في إشارة إلي انتقال الصوت من جيل إلي آخر، ويتحول هذا الحرف المدي إلي حرف تأوه (آه) علي لسان بطن نجاة آآآآآآآآه وآه تتلو آه، وآه تعلو علي آه، آهات أدت إلي جفول القدم اليسري، وتشنج الفخذ ص29، ويحلو للسارد أن يرمز للألم المكتوم بالصوت مممممممم. كثير/ وفير ص29، كناية عن توافر الأنين والألم، ويكرر التصويت نفسه مع (أم نعمان) التي تنتحب بعد حلول كارثة ثلاثاء الجسر: جسر السماوة حيث تنتحب ماسورة بمرارة تنتهي باصطكاك الفكين ممممممم مستمر حتي جفاف الدم ص30… فاللغة تتطابق وظيفيا وأحوال المتكلمين تبعا لتحول مسارات الأحزان فيهم. وتتفاعل اللغة في (سبت يا ثلاثاء) تناصيا مع خزين المؤلف، وذاكرته، ولا سيّما خزينه التاريخي القديم الفاعل في ثقافته، فمدينة (أوروك) تظهر في تركيبة اللغة، فضلا عن (سومر) و(اينانا) ينظر: ص 24، 30، 37… الظهور هنا يمثل استعادة نصية تكشف عن فاعلية النسق التاريخي الثقافي الذي ملك سلطة الظهور، والتجدد في سرد واحد من العراقيين المعاصرين، الذي يحمل (اسم) زيد الشهيد… وإلا بماذا نفسر ولعه في تسريب لغة (الأختام) إلي متن الرواية؟ ألأنّ الأختام (هويات) لا يمكن القفز علي دلالاتها؟ أم لأنها جاءت في عصرنا الراهن بـ(لعنات) حيّرت العقول وذهبت بالبصر؟.

لم يستطع المؤلف التملص من الماضي، وربما دفعه سوء الحاضر إلي التعالق به، ولا سيما مع متونه المشعة فكرا، وتأويلا، فحالة الصبر التي يعيشها استدعت صورة (جلجامش) الصابر وهو يري صديقه (انكيدو) مسربلا بالموت والديدان. ينظر: ص 39 إن لغة الرواية المنفتحة علي الماضي سجّلت استعادات أخري بدت فيها وكأنها تمتح من معين أسطوري احكم المؤلف التمثل فيه، وأجاد الصياغة لا ادري لماذا وأنا اكتب هذه الكلمات تستحضرني حكاية قرأت عنها زمن الصبا، أو ربما سمعتها من جدتي المولعة بأنشطة السعالي، ورهبة الغيلان عن تلك الحورية الجالسة علي درابزين جسر المدينة، أسفلها يجيش النهر هادرا، منهمكة بتسريح شعرها المثير، وويل لمن يدنو منها، أو يحاذيها بسيره إذ سيباغت بسيل الشعر يحيطه، ويلفه، وبحركة لولبية، أو كالدوّامة تلقي به قشة إلي النهر ص78. ثم يمارس المؤلف نوعا من الإيهام، إيهام القارئ: الناقد أن لا تأثير للحكاية علي الكلام ص 78، بمعني لا اثر لحكاية (الحورية) في ما هو مكتوب، في نص الرواية، وانه استعاد الحكاية السابقة فقط كتذكّر ص78، لقد مارس (محو) النص الأول، نص الحكاية لغرض تذكّره، ومن ثمّ نسيانه، والتناص معه في بنية تربطه بنصوص سابقة. ومما هو جدير بالملاحظة أن المؤلف وهو في قمة تفاعله المجازي في ضمن لغة الرواية تتزاحم الأفكار، والرؤي في مخيلته فيضيق سياقها عن حملها فتخرج وكأنها صُـبّت في غير قالبها، وللقارئ أن يدقق النظر في أقواله: وهي الباب كاتمة النوايا، والأسرار، وفاضحة حميد المتسلل بطريقة الهرب الانخطافي آن أن يتركها مواربة نسيانا، أو تخوفا من أن تصرخ به حين الانغلاق حيث بهيجة تتساءل… ص53، و تحصي عدد الخيبات في مسلسل الأسي من الغياب التتابعي حيث رحيل الألم ابتداء وهي الذاهلة لا تفقه سقوط الرغبات خازوقيا فوق جبهة التحقق ص78، و يلاحقها مشهد شق الباب ما قبل هجوم الأحزان ببواشق الحيرة ساعة جاءتها الأسبوع الفائت عصرا بتوقيت الرغبة في التذكر والشعور بضرورة الزيارة تعويضا عن ندم الانقطاع لأسابيع ص61، حيث سيكتشف- القارئ- أن اللغة فيهما تنحو منحي ذهنيا تراكميا يصعب إدراكه، يذكّر بالنصوص المترجمة علي عجل، فمثل هذه اللغة لا تسمح أبدا بتأويلات نصية تتيح للمتلقي المساهمة الجادة في إعادة إنتاج الخطاب وتحليله، وإنما تمنحه قدرا من لعبة مواربة لا همّ لها سوي اللعب بالألفاظ.

الرواية نص بلا بطل محدد؛ لان البطل فيها هو الرواية كلها بشحناتها الدافقة ألما ممضا، وحزنا معتقا علي ارض صلبة محروثة بالنار، والألم… وربما كان البطل الوحيد فيها هو السارد نفسه والرواية نفسها لم اهدأ أنا الذي اكتب رواية تدور أحداثها في مدي زمني لا يتعدي الساعات، والصراصر استمرت تمارس فعل الصيرورة عبر الصرير التواصلي بينما شواخص أبي ابريص تتوزع أماكن تسهل عليه مهمة الالتهام والتغذي بشهية زاخرة ص88، وكأن اللغة تحتج انتصارا لاحتجاجات المؤلف/ السارد والتي ظلت علي مسار السرد تتخذ طابعا استفزازيا يحطم المألوف، وينمو باتجاه الإيقاع بالقارئ الذي لم يكن بعيدا عن تصور الكاتب أبدا حيث أشركه في تلقي عمله، واستنطاق محموله الفكري، والجمالي ونقده لا تأثير للحكاية علي الكلام؛ وليس لها مساس بالأمر طبقا لتحليل ناقد قارئ، لكني اكتبها فقط كتذكر، ومضة خاطفة مرقت بسماء الذهن لحظة الكتابة ص78، أما هو (زيد الشهيد) المؤلف الذي تقمص شكل السارد فقد ظل مخلصا لمهنته الأثيرة يا إلهي!! لماذا اكتب هذه الرواية المؤلمة.. إنني أتمزق من الم نجاة، واحترق مع اشتعال جوفها!! يا إلهي إنني اصرخ معها ص13، فالراوي في وسط الرواية، بل في المتن منها وأنا الروائي اصرخ من هول الموقف.. آه يا إلهي! كيف لي أن أكمل هذه المأساة؟! إنني أتقطع ألما ص47. يشكل عنوان الرواية (سبت يا ثلاثاء) إشكالية تركيبية أخري في ضمن مسار اللغة فيها… فما دلالاته في (ثريا) هذا النص؟… يشتمل العنوان علي دلالتين زمنيتين لهما قيمة معرفية تتوسطهما أداة النداء (يا) التي عادة ما تستعمل أداة للتصويت علي القريب والبعيد… (السبت) يوم اليم، ومقرف في حياة (مناهي) إذ أخذت فيه غصبا كان سبتا مشهودا، غاصت بترسبات دقائقه مأخوذة بلذاذة غير مجربة اثر حركات يدين دافعة أعضاء جسد متوترة دلالة الرفض، إشارة عدم الرغبة في تلويث صحائف طهر ناصعة ص87، أما (الثلاثاء) فيوم مشهود في حياة جسر السماوة الذي مزقته الصواريخ المعادية في أوائل التسعينيات أم نعمان هاجمها الشلل المباغت؛ أقعدها الفراش[…] هي الآن فاقدة لكل شيء إلا ذاكرتها المشتعلة تجسد وليدها ساعة أبصرته ممزّقا علي قارعة الطريق بعد حلول كارثة ثلاثاء الجسر… ص29، 30. فالرواية تدور بين اغتصابين: خاص، وعام وبينهما تنوء اللغة بحملها الثقيل جامعة بين (مناهي)، و(النهر) حيث رقدتها الأبدية تُعَمِّد الجسد بطهارة الماء موتا. (سبت يا ثلاثاء) رواية ليس من السهولة أن ينسجم القارئ الاعتيادي معها؛ فهي تضع متلقيها إزاء نوع من اللغة الساردة غير المألوفة، لغة تتمرد علي البني التقليدية لتقدم نفسها بديلا فنيا يمتحن القارئ والمؤلف معا، عصيّة إلا علي من أدمن القراءة، وفهم فك المغلق، وسبر صرامة التأويل، وصبر علي محنة نفسه… ولكنها في الوقت نفسه تعلن عن ترفعها عما هو ساذج، وسائد، ورديء.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية