لندن ـ «القدس العربي»: نجح نظام عبد الفتاح السيسي في مصر بقمع أية محاولة للخروج وإحياء الذكرى الخامسة لثورة 25 يناير / كانون الثاني، التي أطاحت الرئيس المصري السابق، محمد حسني مبارك. وبدا النظام وإعلامه منذ أسابيع خائفين من المتظاهرين الذين فقدوا الزخم ومنذ أن أقرت حكومة حازم قانونا يجرم المتظاهرين ويحرم التجمع بدون الحصول على إذن من وزراة الداخلية والسلطات الأمنية.
واتفقت التغطيات في الذكرى الخامسة على أن مصر دخلت مرحلة غير مسبوقة من القمع في تاريخها، لكن إريك تريغر يرى أن الخطر على نظام السيسي لا ينبع من المتظاهرين ولكن من داخله. ويقول بمقال نشرته مجلة «فورين بوليسي» إن شعور السيسي بالخوف له مبرراته. فشعبيته تراجعت لكن لا توجد هناك معالم لانتفاضة جماعية في مصر، مشيرا إلى ان ضعف النظام ينبع من الداخل كما بدا في الأشهر الماضية.
ويضيف تريغر أن مخاوف السيسي من انتفاضة جماهيرية ثانية نابعة من معرفته بالمحفزات السابقة التي أشعلت شرارة حركات جماهيرية، ولهذا فهو خائف من أن يعيد التاريخ نفسه من جديد. فبعد كل هذا كان السيسي مديرا للمخابرات العسكرية عندما رد المجلس الأعلى للقوات المسلحة على الأحداث التي أطاحت الرئيس مبارك.
وكان وزيرا للدفاع عندما رد الجيش على الإحتجاجات في حزيران/يونيو 2013 والتي أطاحت الرئيس المنتخب محمد مرسي. وأصبح السيسي العدو الأول للإخوان المسلمين جعله القرار بطلا في أعين الكثير من المصريين الذين خافوا من الإخوان الذين اعتقدوا أنهم يقودونهم نحو الهاوية. واستطاع السيسي، عبر الدعم الشعبي، أن يفوز في انتخابات الرئسة التي لم ينافسه فيها إلا عدد قليل ونظمت في أيار/مايو 2014.
انتهت مرحلة
ومع ذلك يعترف الكثير من الذين أيدوه في تلك الفترة بأن فترة «شهر العسل» قد انتهت. ونقل تريغر عن رجل أعمال مرتبط بالنظام قوله: «إذا كانت نسبة دعمه عندما انتخب هي 93% فقد انخفضت الآن إلى 60%».
وبدأ المصريون اليوم يشعرون بوطأة الضغوط وذلك من خلال بطء النمو الاقتصادي وتراجع الاحتياط من العملة الصعبة وارتفاع التضخم ونسب البطالة التي لا تزال في تزايد مستمر. وارتفعت الشكوى من الأوضاع بطريقة علنية أكثر من أي وقت مضى.
ورغم كل هذا فلا شهية للمصريين للمشاركة في ثورة شعبية جديدة. فتجربة الخمس سنوات الماضية جعلت الكثيرين منهم يترددون من المخاطرة، خاصة في ظل غياب البديل عن السيسي.
ويشعرون أن انتفاضة أخرى قد تؤدي لاشعال حالة من عدم الإستقرار الواسعة. وهناك عامل آخر يجعل المصريين أكثر حذرا، هو ما حدث للربيع العربي والفوضى التي خلفها في دول أخرى. ويشير المصريون إلى إنهيار دول مثل اليمن وسوريا وليبيا والعراق وهو ما يجعلهم يفضلون الوضع القائم على الفوضى.
توتر داخلي
وبعيدا عن هذه المحاذير يقول تريغر إن توتر جديدا ظهر في داخل نظام السيسي وربما قاد لمرحلة من عدم الاستقرار.
فمع أن المحللين عادة ما يشيرون إلى «الدولة العميقة» في البلاد وكأنها كتلة واحدة موحدة، إلا أنهم يتعامون، بقصد أو بدون قصد، عن طبيعة التحالف الذي يربط أصحاب المصالح من النظام الماضي بالنظام الحالي، فهو تحالف هلامي يضم عددا من مراكز القوى التي تضم مؤسسات الدولة مثل الجيش والمخابرات والشرطة والقضاء، وكذا الكيانات القبلية المؤثرة في منطقة الدلتا وعشائر الصعيد ومؤسسات الإعلام الخاصة ومجتمع رجال الأعمال.
وكل مجموعة من هذه لها مصالحها الخاصة وتتنافس في ما بينها كما كان الحال بين وزارتي الداخلية والدفاع في عهد مبارك. وما وحد كل مراكز القوى السابقة وجعلها تدعم السيسي هو عامل واحد: الإخوان المسلمون. فقد اتحدت هذه المجموعات معا لمنع عودة الإخوان المسلمين الذين ينظر إليهم كتهديد لها. ويلاحظ الكاتب هنا أن مسألة الخوف من الإخوان تلاشت في الأشهر الأخيرة. فالجماعة لم تعد تهديدا بسبب سجن آلاف من أبنائها وإجبار قادتها على الهروب ومن بقي منهم داخل مصر لا يرغب بالمخاطرة بحياته في وقت انقسمت فيه الجماعة على نفسها ولم تعد والحالة هذه حركة متماسكة قادرة على التعبئة والتجنيد كما في الماضي.
ونقل تريغر عن جنرال في الجيش أخبره في تشرين الثاني/نوفمبر 2015: «لم نعد نسمع عنهم الكثير الآن»، وأضاف «يقومون بإحداث بعض المشاكل لكنهم لا يحققون أية نتائج». ويعتقد الكاتب أنه بدون تهديد الإخوان، الذي وحد قاعدة الحكم الرئيسية لدى السيسي، بدأت تظهر توترات في داخلها.
العلاقة مع رجال الأعمال
وأوضح مثال على هذا هو تدهور علاقة السيسي بمجتمع رجال الأعمال. ومع أن هؤلاء كانوا يشكون في قدراته عندما تولي الحكم منتصف عام 2014، إلا أنهم تعاملوا بنوع من الخوف عندما تم اعتقال رجل الأعمال صلاح دياب في بداية تشرين الثاني/نوفمبر حين وجهت له تهم فساد مالي وحيازة سلاح بطريقة غير قانونية.
ونقل الكاتب عن عدد من رجال الأعمال قولهم إن المشكلة ليست في اعتقال دياب، «فنحن مع تطبيق القانون» كما قال أحدهم، ولكن الطريقة التي اعتقل بها. فقد داهمت قوات مكافحة الإرهاب بيته في الساعة الخامسة صباحا حين كان نائما في غرفة النوم وزوجته وقاموا بتقييده وابنه وسربوا صور الاعتقال للإعلام. ونقل عن رجل أعمال قوله إن الطريقة «ذكرت بأيام ناصر عندما كانوا يعتقلون الناس من بيوتهم في الفجر» أو ما عرف «بزوار الفجر».
وأكد كل رجل أعمال تحدث إليه الكاتب أن اعتقال دياب لم يكن ليتم بدون موافقة من السيسي. وفي الوقت الذي ينتظرون من الأخير إصلاح الخطأ، قام السيسي بدلا من ذلك بتهديد رجال الأعمال في خطاب ألقاه ببور سعيد قبل ثلاثة أسابيع. ففي الخطاب تساءل الرئيس عن سبب قلق رجال الأعمال قائلا بصرامة «إعملوا، إبنو وعمروا».
ورغم هذا فلا يرى رجال الأعمال بديلا عن السيسي لأن لديه اليد العليا. وقال: «الناس لا يحبوننا، الناصريون واليساريون والإعلام، كلهم يكرهون رجال الأعمال». ولكن الحادثة أدت إلى خوف في داخل مجتمع رجال الأعمال فيما يخشى المسؤولون الاقتصاديون أن يبحث المستثمرون المحليون والأجانب عن أماكن أخرى.
توتر في داخل المخابرات
وبالإضافة للتوتر مع رجال الأعمال يرصد الكاتب توترا آخر مع الأجهزة الأمنية. فعمل هذه الأجهزة يظل غامضا لكنها تتمتع بتأثير واسع على شبكات الإعلام الخاصة ومن المحتمل أنها تقوم بالسماح إن لم تشجع النقد المتزايد خلال الأشهر الماضية للسيسي.
وفي هذا السياق، فبعد اعتقال رجل الأعمال دياب والناشط في مجال حقوق الإنسان، حسام بهجت، هاجمت مقدمة البرامج، لميس الحديدي، الحكومة قائلة: «لا نريد مؤامرة أجنبية»، في إشارة لولع الحكومة الحديث عن نظريات المؤامرة وإلقاء كل مظاهر فشل الحكومة عليها. وقالت الحديدي: «نحن نظرية مؤامرة نفسها لأننا نتآمر على أنفسنا». وانتقد عمرو أديب، زوج الحديدي وهو نفسه مقدم برنامج تلفزيوني، النظام بلهجة أوضح عندما قال إن مصر لن تموت لو رحل السيسي.. «مصر مش هتموت لو مشيت، عبد الفتاح السيسي. إبن من أبناء مصر وهناك أبناء كثيرون مستعدون لخدمة البلد».
وتحدث الكاتب عن أدلة تشير لتنافس بين أجهزة الأمن المصرية والتي عادة ما تتنافس للحصول على التمويل والتأثير السياسي.
وظهرت ملامح من هذا التنافس في البرلمان المنتخب حديثا. فقد قرر حزب «مستقبل وطن»، الذي يعزى نجاح أعضائه للمباحث العامة، الانسحاب الشهر الماضي فجأة من الكتلة الموالية للسيسي والتي يقودها جنرال سابق. وعندما عاد وانضم للكتلة بعد أيام قال المتحدث باسمها إنها حصلت على حصة للتأثير في المكتب السياسي. ويرى الكاتب أن التنافس بين الأجهزة الأمنية واضح بشكل كبير على قنوات التلفزة.
ففي كانون الأول/ديسمبر زعم مقدم البرامج، توفيق عكاشة، الذي يعتبر من أكبر المروجين لنظريات المؤامرة، في مقابلة أجراها معه يوسف الحسيني، أن المخابرات المصرية العامة قد تحولت ضده بعدما قدمت له الدعم.. «أخذوا ما يريدون ثم أصبح عكاشة مشكلة». وقال إن أجهزة الأمن دعمت موقفه من المتشدد والمعارض للإخوان المسلمين خلال فترة حكم مرسي، قائلا إن المخابرات اختبأت وراءه. وفي اليوم التالي دعا الحسيني السيسي للتدخل وإنهاء تدخل المخابرات في السياسة المصرية. ويعلق الكاتب هنا بأن تدخل المخابرات في السياسة ليس جديدا. ولكن السماح لحكومة قمعية بانتقاد المخابرات يعكس نوعا من الصدع الداخلي في النظام.
والجيش أيضا
وأشار مسؤولون أجانب، وبشكل مهم إلى توترات بين السيسي الذي كان نفسه وزيرا للدفاع ومؤسسة الجيش.
وفي الوقت الذي تظل فيه المؤسسة العسكرية القاعدة الطبيعية لدعمه، لكن المسؤولين نسبوا التوتر إلى الحلقة السياسية الصغيرة التي تفرخ، كما يقول، حالة عدم ثقة بل حسد بين قيادات الجيش البارزة. وزادت مشاكل مصر الأمنية والاقتصادية من مظاهر القلق داخل المؤسسة. وأخبر مسؤول الكاتب: «يقول الجنرالات إن السيسي معزول وأحاط نفسه بمجموعة من الرجال الذين لا يملكون أجوبة».
و «بدأوا يطرحون أسئلة: لماذا تغرف الإسكندرية؟ ولماذا قتل السياح المكسيكيون؟ هذا مثير للخجل». وبالإضافة للتوتر بين السيسي والجيش هناك انقسام بين القادة أنفسهم الذين يظهرون حس لامبالاة للقادة الاكبر منهم في اللقاءات مع المسؤولين الأجانب. ويظل من الصعب تقييم عمق وخطورة الصدع داخل النظام. فطريقة عمل نظام السيسي تظل بعيدة عن عين المراقب الخارجي وتظل حتى للقاعدة الرئيسية فيه مثيرة للتشوش نوعا ما. ومع ذلك يؤكد رجل أعمال مرتبط بالنظام أن هناك «بالتأكيد صراعا على السلطة» ولكنه لا يعرف من «اللاعبون الرئيسيون» في داخل النظام ويقول «هناك نظام كان قائما (في عهد مبارك) تتوازن فيه المصالح، ثم انهار خلال الثورة وهو لا يزال محلا للتنافس».
وفي الوقت الحالي لا يتوقع المقربون من النظام تعديلا سياسيا مهما علاوة على تغيير فيه، وبحسب مقدم برامج تلفزيونية معروف « لو حدث شيء لهذا الرجل، فسيدخل البلد في مرحلة صعبة. وفي النهاية لو ظل السيسي في السلطة فلن يحافظ على موقعه في القمة بطريقة سهلة، فلو تدهورت الأوضاع الاقتصادية بشكل كبير، فستبدأ المشاكل في غضون عام»، حسب المذيع التلفزيوني.
مشاكل مشاكل!
وفي هذا السياق ناقش يزيد صايغ، من «مركز كارنيغي»، بمقال نشر على موقعه جاء فيه أن دور الرئيس المصري المركزي في صناعة السياسة الاقتصادية لن يحقق أهدافه المنشودة، وربما أسهم بمفاقمة المشاكل الحالية أو خلق مشاكل جديدة. وأشار صايغ لقرار أصدره السيسي في تشرين الثاني/نوفمبر 2015 عزز فيه المؤسسة المسؤولة عن إدارة العقارات التي لم يعد الجيش المصري يستخدمها للقيام بمشاريع ربحية وعقد مغامرات تجارية مع مؤسسات استثمارية أجنبية ومحلية.
وفي بداية العام الحالي أصدر قرارا للبنك المركزي طلب منه تحفيز القطاع المصري في البلاد وضخ 25 مليار دولار في قطاعي الأعمال الصغيرة والمتوسطة اللذين يواجهان اليوم تحديات في مصر. ويرى صايغ أن قرارات مثل هذه وتلك التي أصدرها منذ توليه السلطة عام 2014 هي صورة عن الطريقة الروتينية التي يتجاوز فيها الرئيس المؤسسات المسوؤلة وبشكل إسمي عن صناع السياسة الاقتصادية وإدارتها. ومع أن هذه القرارات تعكس حس الحاجة الماسة لحل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي تعاني منها البلاد، إلا أنها لن تؤدي للنتائج المنشودة بل ستخلق مشاكل جديدة. ويرى الكاتب أن قرارت السيسي ومبادراته الاقتصادية تعكس فهمه المحدود لطبيعة وأسباب المشاكل البنيوية التي تواجه مصر- الفقر، البطالة، تدني الإنتاج المتدني وغير ذلك. ويرى الكاتب أن تنفيذ المبادرات يظهر بشكل متساو فهما قليلا لطريقة معالجة المشاكل، مما يفاقمها بطريقة أكثر، هي ميول السيسي للإعلان عن مبادرات مهمة وكبيرة مثل فتح فرع جديد لقناة السويس في خطابات عامة وقبل أن يستشير الخبراء والوزراء الذين عادة ما يفاجأون بها. وفي حالة تفريعة قناة السويس لم تعرف وزارة المالية بالأمر وكان عليها أن تصمم سياسة تدفع المواطنين للمساهمة وفي غضون 48 ساعة.
ويعتقد صايغ أن مدخل السيسي الاقتصادي أدى إلى قرارات حملت في طياتها تناقضا ولم تكن متناسقة. ويبدو هذا واضحا من المشاريع الضخمة «ميغا» التي أعلنها من أجل توليد فرص العمل وإنعاش الاقتصاد، والمدخل الذي يريد تحقيق إصلاحات في قطاع الخدمة المدنية بطريقة سريعة، والمدخل المتسم بأحادية الجانب والهادف لتوليد رأس مال جديد في الاقتصاد. وبحسب الكاتب فإن التركيز على المشاريع الكبيرة يعكس فهما مبسطا لطريقة توفير فرص العمل.
ويقول إن المشاريع العظيمة لم تفعل الكثير للتخفيف من معدلات البطالة. فتفريعة السويس الثانية مشروع قام به الجيش وشركات مختارة. وفي الوقت نفسه توقف مشروع بناء مليون وحدة سكنية ولا يعرف متى سيبدأ مشروع العاصمة الجديدة. وفي المجال الثاني، وهو إصلاح القطاع المدني، يعتقد صايغ أن السيسي محق في التركيز عليه، لكن إصلاحه يحتاج لجهود أكثر من تلك التي خصصها خاصة أن بيروقراطية الدولة متخضمة. ويقول إن تركيز السيسي على الخدمة المدنية يشير إلى انه وضع في فمه طعام أكبر مما يمكنه مضغه. فالقانون المقترح لمراجعة رواتب وحوافز الخدمة المدنية لم يتم تطويره بالاستشارة مع الاتحادات العمالية والقطاع العام.
ويرى الكاتب أن السيسي كان ناجحا في المجال الثالث، وهو المبادرات الاقتصادية، إذ استطاع في «المؤتمر الاقتصادي المصري للتنمية» الذي عقد في شرم الشيخ في آذار/مارس 2015، الحصول على وعود بالاستثمار قيمتها 72.5 مليار دولار.
وأشار الكاتب لتعهدات سعودية وخليجية ونجاحات أخرى، فاوض السيسي لها شخصيا وتعكس رغبة حلفاء مصر العرب والغربيين لتحقيق الإستقرار في البلد، ولكنها في مجملها لن تحل المشاكل البنيوية التي يعاني منها الاقتصاد المصري. كما أن التناقض في السياسة الاقتصادية لن يتغير لأنها مدفوعة بدوافع سياسية، فهو يريد إرضاء توقعات الرأي العام، من خلال توفير فرص عمل ودائرة ضيقة من المستفدين مثل مؤسسات الدولة ورجال الأعمال. ويختم الكاتب بالقول إن هناك مخاطر من أن يظل السيسي، الذي أعطى لنفسه دورا مركزيا في السياسة الاقتصادية، أن يلاحق ذيل المشكلة لا جوهرها. فمشاكل مصر الاقتصادية كبيرة وتحتاج لمدخل يفهم أسبابها وجذورها، لا يعيد انتاجها.
إبراهيم درويش