مرحبا بكم في «كاراستان»

حجم الخط
2

هو عنوان فيلم روائي بريطاني أنتج في 2014، وأتيحت أوروبيا مشاهدته في دور العرض السينمائي في صيف 2015.
يقارب الفيلم واقع نظم الحكم المستبدة التي تتسلط على المجتمعات الفقيرة، وتقمع أهلها بأجهزة أمنية واستخباراتية تستنزف مواردها، وتقيم جمهوريات خوف لا تتورع عن ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وعن انتهاك الحقوق والحريات وهي تقضي على فرص التنمية المستدامة والحياة الكريمة. غير أن الفيلم، وهو رشح للعديد من الجوائز البريطانية والعالمية، يقارب الواقع المرير للاستبداد في قالب الكوميديا السوداء، فيسخر من تهافت وفساد الحكام المستبدين ومن جهل جنرالات الأمن والاستخبارات ومن شيوع النفاق بين الناس إما خوفا أو طمعا. وعلى الرغم من أن كلمة «كاراستان» التي تستخدم في عنوان الفيلم كاسم للمجتمع الذي تدور به الأحداث تدفع المشاهد للتفكير في أوضاع بعض جمهوريات آسيا الوسطى التي خرجت من عباءة الاتحاد السوفييتي السابق ويتسلط عليها حكام مستبدون لا يتركون مقاعدهم إلا وهم محملون إلى القبور (كازاخستان وأوزبكستان وطاجيكستان وقرغيزستان على سبيل المثال)، إلا أن كاراستان تظل مجتمعا متخيلا.
تبدأ أحداث «مرحبا بكم في كاراستان» بقبول مخرج سينمائي بريطاني عاطل عن العمل دعوة الحكومة الكاراستانية للمشاركة في مهرجان للأفلام الأجنبية، واستلام جائزة تقديرية. بعد أيام قليلة، وبعد أن راقبه العسس والبصاصون بكثافة، يلتقي المخرج رئيس الجمهورية الكاراستانية، رجل الأعمال الفاسد وربيب الأجهزة الأمنية والاستخباراتية في الماضي والديكتاتور الذي يرى نفسه كبطل منقذ وقائد ملهم في الحاضر. يطلب «الرئيس» الذي يستنزف الموارد المحدودة للمجتمع الفقير في تدجيج آلته القمعية بالسلاح من «المخرج» العاطل عن العمل أن يصنع له فيلما روائيا عالميا يضفي هالات البطولة والمجد على حياته السابقة ودوره الراهن. يرفض المخرج بداية، ثم يوافق خوفا من التعقب وهو مازال في بلاد الديكتاتور وطمعا في العائد المالي الكبير. يشرع المخرج تحت إشراف رئاسي وأمني في تصوير مشاهد الفيلم، ويلتقي صنوفا من الناس الذين شوههم الاستبداد. يلتقي الخائف والطامع والمنافق والمغامر والمتآمر والجاهل، ومن خلال الاحتكاك بهم يتضح الخواء المرعب الذي يلحقه الاستبداد بالمجتمعات، والفساد الذي يطول كل شيء، وامتهان العقل الذي يصبح عقيدة الديكتاتور ورفاقه من الجنرالات، والخوف الذي يتحول من شعور عام بين المواطنين إلى بارانويا الحكام وأجهزتهم، ومأساوية الحياة في مجتمع فقير تضحك وتبكي حقائق الاستبداد به.
أثناء التصوير ينقلب بعض من هم في حكومة الديكتاتور الكاراستاني عليه، وينجحون في إزاحته عن الرئاسة وطرده بعيدا عن البلاد، ويؤسسون لحكم ديكتاتوري جديد بطامعين ومنافقين ومغامرين يمزجون بين القديم والجديد. يتوقف التصوير، يرحل المخرج عائدا إلى بريطانيا وإلى حياة العاطلين عن العمل. ثم ينتهي الفيلم بلقاء بين المخرج والديكتاتور السابق، ونكتشف إقامته في بريطانيا معتمدا على الأموال التي نهبها وساعيا إلى تدبير انقلاب يعيده إلى مقعد الحكم الذي حرم منه.
تذكرت «مرحبا بكم في كاراستان» البديع، وأنا أتابع أخبار الحكم في مصر. تذكرته، وأنا أطالع الأنباء المتداولة عن مستبدين يتسلطون على مجتمعات فقيرة قريبة منا وبعيدة عنا، أو عن حكام ديكتاتوريين ساموا مواطنيهم في الماضي سوء العذاب. ليست فقط الخطوط العريضة هي التي تتشابه، بل تكاد تتطابق التفاصيل المضحكة والمبكية لمأساة الحياة في بلاد يتكالب عليها الاستبداد والفقر والجهل. كوريا الشمالية اليوم ليست غريبة عن مآسينا المضحكة، والأرجنتين في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين تقترب كثيرا من مآسينا المبكية في القرن الحادي والعشرين.
في 2015، أعلنت هيئة الأخبار المركزية في كوريا الشمالية عن نجاح فريق من العلماء تحت إشراف الرئيس كيم جونغ أون في تطوير دواء جديد يقضي على الايدز والايبولا ومختلف أنواع السرطان. دواء واحد سحري اسمه كامدانج-2. دواء واحد سحري تم اختباره في إفريقيا، فثبت نجاحه الباهر في شفاء المرضى من الايدز. ولأن الأمراض كثيرة بين الإفريقيين المساكين، تمكن كامدانج-2 من تخليصهم أيضا من تشكيلة إضافية ضمت الايبولا والسرطان وغيرهما.
ولأن اختراع «الكفتة» الكوري الشمالي لم يبهر العالم بما يكفي بالقدرات الخارقة للرئيس كيم جونغ أون، أظهر لهم الرجل بداية وجهه الحقيقي ففجر قنبلة هيدروجينية منذ أيام ثم عاد لمحاولة الإبهار باختراع بديع، نوع جديد من الخمور نسبة الكحول به تصل إلى 40 ٪ ومع ذلك لا يشعر بعده الشاربون بآثار ما بعد الشراب. ليس هذا وحسب، فالمشروب الجديد وفقا للصحيفة الرسمية الناطقة باللغة الإنكليزية «بيونغ يانغ تايمز» يقضي أيضا على الدهون المتراكمة في الأجساد المترهلة ويقدم للشاربين ما يعادل الوجبة الغذائية المتكاملة بخليط غير مسبوق من الفيتامينات والمقويات.
وبين الدواء السحري لشفاء جميع الأمراض والقنبلة الهيدروجينية والخمر المغذي، تخبرنا وكالات الأمم المتحدة المتخصصة أن خطر المجاعة يواجه كوريا الشمالية بسبب الجفاف وسوء إدارة الاقتصاد الزراعي، وتقدر ومعها منظمات غير حكومية أن 70٪ من السكان البالغ عددهم الإجمالي 18 مليون نسمة يعانون من غياب الأمن الغذائي. تتوالى الإعلانات الرسمية عن اختراعات وهمية وقنابل للإبادة في بلاد حصدت بها مجاعة سابقة حدثت في منتصف التسعينيات أرواح بين مئات الآلاف وتتهددها مجاعة قادمة.
أما الأرجنتين، فعانت بين 1976 و1983 من حكم عسكري دموي ارتكبت خلاله جرائم مروعة ضد الإنسانية بين القتل خارج القانون والاختفاء القسري والتعذيب من جهة، وبين تصفية جسدية للمعارضين وسلب حريتهم بقوانين ديكتاتورية وبإجراءات تقاضي صورية من جهة أخرى. بلغ عدد ضحايا تلك السنوات أكثر من 30 ألف قتيل، وآلاف السجناء، وأعداد كبيرة من الفنانين والمفكرين والأكاديميين والصحافيين الذين طرقوا أبواب المنافي.
لم يكن ضحايا الحكم العسكري في الأرجنتين فقط من سياسيي الحركات اليسارية ولا من المشاركين في الاحتجاجات المنددة بإدارة الجنرالات. بل جاء العدد الأكبر من الضحايا من دوائر أخرى؛ طلاب جامعات رفضوا الظلم، شباب طالبوا بوقف الانتهاكات، مجموعات من الصحافيين الذين رفضوا تأييد القتل، بعض الأكاديميين من شرائح عمرية مختلفة ممن نادوا بإنهاء العنف والبحث عن مخارج سلمية من حكم عسكري فاشل، نساء ورجال دين دافعوا بتعاليم المسيح عن الحق في الحياة. وقبل هؤلاء جميعا، حوت قوائم الضحايا أسر ضحايا انتهاكات الاختفاء القسري والتعذيب وسلب الحرية. أمهات بحثن عن أولادهم المختفين فاقتدن إلى السجون، آباء تحدثوا علنا عن مصابهم في أبنائهم ففصلوا من أعمالهم واقتيدوا أيضا إلى السجون، وأشقاء وأقارب تعرضوا للتهميش وللإقصاء.
أما المدنيون الذين قبلوا التعاون مع الحكم العسكري، فوظف الجنرالات تهافتهم على منافع وعطايا الحكم واستعدادهم الدائم لإيجاد مبررات للسياسات الرسمية على نحو مزدوج؛ من جهة لكي يصلوا بعموم الناس إلى التسليم بعجز المدنيين عن إدارة شؤون البلاد أو حل أزماتها الاقتصادية والمعيشية والاعتراف باحتياج البلاد للمؤسسة العسكرية وللأجهزة الأمنية، ومن جهة أخرى لكي يكون للحكم العسكري نخبة مدنية تستطيع أن تجول بين العواصم الغربية وتشارك في المحافل الدولية دون تحفظات.
ولأن جرائم الجنرالات وانتهاكاتهم الواسعة لحقوق الإنسان صنعت بيئة مجتمعية خائفة، أعفت أغلبية الشعب الأرجنتيني نفسها من مسؤولية إيقاف الجنون صمتا وعزوفا وابتعادا عن الشأن العام. وتواطأت نخب المستفيدين من الحكم العسكري بالترويج لوطنية متطرفة وشوفينية، وللحروب التي فرض على «الشعب الأرجنتيني العظيم» أن يخوضها في مواجهة المؤامرات والمتآمرين (لم تكن حروب الجيل الرابع أو الحرب على الإرهاب آنذاك، بل كانت الحرب العالمية الثالثة ضد الشيوعية)، ولضرورة التضامن مع «الدولة» التي اختزلت في الحكام وتأييدها دون معارضة. وكالعادة، تواطأت القوى الغربية أيضا، مدفوعة بحسابات المصالح وبمعاييرها المزدوجة «الديمقراطية لنا، أما أنتم فلا نراكم تستحقونها بعد» وطلبا لوهم الاستقرار الذي يقايض به كل من ينتهك حقوق الإنسان.
والحصيلة، بعد سنوات من الجنون والمغامرات العسكرية المكلفة (حرب جزر الفوكلاند في 1982)، تمثلت في آلاف الضحايا واقتصاد منهار ومجتمع اعتاد العنف ومؤسسات دولة متهالكة ومفلسة ومؤسسة عسكرية وأجهزة أمنية أمسكت بها هي بارانويا الخوف. إزاء الفشل، سطر الجنرالات نهاية حقبتهم في 1982 بإطلاق الحريات المدنية وبالسماح بعودة الحياة السياسية، وفي 1983 بانتخابات تعددية جاءت برئيس مدني. غير أنهم لم يضعوا حدا لمعاناة الناس من جراء جرائمهم وخطاياهم، وهي المعاناة التي لم تتعاف منها الأرجنتين بالكامل إلى يومنا هذا.

٭ كاتب من مصر

عمرو حمزاوي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية