الهند في ميلادها الستين: كعب آخيل عمالقة القرن

حجم الخط
0

صبحي حديدي

الأرجح أنّ وزير الخارجية السوري، وليد المعلم، لم يتعلّم جديداً من زيارته الأخيرة إلي الهند، سوي أنّ النظام الديمقراطي في هذا البلد ـ القارّة بحاجة إلي تعلّم الدروس من نظام سيّده بشار الأسد، سواء في سياسة الحكم (الوراثة والاستبداد والنهب والمزرعة العائلية). أو في سياسة الإقتصاد (مسخرة ما يُسمّي اقتصاد السوق الاجتماعي، وأرقام النموّ المرّيخية التي يتقن تكنوقراط النظام فبركتها وتسويقها)، أو في سياسة الإصلاح (حيث لا يجد النظام وقتاً لإصلاح أيّ شيء، في غمرة تفرّغه التامّ لنهج الممانعة ضدّ الدولة العبرية والولايات المتحدة). تلك، مع ذلك، قضية أخري ليست موضوع هذه السطور، خصوصاً وأنّ حال المعلم في هذا لا تختلف عن حال جميع ممثلي النظام العربي الذين زاروا الهند في مناسبة الاحتفال بالذكري الستين لاستقلال هذا البلد ـ القارّة. ففي يوم 15 آب (أغسطس)، من العام 1947 نالت الهند استقلالها، وفقدت بريطانيا الكولونيالية مستعمرة لا تشبه سواها، سُمّيت بحقّ درّة التاج، بل كانت أعظم الدُرَر بين عشرات البلدان والأمم الواقعة تحت نير الإستعمار الإنكليزي، هنا وهناك في أربع رياح الأرض. لكنّ الإنسانية، من جانبها، كسبت مركز قوة جديداً وفتياً كان بالفعل قارّة كاملة متكاملة، وليس مجرّد شبه قارّة كما تقول تصانيف الجغرافيا. ثمة، بالتالي، عشرات الأسباب التي تُلزم الإنسانية بمشاركة الهند احتفالاتها الستينية هذه الأيام، ولا يغيّر من الأمر أنّ أواخر القرن الماضي كانت قد شهدت انقراض الكثير من التسميات التي شاعت في أواسطه: عتبة آسيا، قلب حركة عدم الإنحياز، العالم الثالث، اللاعنف، المقاومة السلبية… هذه هي الدرّة القديمة إياها، تستعدّ علي نحو أفضل لاحتلال موقع الدرّة الجديدة في تيجان جيو ـ استراتيجية قادمة، الآن والبشرية تعيش أطوار ما بعد نظام القطبين، وتنتظر الأقطاب القادمة في عقود القرن الحادي والعشرين: الصين، روسيا الإمبراطورية، الباكستان، إيران، أو ما يحلو لبعض دوائر البحث الغربية أن تسمّيه قوس الإسلام التاريخي.

وللمرء الحقّ كل الحقّ في أن يبدأ من ذلك الخطاب الشهير الذي ألقاه جواهر لال نهرو في 14 آب (أغسطس) سنة الإستقلال، وأن يستذكر الوعود الثلاثة التي بدت طوباوية مفرطة في طموحها إذ تجري علي لسان أوّل رئيس وزراء لدولة قارّة شاسعة واسعة هائلة، آسيوية حتي النخاع، ومثقلة بالتاريخ والجغرافيا والديموغرافيا، علي نحو لم يدفع ونستون تشرشل إلي برهة تبصّر واحدة قبل أن يقول: الهند ليست أمّة، بل هي تجريد محض. الإقتصادي والدبلوماسي الأمريكي المعروف الراحل جون كنيث غالبرايث ردّ بالقول: ربما، فالتجريد حصيلة رمزية للملموس. وفي أسوأ الأحول لن تكون الهند أقلّ من حالة فوضي ذات وظيفية عالية، وعلي الغرب أن يحاذر المزيد من تجريد ذاته إزاءها.

وكان سادة التخطيط الكوني الكولونيالي في لندن قد ابتسموا إشفاقاً وهم يصغون إلي وعود نهرو في إقامة نظام ديمقراطي تعددي، ومحاربة التخلف وانعدام المساواة الاجتماعية، وإقامة بنية إقتصادية وطنية حديثة وحداثية. وكان السادة أنفسهم يقرنون ابتسامة الإشفاق بتكشيرة شماتة، ويراهنون علي سلطة التجريد التشرشلي إياها في تقويض التجربة حتي قبل ولادتها. وكيف لبلد يقذف 18 مليون وليد إلي شوارع بومباي وكلكوتا ودلهي كل سنة، ويقوم علي ديناميت من موزاييك إثني ومذهبي، وينشطر ساعة استقلاله إلي هند هندوسية ـ مسلمة وباكستان مسلمة ـ هندوسية، ويضع قدماً عند عتبات معابد بوذا وكونفوشيوس وأخري عند مساجد محمد بن عبد الله… كيف لبلد كهذا أن يدخل العالم بمبادئ ووعود عظمي، تكاد ترقي إلي مستوي الفلسفة العليا التي لا تليق إلا بالمراكز العليا من جبابرة الكون وقواه العظمي: العالم الحرّ، أوروبا، أو الغرب باختصار، وفي أكثر معانيه تمايزاً وخصوصية وإثرة؟

هذا واحد من الأسباب الكثيرة التي تُلزم الإنسانية بمشاركة الهند احتفالاتها الستينية. لقد سقط الرهان علي التخلف العضوي الذي يزمن ويستأصل وينخر أجساد عوالم العالم الثالثة، في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، وتبيّن أن الهند، شبه قارّة المهاتما غاندي وطاغور قبل هند جواهر لال نهرو وباكستان محمد علي جناح، قادرة علي تحقيق أكثر من وعد واحد عظيم. كان بينها، وأهمها، ما اعتبره الغرب امتيازه الحضاري الأنفس: أي إنجاز نظام ديمقراطي علماني تعددي تسود فيه المؤسسات المدنية ودولة القانون والقضاء المستقلّ والصحافة الحرّة، يسمح بتداول السلطة سلمياً، وبسحب العسكر إلي ثكناتهم.

وهكذا بدا أنّ تجريد تشرشل يلتقي مع وظيفية الفوضي عند غالبرايث، خصوصاً حين اتضح أنّ مشكلات ما بعد الإستقلال ليست أكثر دراماتيكية من مشكلات دول العالم الحرّ كلما تعيّن اللجوء إلي صندوق الإقتراع للتحكيم في المعضلات الوطنية الكبري. ولم يكن بالعجيب أن تتراجع شعبية حزب المؤتمر الهندي (صانع الإستقلال) علي خلفية المعطيات الجديدة لديناميكية الحياة السياسية والإقتصادية والاجتماعية، مثلما لم يكن بالعجيب أن يلجأ البريطانيون إلي إحالة تشرشل نفسه (بطل الحرب العالمية الثانية ورمز التحرير) إلي تقاعد سياسي لا رجعة بعده.

وللإنسانية أن تتذكر أيضاً الموقع الخاص الذي تتبوأه الهند المعاصرة، علي الخريطة الجيو ـ سياسية لما ستحمله الأزمان الوشيكة من شدّ وجذب ومحاور وحوارات في العقود الأولي من القرن الحادي والعشرين. وقبل سنوات نشر المؤرّخ والمفكر السياسي بول كنيدي دراسة بالغة الأهمية (في الفصلية المرموقة Foreign Aairs، وشاركه فيها روبرت شيس وإميلي هيل من جامعة ييل)، أعاد فيها التشديد علي مقولة الدول المحورية، والتي أطلقها الجغرافي والستراتيجي البريطاني هالفورد ماكيندر في مطلع القرن.

ولقد سرد كنيدي المعايير والخصائص التي تسمح بتحديد الدولة المحورية: عدد السكان والموقع الجغرافي الهامّ، الإمكانيات الإقتصادية واحتمال ولادة الأسواق الكبري، الحجم الفيزيائي… هذه جميعها عوامل كلاسيكية تساعد في تعريف الدولة المحورية، ولكنّ المعيار الأهمّ هوقدرة تلك الدولة علي التأثير في الإستقرار الإقليمي والدولي بحيث يكون انهيارها بمثابة تقويض لعدد كبير من المعادلات السياسية والإقتصادية والأمنية والإثنية والثقافية. وضمن هذا التعريف، رأي كنيدي والفريق العامل معه أنّ الدول المحورية في عالمنا الراهن هي المكسيك والبرازيل والجزائر ومصر وجنوب أفريقيا وتركيا والهند والباكستان وأندونيسيا.

كذلك سارع كنيدي إلي التحذير من انقلاب هذه النظرية إلي مزمور مقدّس شبيه بنظرية الدومينو، لأنّ منظورات هذه الدول المحورية يمكن أن تتقاطع وتتباين كثيراً، في واحد أو أكثر من المعايير المشتركة. وليس الأمر أنّ كنيدي كان يمارس المزيد من هجاء نظرية الدومينو في غمرة مقترحاته الجديدة، بل قد يكون العكس هو الصحيح. خيارات التركيز علي قطع الدومينو الجديدة، دون إهمال بعض القطع القديمة، يمكن أن تخدم الستراتيجيات الراهنة والمستقبلية للولايات المتحدة أكثر مما كان عليه الحال أيام نظام القطبين والاستقطابين، وما من أحد ملزم اليوم بإثقال الخزينة الأمريكية لخدمة مشاريع مارشال أو ملء الفراغ علي قاعدة الموت ولا الحمر.

الفارق بين الأمس واليوم هو أنّ التهديد الشيوعي لم يعد الشبح المرابط علي أسوار هذه الدول، المستعدّ للإنقضاض والتخريب إذا ما غفلت عين الحارس الأمريكي الساهر علي الحرّية والديمقراطية والأمن، كما كانت الدعاية الغربية تهتف وتكرّر وتعيد. التهديد هذه المرّة يأتي من الداخل، والداخل وحده تقريباً. يأتي ولا يتوقف ضمن حدود البلد المحوري، بل يتعداه إلي أكثر من جوار، بالضرورة الناجمة عن طبيعة انبثاقه من عوامل مكوّنة ليست داخلية علي الدوام: الزيادات الهائلة في أعداد السكان، موجات الهجرة، التدهور البيئي، الصراعات الإثنية، انعدام الوزن الاقتصادي، وما إلي ذلك من ظاهرات تعجز السياسات السابقة عن معالجتها أو حتي تطويقها وتضييق نطاق انتشارها.

علي النحو الجدلي هذا لا تستطيع الإنسانية، مثلما لا تستطيع الولايات المتحدة، أن تتجاهل حقيقة أنّ الهند هي اليوم قلعة المقاومة الأهمّ في وجه القراءة الأمريكية لمفهوم نزع السلاح النووي والحدّ من انتشاره، هذه التي تنهض علي سلسلة نواظم لا تكيل بمكيالين فقط، بل لا تعتمد سوي المكاييل الإنتقائية لكل حالة علي حدة. وفي وسع دولة مثل إيران أن تتكيء علي صمود القلعة الهندية، في الردّ علي حملات التأثيم الأمريكية بصدد حيازة، او المضي في إنشاء، صناعة نووية مدنية أو عسكرية. ولهذه الدول أن تراهن علي قلق أمريكي حقيقي من القلعة النووية الهندية، وهو أمر اتضح علي نحو دراماتيكي منذ ذلك التقرير الشهير الذي قُدّم إلي الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون، واختُصرت فحواه في النصيحة التالية: سيدي الرئيس، لا تحشروا المارد الهندي في الزاوية الأخيرة من الجدار الأخير!

وفي ذلك التقرير كتبت شيرين طاهر خيلي، من معهد أبحاث السياسة الخارجية في فيلادلفيا والعضو السابق في مجلس الأمن القومي الأمريكي أيام جورج بوش الأب، إنّ الهند هي كعب آخيل في الجسد الأمريكي العملاق المتطامن نحو القرن الحادي والعشرين: إذا شئنا احتواء الماردين القادمين، الصيني والروسي، فلا مناص من إرضاء المارد الهندي المقيم بين ظهرانينا، حتي ولو اضطررنا إلي قبول ما يعطيه من قدوة مقاومة لدول أخري أقلّ شأناً. وليس أدلّ علي اعتماد هذه النصيحة من موقف الإدارة الأمريكية الراهن، الذي لم يجد البيت الأبيض مناصاً من التسليم به وصوّت عليه الكونغرس قبل أيام، حول منح الهند معاملة خاصة في شراء الوقود والتكنولوجيا النووية لأغراض سلمية، رغم أنّها غير موقّعة علي اتفاقية الحدّ من الأسلحة النووية.

وقبل عقد من الآن، وفي الاحتفال بالذكري الخمسين لميلاد بلده، الأمّة ـ الدولة ـ القارّة، كتب سلمان رشدي: لقد اتخذ هذا البلد صورة حديثة عن الذات، وكبّرها لكي تتسع لنحو مليار نفس بشرية. إنّ النفس الهندية رحبة للغاية وعالية المرونة، حتي أنها تفسح المجال لمليار من الفوارق. إنها توافق علي إطلاق تسمية الهندي علي مليار نفس، الأمر الذي ينطوي علي أصالة أكثر تعقيداً وثراء من جملة الأفكار التعددية القديمة حول بوتقة الصهر أو الموزاييك الثقافي. وهي اختيار ناجح لأنّ الفرد يري طبيعته الفردية مكتوبة في طبيعة الدولة. ولهذا فإنّ الهندي لا يشعر بأي قلق حول قوّة الفكرة الوطنية، وهو السبب في سهولة الإنتماء إلي الفكرة، بالرغم من نصف قرن من الإضطراب والفساد والتعثر والإحباط والبؤس.

ولكن الهند الراهنة، تماماً كما قال رئيس وزرائها مانموهان سينغ في خطاب الاحتفال بالذكري الستين، لا يمكن أن تحقق حلم المهاتما غاندي إلا إذا طردت الفقر (359 مليون من ابنائها الـ 1,1 مليار يشكلون ثلث البشر الذين يعيشون علي أقلّ من دولار واحد يومياً)، مع أنها اليوم تُعدّ بين أسرع أمم الكون في تحقيق نموّ إقتصادي شامل متكامل واسع النطاق.

وها هنا، تحديداً، تتضحّ صلاحية الملاحظة الثاقبة التي أطلقها جون كنيث غالبرايث، عن تجريد ليس سوي حصيلة رمزية للملموس.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية