د. فايز رشيد
مثلما ترفض فلسطين التاريخية والفلسطينيون القسمة علي اثنين مع العدو الصهيوني، فهي وهم (بالطبع) احري بأن ترفض ويرفضوا هذه القسمة علي طرفين من ابناء الشعب الواحد! نقول ذلك، لان كافة الاحداث تشير الي تكريس الانقسام السياسي والجغرافي الفلسطيني القائم في ظل وضع استمرائي للحالة، بالرغم من كافة الاخطار التي تتهدد القضية وعموم الحقوق الوطنية، والتي تنذر بأكل الاخضر واليابس وكذلك الفريقين المتمترسين وراء اشتراطات واخري مضادة! فريق: يوغل بعيدا في الابحار نحو المجهول ضمن دوائر وهم انتصار عسكري حققه واستطاع انجازه، غير مدرك للأبعاد الخطيرة لما كرسه من نهج اقتتالي داخلي بعيد كل البعد عن التاريخ النضالي الفلسطيني وبخاصة في مرحلة الثورة المعاصرة… وفريق انحكم بردود الفعل المضاد، ان في التعامل مع تبعات الاقتتال الدامي او في الحركة السياسية التي تقترب شيئا فشيئا من وعود، كل المؤشرات توحي بانها ليست اكثر من سراب تهدد بضياع ما تبقي من القضية. حماس، التي تعاملت مع خطوتها كانتصار عسكري باهر، الحقته بسياسة داخلية تكرس هيمنتها وفرض برامجها ورؤاها الاجتماعية، ان في منع الموسيقي والغناء في الاعراس، مرورا باستدعاء واحتجاز كل من يخالفها الرأي دون محاكمة، والدخول الي المستشفيات التابعة للسلطة واقالة وطرد كثيرين من الاطباء من عملهم، وصولا الي مصادرة الاذاعات المحلية للفصائل، ومنع تسجيل البرامج الاذاعية والتلفزيونية في غزة، والتابعة للاذاعة وتلفزيون فلسطين، والي التضييق علي الصحافيين ومراسلي الفضائيات، ومنع توزيع الصحف الصادرة في مناطق السلطة، في غزة! واخيرا الاعتداء علي مسيرتين سلميتين نظمتهما فصائل منظمة التحرير في غزة، وتفريقهما بالقوة، وضرب المشاركين فيهما وكذلك الصحافيين لمنعهم من تغطية وقائع المسيرتين! كما اصدرت القوة التنفيذية التابعة لحركة حماس قرارا يقضي بمنع التظاهرات والمسيرات دون اخذ اذن مسبق، رغم ان شعارات المسيرتين كانت تنادي بالوحدة الوطنية!
علي الصعيد السياسي، فان حركة حماس ابدت استعدادها لعقد هدنة طويلة مع اسرائيل، كما جاء علي لسان اسماعيل هنية، وجاهزيتها للحوار مع الاطراف الغربية كما جاء في بيان رسمي اصدرته، بما يشير ان للحركة اجندتها السياسية الخاصة ضمن وضع الانقسام الحالي، وبما يؤكد رفضها المطلق (كما صرح ويصرح العديدون من قادتها بذلك) لاعادة الاوضاع في غزة كما كانت عليه قبل قيامها بحسمها العسكري. وفي نقاش حماس يتوجب الأخذ بعين الاعتبار الامور التالية:
ان القطاع وشعبنا فيه ما زال محاصرا من قبل القوات الصهيونية التي تمارس اعتداءاتها ومجازرها اليومية علي سكانه، بمعني آخر، فان غزة تقع تحت الاحتلال. اما بالنسبة للحسم العسكري، فان اولي مبادئ الثورة المسلحة تقضي بالابقاء علي طهارة هذا السلاح، اي توجيهه فقط نحو العدو. اما القول التبريري بانها قامت بخطوة استباقية قبل قيام الآخرين بالهجوم عليها… فكان من العدل بمكان لو ان حماس انتظرت الهجوم عليها فيما لو حصل، لكان ردها طبيعيا والحالة هذه! ولعلنا نستذكر مقولة للقائد الكوبي الشهير خوسيه مارتيه: من الغباء افتعال معركة، ولكن من العار الهرب من معركة جري فرضها عليك. نقول ذلك مجازا لان اي اقتتال داخلي بين افراد الشعب الواحد هو مدمر للشعب وقضيته ولعلنا نذكر ايضا، بان فرض برنامج ورؤية اجتماعية لمطلق فصيل فلسطيني علي كافة ابناء الشعب، هو حالة بعيدة عن الواقع، وخاصة في ظل الاحتلال، سيما ان احد اهم اشتراطات الوضع الفلسطيني هو التوافق الوطني علي كل شيء.
جماهيرنا كانت تقوم بمظاهراتها حتي في ظل الاحتلال الاسرائيلي المباشر، فكيف لا يجري السماح لها بالقيام بمسيرات تنادي بالوحدة الوطنية الفلسطينية؟ مع العلم ان حركة حماس كانت تقوم بمظاهرات كثيرة (ومنها عسكرية) في ظل وجود السلطة الفلسطينية… ولم يكن يمنعها احد! ولعل ما لم تدركه حماس ان النضال الوطني الفلسطيني لن يتقدم خطوة واحدة في ظل تسييد وهيمنة رؤي الفريق الواحد بعيدا عن الديمقراطية الحقيقية ومبادئها وأسسها، في شكل جديد من الدكتاتورية وفرض الامر بالقوة دون مراعاة لظروف الاحتلال وانتظارا للدولة المستقلة الكاملة السيادة، والتي تفرز فيها الانتخابات الديمقراطية اراء الشعب في الفصائل المترشحة وبرامجها.
اما بالنسبة للسلطة الفلسطينية المعبرة عن حركة فتح، فاضافة الي ردود فعلها علي ما قامت به حماس، والتي تمثلت في خطوات سريعة: تشكيل حكومة طوارئ، تحديد اشتراطات علي حركة حماس للعودة بالامور الي نصابها، والحوار اولها، والقرارات باعتبار الأذرع العسكرية للفصائل ميليشيات مسلحة والمطالبة بتسليم اسلحتها، ووقف الرواتب عمن جري توظيفهم بعقود مؤقتة في ظل حكومة حماس، وملاحقة كثيرين من افرادها في الضفة الغربية واحتجازهم واعتقالهم دون محاكمة، والاقتراب المتزايد من حركة سياسية ومباحثات مع الحكومة الاسرائيلية، والترحيب بعقد المؤتمر الدولي (في ظل الرفض لاعادة الحوار مع حماس الا بخضوعها لشروط)… مع ان الادارة الامريكية وممثليها، وكذلك الحزب الديمقراطي يحذرون من الاغراق في التفاؤل عما سيسفر عنه المؤتمر، الذي لا يوجد له جدول اعمال (حتي اللحظة)، وليس مقررا بعد من سيحضره من الدول، والذي هو ليس اكثر من مؤتمر لبحث آفاق التسوية (كما صرح الناطق الرسمي باسم الرئيس بوش)، اضافة الي اولمرت وباراك وليفني كانوا واضحين في تصريحاتهم برفض بحث قضايا الوضع النهائي، وانما النظر فقط في اعلان اتفاق مبادئ عامة للحل!
كل ذلك يستدعي تحررا من وهم الانتصار لدي حماس وتحررا من سراب الوعود للسلطة واعادة الوضع الفلسطيني الي لحمته وتكامله في اطار الوحدة الوطنية الفلسطينية.