أمجد ناصر
منذ زمن لم أنزل الي وسط البلد. قلة من الذين أعرفهم ينزلون الي وسط البلد. فلم يعد وسط البلد وسطا للبلد رغم انه لا يزال يشكل احشاء المدينة القديمة ومنبت اطرافها الاخطبوطية الممتدة الي التلال المقابلة وما يليها من سهول ووديان.
ولواحد مثلي مضي عليه ثلاثون عاما في الخارج، فأي نزول الي وسط البلد هو ضرب من العمل السياحي. فإن لم تكن من سكان المدينة ولا ممن يغوصون، لمصلحة يومية، في تلك الشوارع الضيقة المكتظة بالسابلة والسلع والروائح والأصوات، فأنت مثلك مثل السياح الاجانب الذين يبحثون عن اصل هذه المدينة وصورتها الاولي: التسكع في الطرقات علي غير هدي، استغراب بقاء سلع وحاجيات محلية قيد التداول في عالم توحدت فيه السلع والاشياء، التلفّت يمنة ويسرة، فيما يمضي ابناء المكان الي شؤونهم من غير تردد اوتلكؤ.
أنا، الآن، مع ابني أنس. نجلس في مقهي يدعي مقهي الزهور في شارع طلال، نحتسي شايا بالنعنع قدمه لنا نادل مصري يحاول، من دون نجاح يذكر، ان يتحدث الي زبائنه باللهجة الاردنية. وصلنا قبل قليل الي هذا المقهي بعد ان قصصت شعري في صالون صغير في الشارع نفسه. كان الحلاق الشاب يتابع مع بعض اصحابه مباراة السعودية واليابان في تصفيات كأس آسيا. كان الشبان المتسمرون امام شاشة التلفزيون فرحين بتقدم الفريق السعودي علي الفريق الياباني. المباراة لم تنته بعد لكن السعوديين مازالوا يحافظون علي تقدمهم. خرجنا من الصالون تحت موجة حرارية رازحة. الطقس حار. حار جدا. الموجة الحرارية المفاجئة التي تضرب عمان تصنع ما يشبه حظر التجوال، ما جعل حركة الاهلين اقل من المعتاد.
يظهر أمامي، الآن، جانب من جبل الجوفة. اقول لأنس انني قطنت، ذات يوم بعيد، في غرفة غسيل علي سطح احدي بناياته. يتعجب للأمر. لكن الأمر لم يكن عجيبا وقتها. يحاول ابني، الذي يدرس في احدي كليات الفنون الجميلة في لندن، ان يرسم تلك البيوت المتراكبة فوق بعضها البعض حيث قطن والده، عندما كان في سنه تماما، في غرفة علي سطح بناية مكتظة بحبال الغسيل. يريني الرسمة فأري منظورا يبدأ من محال اللحمة والموبايل والثياب والخضر والبن التي امامنا، مباشرة، ثم ينتهي في فضاء مفتوح تطير فيه ثلاث طائرات ورق ملونة في الاعلي. ثلاث طائرات ورقية تحدد الافق، لا نري سوي تغندرها في الفضاء، أما الأولاد الذين يطيّرونها فهم وراء هذه البيوت التي تبدو كعلب من الورق المقوي.
رغم الموجة الحرارية الخانقة فإن المقهي، الذي يحتمي بحجارته القديمة وتخفق في سقفه المرتفع مروحة كبيرة، يحتفظ بشيء من البرودة. ما تزال مقاهي وسط البلد علي عهدها. انها فسح استراحة للعمال والعابرين وملجأ للعاطلين عن العمل والموظفين المحالين الي التقاعد. تسمع فيها ضربات النرد وورق اللعب وتشم روائح الشاي والقهوة ونكهات تنباك الأراجيل، وتسمع مزيجا من اغاني ام كلثوم وعبد الحليم حافظ ونجوم الموجة الجديدة الذين يتكاثرون، الآن، كالنبت الشيطاني في فضائيات عربية لا حصر لها. انتهت مباراة السعودية مع اليابان بفوز الاولي بثلاثة اهداف لهدفين. كان رواد المقهي يتابعون الدقائق الاخيرة من المباراة عندما دخلنا، وما ان انتهت المباراة حتي اطفأ النادل جهاز التلفزيون فهدأت الضجة، وانصرف الزبائن الي الحديث او لعب الشدة. بعضهم غادر مع انتهاء المباراة التي لا يمكن التقاطها الا باشتراك خاص مع احدي القنوات العربية، فيما دخل آخرون اقل حماسة، علي ما يبدو، لكرة القدم. لم يتحرك الرجل الذي يجلس وحيدا الي الطاولة التي امامي. كان يدير ظهره للتلفزيون وضجة متابعي المباراة. كأنه تنفس الصعداء مع انتهاء المباراة. انه في السبعينات من العمر، يضع نظارة كبيرة تغطي نصف وجهه الناحل، ويرتدي قميصا ازرق فاتحا وبنطالا كحليا. شعر رأسه القليل مصبوغ. لا بد ان يكون كذلك، سواده الفاحم ليس مقنعا، كذلك شاربه الخفيف الذي يشبه خيطا رفيعا فوق شفته العليا. من ثيابه النظيفة المكوية يبدو لي موظفا حكوميا متقاعدا. ليس عراقيا بالتأكيد رغم وجود عدد كبير من العراقيين في وسط عمان وجبالها المتناثرة. رأيته يبتسم مرة واحدة عندما مر من امامه ولد سمين له هيئة منغولية توقف امامه وراح يهز مؤخرته الكبيرة. واضح ان الولد المنغولي السمين من معالم الشارع وعلاماته الفارقة، فقد تحرش به، علي نحو مازح، صبيان المحال المجاورة الذين طالبوه ان يهز مؤخرته الكبيرة مرة اخري. التفت الرجل ذو الشعر المصبوغ وراءه. تطلع الي مليا ورفع النظارة الشمسية الكبيرة عن عينيه. لا بد انه سمع طرفا من حديثي مع انس فقال لي: عدم المؤاخذة، الاخ من وين؟ فقلت له: من الاردن! فقال: اكيد مغترب! فقلت له: كيف عرفت؟ فرد: مبين عليك!
لم اسأله كيف يبدو الاغتراب واضحا علي. انه يقصد، طبعا، العمل خارج البلد وليس الاغتراب الداخلي. كيف له ان يعرف محتويات صندوقي الاسود من التفاتة واحدة الي الطاولة التي اجلس فيها مع ابني، في الشوارع نفسها التي شهدت خطوتي الاولي في هذه المدينة؟ لعل ردودي المقتضبة هي التي جعلته يتوقف عن استنطاقي فولاني ظهره. لكن عندما رفع الرجل نظارته الشمسية ورأيت عينيه راحت كبّة من خيوط الذكري تتدحرج في رأسي. خيوط متشابكة يصعب فرز بعضها عن بعض. احسست ان هناك خيطا منها يخص هذا الرجل بالذات. بدا لي علي شبه بالملازم اول عبد الحفيظ استاذ اللغة العربية في مدرسة الثورة العربية الكبري. حركة الفم العصبية وحدة العينين أوحتا لي بذلك. غير أن احساسا بالحياد الغريب حيال الاشياء منعني من سؤاله. ثم ان معلمي الذي قال لي، ذات يوم بعيد جدا، انني اتوافر علي ملكة ادبية يقطن مدينة الزرقاء وليس عمان، فيما تعكس جلسة هذا الرجل السبعيني علاقة يومية مع هذا المقهي. كنت التقيت مصادفة في تجوالي في شارع طلال برسمي ابو علي. لم أره كثيرا في السنين الاخيرة لكنه، في كل حال، لم يتغير. كان يحمل حقيبة اليد الصغيرة التي طالما رأيته يحملها في بيروت. ضحك عندما رآني، فلمع شيء ذهبي في فمه. لعله بقايا سن ذهبية. تذكرت صديقه اللدود علي فودة، فقد كانت له هو، ايضا، سن ذهبية. سألت رسمي ابو علي، الذي تفاجأ بوجودي في مجاله الحيوي، عن مقهي يمكن ان نجلس فيه، فدلني الي هذا المقهي، دعوته الي فنجان قهوة فاعتذر قائلا ان لديه موعدا عاجلا. سألني انس عن هذا الشخص الذي سلمت عليه بحرارة، فقلت له انه كاتب وشاعر. حدثته، ما اسعفتني الذاكرة، عن قصته الفنتازية احلام سكايلابية التي يعرفها كل الذين كانوا في بيروت يومها. اختفت طائرة من طائرات الورق الثلاث التي تحلق بحرية فوق جانب من جبل الجوفة. لا ادري ما حل بها. واحدة من الطائرتين الباقيتين تحاول ان تنقض علي الثانية. اختفي، ايضا، الرجل السبعيني الذي ظننته معلمي في مدرسة الثورة العربية الكبري وحل محله رجل متين البنية له شاربان علي غرار موضة شاعت في سورية سميت، في حينها، ثمانية آذار، ســــمعت صوتا يكرر، علي نحو ملح ومزعج، اسما له رنين محير: يحيي… يحيي. التفتُ نحو مصدر الصوت. رأيت شــــابا صغيرا يضع نظارة طبية علي عينيه يحمل كتابا ثقيلا يستحثني علي المغادرة. انه ناهض. كان يدخن بشراهة استعراضية، علي نحو ما يفعل المراهقون. قال لي بنفاد صبر: اشرب شايك بســـــرعة، فقد تأخــــرنا علي موعدنا مع الياس!