السوريون حائرون بين تصديق اقوال قادة اسرائيل حول السلام وبين افعالهم علي الارض

حجم الخط
0

سحابة التحقيق تحوم فوق رأس اولمرت والقادة الحاليين.. والسلام في قاعة الانتظار

هيا بنا نحاول للحظة واحدة الدخول الي حذاء بشار الأسد المليء بالمسامير. ماذا سنري من الجانب الآخر من الحدود؟ سنري دولة اسرائيل في حالة من الهستيريا والهلع. قادتها يصعدون يوميا الي هضبة الجولان. في يوم الثلاثاء كان هناك رئيس الوزراء ووزير الدفاع ورئيس هيئة الاركان، وفي اليوم التالي عاد وزير الدفاع لمشاهدة المناورة العسكرية التي جرت هناك.

يري السوريون أمامهم دولة تلقت ضربة في الحرب في السنة الماضية وتسعي لاعادة بناء ثقتها الذاتية والتنفيس عن الاحباط المتراكم، يرون جيشا يتدرب بلا توقف ووحدات كثيرة منه تفعل ذلك فوق هضبة الجولان.

يرون ميزانية أمنية مضخمة وعشرات الوسائل الهندسية الثقيلة تتمترس فوق الهضبة. الجيش أرسل الي هناك في السنة الأخيرة كمية من الاسمنت تفوق ما أُرسل الي تل ابيب. يرون ما ينشر حول مساعي التزود بالسلاح والعتاد وخصوصا القنابل الذكية لاعادة ملء الترسانة التي فرغت في الصيف الماضي، بل وأكثر من ذلك، يرون الجيش الاسرائيلي يتدرب بصورة جنونية، كل وحداته في زحزحة متواصلة، ويرون الولايات المتحدة وهي لا ترغب في سماع كلمة عن العملية السياسية بين اسرائيل وسورية وتبحث عن طرق قهرية لتدجين الأسد. يرون اسرائيل وهي حائرة بين توزيع الأقنعة الواقية للاستعداد لكل حدث أو عدم القيام بذلك. يرون رئيس وزراء في ضائقة وهو يبحث عن كل قشة يتشبث بها خوفا من الجمهور ومن لجنة التحقيق التي تعكف علي اعداد تقرير صعب ضده. يرون المجلس الوزاري الأمني ـ السياسي وهو ينعقد سبع مرات في الشهر الأخير خلف ستار من السرية للتداول حول الجبهة الشمالية.

ربما ليس السوريون وحدهم هم الذين يُسخنون الجبهة، وربما ينبع الخطر من هنا ايضا، وربما سيأتي الشر من جنوب لبنان، وربما كان هناك في صفوف الجيش ضباط سيكونون مسرورين اذا أُعطيت لهم فرصة لاعادة بناء قوة الردع الاسرائيلية التي تضررت، علي ظهر الأسد الشاب. كل هذه الامور وربما أكثر منها يراها السوريون من الجانب الآخر من الحدود. في المقابل هم يتلقون رسائل والرسل يواصلون القدوم اليهم جيئة وذهابا والأتراك يتحركون بصورة نشطة، الجميع يكررون نفس الشعار وهو أن اسرائيل لا تريد الحرب، وان القدس معنية باستئناف المفاوضات السياسية. والسوريون يجدون أنفسهم مضطرين الي حسم امرهم ومعرفة من يُصدقون، وماذا يُصدقون: ما يسمعونه أو ما يرونه.

تحقيقمداولات المجلس الوزاري التي جرت في الآونة الأخيرة تحدث خلف ستار من السرية الشديدة. يطلبون من الوزراء إبقاء هواتفهم المحمولة واجهزة اتصالهم في الخارج مع مساعديهم الشخصيين. نقاشات كثيرة ومتواصلة أجراها اولمرت في الشهر الأخير حول الجبهة الشمالية. هكذا تسير الامور عندنا، من اكتوي بنار المياه التي تغلي يصبح حذرا مع المياه الفاترة. اولمرت دفع في الصيف الأخير رسوم دراسته، وقد تعلم عبر الطريق الصعب علي جلودنا ـ اهمية الجدية.

المشكلة هي أن اولمرت ليس وحده، فالجميع قد تعلموا معه: ضباط الجيش ووزراء الحكومة والمستشارون والمسؤولون والجهاز كله. بعض الأطراف التي تشارك في جلسات المجلس الوزاري والمشاورات الأمنية التي تجري مؤخرا حول القضية الشمالية، تتحدث عن مداولات عقيمة حيث يوجه المشاركون كلماتهم للبروتوكول الرسمي ويُعدون أنفسهم للجنة التحقيق القادمة. ليس من الممكن اتخاذ القرارات بهذه الطريقة، ولا يمكن لأحد أن يتحمل المسؤولية أو المخاطرة والقيام بشيء حقيقي جوهري. فما الذي تمخض عن كل ذلك؟ خرجت من كل ذلك دولة قيد التحقيق وتحت التحذير، دولة غير قادرة علي القيام بشيء حقيقي باستثناء التبرير.

في هذه الاثناء لدينا لجنة تحقيق وهي تواصل عملها بصورة محمومة، ست ساعات في اليوم، لاعداد تقريرها النهائي المتوقع بعد الأعياد بين شهري تشرين الاول (اكتوبر) وتشرين الثاني (نوفمبر). في الرابع من ايلول (سبتمبر) ستبدأ المداولات في محكمة العدل العليا حول الالتماسات التي قدمها متضررون محتملون من تقرير اللجنة حيث يطالبون بالحصول علي فرصة للدفاع عن أنفسهم والاطلاع علي المواد وتقديم شهاداتهم مرة اخري والتحقيق مع بعض الشهود. المستشار القضائي للحكومة لن يُمثل اللجنة أمام محكمة العدل العليا، ولذلك استأجرت خدمات المحامي تسفي أغمون. اعضاء اللجنة، وبينهم رجال قانون مجربون (فينوغراد وغبيزون)، يقومون في هذه الاثناء بصياغة الموقف الذي سيطرح علي المحكمة العليا. من الممكن الاستدلال من هذا الموقف الكثير حول ما سيرد في التقرير النهائي في نهاية السنة: اللجنة تقول بصورة واضحة انها لا تنوي طرح استخلاصات شخصية تنفيذية. لن تكون هناك توصية مثلا بضرورة انهاء اولمرت لمنصبه. اللجنة تقول انه تم تعيينها لتقديم وجهة نظر جماهيرية حول ما حدث وكشف الاخفاقات واحدا واحدا وليس لاعدام الناس في ساحات المدينة وتحديد من الذي يتوجب أن يبقي في منصبه أو يغادره. التقرير النهائي للجنة وفقا لهذه الرؤية سيطرح الاخفاقات الجسيمة جدا بما فيها اخفاقات المستوي السياسي. هذا التقرير سيتمحور حول الايام الثلاثة الأخيرة من الحرب، وستكون فيه لغة صعبة جدا أمام صانعي القرار. من الناحية الاخري لن تكون فيه توصية شخصية تنفيذية، ولذلك يقولون في اللجنة أنه لا حاجة لاعادة استدعاء الاشخاص والسماح لهم بالتحقيق مع الشهود او تحذيرهم. اولمرت نفسه، كما يقولون في اللجنة، عبّر عن ذلك بصورة جيدة جدا. في الفترة التي كافح فيها من اجل اقامة اللجنة قال بأن اسرائيل لا تمتلك امتياز تشكيل لجنة تحقيق رسمية، قاصدا بذلك أن مداولات مثل هذه اللجنة يمكن أن تتواصل لسنوات، ولذلك يقولون في اللجنة ايضا أنهم لا يمتلكون امتياز التصرف كلجنة تحقيق رسمية. علي اللجنة أن تُقدم تقريرها خلال أقصر فترة ممكنة، وهي لا تنوي قطع الرؤوس ولن تكون فيها أحكام شخصية. لذلك تكون اللجنة قد ردت ايضا علي رسالة عضو الكنيست ايتان كابل الذي طالبها بالمسارعة أو الاستقالة. يبدو أن اللجنة تفضل المسارعة. لا يوجد لدي أي واحد من اعضائها نية للبقاء هناك سنة اخري، وان كان الوضع كذلك فسيفضلون الذهاب الي بيوتهم، وهذه الامكانية اذا حدثت ستكون سارّة لاولمرت، الا ان حدوثها ضعيف الاحتمال.

الكرة موجودة الآن في ملعب المحكمة العليا. اذا أيدت موقف اللجنة ولم تلزمها باجراءات قضائية طويلة ومعقدة كما يطالب المتضررون المحتملون، فمن الممكن القول أن عام 2008 سيكون عام الانتخابات. هذا هو السبب بالضبط الذي يقف من وراء حاجة اولمرت الآن أكثر من أي وقت مضي، لأجندة وخطة ولشيء ما يبعث الآمال ويُمكّنه من الامساك بقرني الحكم الآيلين الي السقوط بعد الأعياد ايضا.

هذا الوضع هو الذي يُوقد بخار السلام المندفع في المحيط منذ عدة أشهر ويجر من ورائه سلسلة طويلة من العربات، حيث توجد في كل واحدة منها خطة سلام ضخمة مختلفة عن غيرها. حاييم رامون، شمعون بيريس، كل وأفكاره، الجميع يحاولون اقناع اولمرت بالسير علي طريقهم. اولمرت حائر ومتردد. هو يريد السير وفق نهجه ولكنه لم يجد هذا النهج بعد. تطلعه هو التوصل الي اتفاق مباديء حول الامور الأساسية مع أبو مازن عشية المؤتمر المتوقع في تشرين الثاني (نوفمبر). هو يتحدث مع أبو مازن حول مباديء اللباب منذ مدة طويلة. القضية هي أن هذه المباديء ليست تسوية دائمة، بل أبعد من ذلك. هي لعبة كلامية تُمكّن كل طرف من فهمها كما يريد ومواصلة طريقه. المسألة في الواقع عبارة عن الكثير من الهواء الساخن الذي ينفخه القائدان بحذر في البالون الذي يُفترض به أن يساعدهما علي التحليق. هل سيحدث ذلك علي الارض؟ هناك شك كبير. من خلف اولمرت تقف قوتان دافعتان أساسيتان. حاييم رامون الذي عُرضت خطته هنا بصورة تفصيلية قبل عدة اسابيع، يعتقد بأن تسوية مباديء اللباب يجب أن تكون مُبهمة قدر المستطاع حتي لا تذهب هباء وهي في مرحلة المداولات. بعدها يجب أن تأتي نبضة كبيرة (انسحاب) تتيح للفلسطينيين اقامة دولة مؤقتة ذات استمرارية اقليمية فوق 70 في المئة من الارض بما في ذلك قطعة حلوي علي صورة عدة أحياء في القدس. وبعد ذلك الله أكبر!

القوة الثانية المحركة هي شمعون بيريس. رئيس الدولة دخل الي منصبه مع نشاط كبير وخطط كثيرة وأمر مركزي واحد: ليس لديه ما يخسره، ولا يمكن فعل شيء له، فهو الرئيس وبامكانه أن يقول ويفكر وينصح كما يحلو له، هو لا يعتمد علي التحالفات والتعيينات، أو علي نزوات رئيس الوزراء. بيريس يعتقد أن قطع غزة عن الضفة مسألة جيدة. الضفة سياسية أما غزة فدينية، حسب قوله. أمامنا فرصة نادرة للفصل بين هذين النهجين. في الضفة يريدون دولة وفي غزة يريدون خلافة اسلامية. الغزاويون لا يريدون الانتصار بل يريدون تدمير محيطهم، وعلينا أن نتجاهلهم، لا أن نضغط ولا أن نضيق الحصار، علينا أن نتركهم يفعلون ما يريدون داخل غزة، وسرعان ما سيُدمرون أنفسهم.

في المقابل يتوجب اجراء مفاوضات ذكية مع أبو مازن، والمسار معروف للجميع حول خطوط حزيران (يونيو) 1967، ولكن لا حاجة، حسب رأي بيرس، الي استخدام هذا المصطلح لانه مُلغم جدا. الفلسطينيون سيتنازلون عن مناطق ويحصلون علي مناطق بديلة. من المحظور ان ننسي، حسب قول بيريس، أن الـ 4 في المئة بالنسبة للفلسطينيين هي 1 في المئة فقط بالنسبة لاسرائيل. من الناحية الاخري من الواضح للجميع انه لا يمكن الآن تطبيق شيء علي الارض، وأن التركيز يجب أن يكون علي المجال الاقتصادي. وادي السلام الذي اقترحه بيرس سيتنامي رغم أنف الجميع. بامكان هذا المشروع أن يحوّل الحلم الي واقع والكونفيدرالية المقترحة مع الاردن الي شيء قابل للتحقق.

في غضون ذلك يتوجب حث الفلسطينيين وتحفيزهم. بيريس يتناغم في هذه القضية مع رامون ويقول أن من الممكن تسليم أحياء في القدس للفلسطينيين، بينما تقوم كل ديانة بادارة مواقعها في الحوض المقدس. من الممكن ايضا دراسة رفع راية اسلامية فوق الحرم (من دون سيادة). وفوق كل ذلك، اطلاق سراح السجناء الذين يعرف بيرس أهميتهم في المجتمع الفلسطيني. بيريس اقترح التوصل الي صيغة يطالَب فيها الفلسطينيون بجهاز أمني حقيقي وسجون وحرب ضد حماس والارهاب. اذا حدث ذلك يتسلمون ألفي سجين، وخلال خمس سنوات سيتم اطلاق العشرة آلاف سجين فلسطيني بما في ذلك القتلة.

بيريس يعرف أنه لا يوجد قائد اسرائيلي يستطيع تطبيق مثل هذه الفكرة. من الناحية الاخري هو خبير في طرح الأفكار غير الممكنة. في الجهاز السياسي يعرفون انه مُحق، وأن مروان البرغوثي يجب أن يكون محررا منذ زمن، يعرفون ولكنهم لا يستطيعون. متان فلنائي مثلا قال في هذا الاسبوع أن كل من يتحدث عن السلام فعلا في الجانب الفلسطيني موجود اليوم في السجن. والسجناء الفلسطينيون هم الذين يقودون جهود السلام الآن التي بدأت مع وثيقة الأسري وتتواصل طول الوقت بنشاط باشراف البرغوثي.

في غضون ذلك يواصل بيريس الحث علي اقامة المشاريع الاقتصادية الكبيرة في اسرائيل والعالم، فالسماء هي الحدود بالنسبة له، ومقر الرئيس يغص برجال الاعمال من اسرائيليين ويهود وامريكيين وما الي ذلك.

بن كاسبيتمراسل سياسي في الصحيفة(معاريف) 17/8/2007

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية