الانتخابات الفرعية في لبنان ومعركة رئاسة الجمهورية

حجم الخط
0

محمد فتوح

مرت الانتخابات الفرعية في لبنان بشكل هادئ، لكن ما بعدها من آثار سياسية سيستمر حتي الانتهاء من ملف الاستحقاق الرئاسي الذي يبدو ان للاطراف الاقليمية (دمشق بشكل خاص) يدا رئيسية فيه.

ان هذه الانتخابات التي جري التنافس فيها علي مقعدين في بيروت والمتن، وبالرغم من انها منحت الحكومة اللبنانية والاغلبية التي تقف وراءها مكسباً مهماً تمثل في الاعتراف بشرعيتها بحكم مشاركة المعارضة في هذه الانتخابات رغم تشكيكها في شرعية الحكومة التي دعت اليها في ظل رفض رئيس الجمهورية اللبنانية (حليف المعارضة) الا ان النتائج جعلت كلا الطرفين (الاغلبية والمعارضة) يشعران بالنصر. فالفائز بالمقعد النيابي في المتن (تكتل ميشال عون) يري في حصوله علي المقعد تاكيداً لقوته، لكن الطرف الآخر (امين الجميل والاغلبية) يري ان تصويت غالبية المسيحيين الموارنة في المنطقة لصالحه يمثل بروفة مشجعة للمضي قدماً في معركة رئاسة الجمهورية التي يتنافس فيها مرشحون من المسيحيين الموارنة بحكم التوزيع الطائفي للمناصب السياسية العليا في لبنان.

والواقع ان الانتخابات الفرعية التي رافقها ارتفاع في سخونة الاجواء السياسية في لبنان؛ لم تكن نقطة حاسمة في الصراع السياسي في هذا البلد، ربما لاعتبارات ترتبط باللاعبين الاقليميين والدوليين الذين يعملون عبر حلفائهم اللبنانيين، هذا اضافة الي ان نتائج هذه الانتخابات لم تغير كثيراً من موازين القوي علي الساحة الداخلية اللبنانية. ويمكن القول ان نتائج الانتخابات وبينما اكدت الحسم في الساحة السنية لصالح تيار المستقبل الذي يقود قوي الاغلبية نظراً لتمكنه من حسم التنافس علي المقعد النيابي (السني) في بيروت بسهولة كبيرة، عززت الانقسام داخل الساحة المسيحية (المارونية) لان اياً من المتنافسين لم يستطع تحقيق نصر واضح في هذه المعركة، رغم فوز احدهما بالمقعد النيابي.

ورغم ان اللبنانيين معتادون علي الانقسامات والصراعات السياسية الحادة، الا ان الانتخابات الفرعية عززت سباق طرفين يسعيان للفوز بمقعد رئاسة الجمهورية، وهي المرة الاولي التي يجري فيها هذا التنافس منذ عقود، بعدما كان النظام السوري خلال فترة سيطرته علي لبنان يقرر المرشح الاوحد للرئاسة قبل ان يصادق عليه البرلمان اللبناني الذي كان غالباً يتميز بلون واحد هو اللون السوري. وفي المرة الوحيدة التي جري فيها التمرد علي هذه القاعدة دخل لبنان في ازمة حادة اعقبها اغتيال رئيس وزراء لبنان رفيق الحريري لنصل الي الوضع الذي نشهده حالياً. ولعل من اهم اسباب استمرار هذا الوضع القائم هو ان غالبية القوي الرئيسية في لبنان نقلت البندقية من كتف الي كتف، فمن كان يقف مع السوريين انتقل الي الطرف المضاد في حين انتقل كثير من مناهضيهم ليقفوا الي جانب حلفائهم، وهذا ما منع تشكيل غالبية حاسمة في اي من الطرفين رغم حصول تبدل في مزاج اللبنانيين.

وفي حين ان نتائج الانتخابات الفرعية قد تشكل نصراً معنوياً للسوريين باعتبار ان خصومهم في لبنان خسروا مقعداً، الا ان الامر لم يكن نصراً معتبراً لدي اصحاب المقعد النيابي (تيار عون) انفسهم الذين حاولوا تبرير خسارتهم للاغلبية المارونية في منطقة المتن بانهم واجهوا عدداً من القوي المارونية المنخرطة في تحالف الاغلبية، اضافة الي حلفائهم (حزب الله بشكل خاص) الذين لم يعلنوا ابتهاجهم بل لم يعلقوا علي هذه النتائج اصلاً.

الآن ما الذي يمكن ان يحصل؟ من المرجح ان يسعي اللبنانيون الي اختيار مرشح توافقي للرئاسة، لا يكون مرتبطاً بالسوريين بشكل مباشر (كحال الرئيس الحالي) لكنه ايضاً غير معاد لهم. وهي مهمة شاقة بلا شك، لان شخصاً كهذا سيأتي علي الارجح من خارج التكتلات السياسية الفاعلة حالياً علي الساحة، وهو ما قد يحتاج الي تعديلات دستورية علي سبيل المثال، كما في حالة ترشيح قائد الجيش الحالي. وعلاوة علي ذلك، فان وصول شخصية تقبل دمشق التعامل معها الي سدة الرئاسة في لبنان قد يعني استمرار التعامل الانتقائي مع الاطراف اللبنانية، وهو ما قد يعيد الخلافات بين راسي السلطة (رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة) الي الواجهة مجدداً، لان العلاقات مع سورية تمثل ملفاً اساسياً لدي الحكومة اللبنانية التي لن تقبل – علي الارجح – ان تتركه بتعقيداته ومحاوره المتعددة بيد رئيس الجمهورية منفرداً. وهذا ما يعيدنا الي نقطة البداية: لب المشكلة وحلها ليسا في لبنان.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية