حركة النهضة… بين النشأة والتوطين

حجم الخط
0

هوية الحركة الاسلامية في تونس منذ نشأتها كانت بملامح «مشرقية» لفتت الانتباه لطبيعة المشروع «الاسلامي» الذي تنادي به هذه الحركة الوليدة. مع الحالة السياسية التي كانت تعيشها البلاد نهاية الستينات وحالة التغريب بارتباطاته الاستعمارية التي شكلتها «الصفقة البورقيبية» للإستقلال واستيلائها على المشروع الاصلاحي الوطني، فإن نشأة الحركة الاسلامية شكلت حالة فريدة سعى النظام حينها إلى التنبيه لخطورتها خاصة مع اجتهادها لـ «تونسة» مشروعها «الاسلامي» وتوطينه ليعبر عن الحالة المجتمعية حينها وحاجته لمواجهة التغريب القسري الذي عاشته البلاد وكذلك لعب دورها الوطني في مقاومة الاستبداد والدفاع عن الحرية والمناداة بالديمقراطية وبناء مؤسسات الدولة المدنية.
في الذكرى العشرين لإعلان تأسيس حركة النهضة 2001، كتب الشيخ راشد الغنوشي مقالا مطولا بعنوان «حركة النهضة في السياق التاريخي للمشروع الإصلاحي» يعد حقيقة وثيقة مهمة تحدثت عن دوافع نشأة الحركة الاصلاحية التونسية في سياقها التاريخي والالتقاء الحقيقي مع ما تبنته تجربة الحركة الاسلامية في توجهاتها العامة وخياراتها الوطنية.  واليوم لا يمكن القفز على منشأ الحركة الاسلامية بجذوره المشرقية وما يطرحه من رؤية قد تذهب للمفاصلة مع المجتمع أو تركيز تصور مجتمعي ليس وليد الهوية الوطنية وقائم على فكرة «البديل» بكل مستوياته، الفكرية والثقافية والتربوية وغيرها من مشكلات الهوية الوطنية.
إن القراءة التاريخية لمسار نشأة الحركة الاسلامية في تونس تدعونا للوقوف عند صفتها «الإصلاحية» التي اكتسبتها من خلال مراجعاتها الفكرية واستيعابها لواقع المجتمع التونسي، فتتسع دائرة اهتمامها من الدفاع عن الهوية والانتماء إلى الاشتغال على مقاومة الاستبداد والدفاع عن الحرية والديمقراطية. إن منعرج مسار فعل الحركة الاسلامية – حركة النهضة – حققه الانتباه إلى خصوصية المجتمع التونسية وحاجاته إلى الهوية وكذلك تطلعه إلى الانعتاق من الاستبداد وتحقيق التنمية والعيش الكريم، وبما تحمله الحركة من فهم متأصل للإسلام قائم على الاجتهاد فقد وجدت نفسها في التقاء بارز مع مشروع الحركة الوطنية. 
إن المراجعات التي قامت بها الحركة الاسلامية حينها لتعبر عن الحالة التونسية و«تبايع» المشروع الوطني دفعتها لالتقاء موضوعي حقيقي مع مسار المشروع الاصلاحي الوطني وتكون إذا ترجمة لذلك المسار وتتلبسه الحركة فكرا ورؤى وممارسة.
ولكن السؤال الحقيقي المطروح اليوم امام حركة النهضة – الحركة الاسلامية – هو مدى قبولها بفكرة الاعتراف بأصولها ونشأتها، من ناحية، وتثمينها لتجربة الاصلاح الوطني والبناء عليه. وما يمكن تثبيته اليوم على حركة النهضة انها ركزت من خلال ممارستها شعورها بالانتماء الوطني لتكرسه مبادئ تدافع عنها وتتبناها في مسار تجديدها الفكري. والمطّلع اليوم على التجربة السياسية للحركة إبان الثورة وحتى قبلها بمقدوره الانتباه إلى شعورها بالمسؤولية الوطنية واقدامها على عديد من الخيارات المؤلمة حتى على حساب تماسكها الحزبي من أجل تحقيق اكبر مكاسب تمر بالبلاد من حالة الانتقال الديمقراطي وتتجاوز بها الرهانات الكبرى والمصيرية.
إن تجربة الحوار الوطني خير دليل على مسؤولية حركة النهضة وغيرها من الأحزاب لإنقاذ تجربة الانتقال الوطني الديمقراطي وتجاوز منطق المغالبة الذي كاد لينسف بالتجربة ويلقي بالبلاد في أتون حرب أهلية تنسف الحلم الديمقراطي.
إن من الاشكالات المطروحة اليوم على حركة النهضة ملء الفراغ القائم بين مساري «النشأة» و»التوطين»، من خلال أدبياتها التي تفتقر للنقلة النوعية التي عاشتها لتستقر عليها.
والمطلع على ورقة الرؤية الفكرة والمرجع الأصولي لحركة النهضة يجد فيه تثبيه لمرتكزات فكرية كانت حينها إجابة على جملة من الاشكاليات داخل الصف الاسلامي أو ما يمكن التدقيق فيه بتجربة «اليسار الاسلامي» الذي استوجب على حركة النهضة إصدار هذه الرؤية الفكرية، وما تدعوه المرحلة الحالية التي تعيشها حركة النهضة في فهمها لطبيعة العمل الحزبي السياسي وكذلك في تأصيلها لما تصفه بالدور الحضاري الوطني هو التجديد في رؤيتها الفكرية بمزيد من التوطين واستيعاب للمشروع الحضاري الوطني الذي تتبناه.
عند الحديث عن توطين حركة النهضة و»تونستها» تطرح جملة من الاشكاليات أجد بعضها موهوما يمكن اعتبارها من الترف الفكري الذي لا يقدم بحركة النهضة ويثقلها دون أن يدفع بها للإجابة عن الاسئلة الكبرى في علاقتها بمشروعها الوطني وما تلقيه على نفسها من مسؤوليات حكمت عليها دخول المنافسة السياسية. فكرة «التونسة» أجدها عائقا أمام حركة النهضة يثبت عليها صورة الاغتراب التي تجاوزتها بحكم الواقع والممارسة. وإن الإقرار بأصل المنشأ – وهو مطلب فكري وليس سياسيا – لا يجب أن يكون حائلا أمامها ليكبلها ضمن منطق التبرير، بل إن مسار التطور القائم والمشهود له سمة الحركة الاسلامية في تونس وأصبح مرجعا نظرا لباقي الحركات الاسلامية، وحتى الأحزاب الوطنية التونسية اصبحت مجبورة بحكم الضرورة على مماهاة حالة التطور التي فرضت نسقه حركة النهضة.
سيكون على حركة النهضة في سياق حديثها عن رؤيتها الفكرية تأصيل مشروعها الحضاري الوطني حتى لا يكون منبتا عن بيئته التونسية من ناحية مرجعيته وحتى تعمق فهمه بالدرجة الأولى لدى النخب المفكرة والمثقفة وكذلك لدى عموم التونسيين لترفع عنهم حاجز الخوف والريبة الذي لم تقدر الحركة على تجاوزه.

اسامة اللواتي – تونس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية