روّج الغرب بقوة لما اعتبره تغييراً في التوجهات الإيرانية بعد تسلم روحاني مقاليد السلطة في طهران، وتصدر مقال روحاني في «واشنطن بوست» الذي دعا فيه إلى إلى ما سماه بـ»الانخراط البناء» اهتمامات دوائر صنع القرار التي ابتهجت به معلنة استعدادها لفتح صفحة جديدة مع الدولة المشاغبة.
هذا في الواقع ما كان يردده كثير من المؤرخين للحظة التقارب الإيراني الغربي، لكن مقابلة أخيرة لـ»الفايننشال تايمز» مع الدبلوماسي الأمريكي بيل بيرنز، نشرت على موقعها الإلكتروني في 5-11-2015 كشفت أن مساعي أوباما للتقارب مع إيران عبر مفاوضات سرية، بدأت منذ عام 2013، أي في عهد أحمدي نجاد «المتشدد» ذاته. هذه الحقيقة تدل من جهة على أن الولايات المتحدة هي من سعت للتواصل مع إيران وفتح باب للتفاهم معها، ومن جهة أخرى تدل على أن نجاد لم يكن فعلاً بذلك السوء الذي كان يبدو عليه..!
أما ما لم يقله بيرنز فهو أن الاتفاق كان الغرض الأساس منه إرضاء إيران التي تحولت لمعادل سياسي واقتصادي لا غنى عنه للأمريكيين والغربيين في المنطقة، وهو ما سيبدو واضحاً من خلال الدعاية الأمريكية ونشرها لمصطلح «إيران المتغيرة»، ثم من خلال اللغة الفضفاضة التي كتب بها الاتفاق والتي تتيح للطرف الإيراني فرصة أكبر للمناورة والالتفاف. وبغض النظر عن النوايا الأمريكية والغربية فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل تغيرت إيران فعلاً؟
إن كل المؤشرات تؤكد فشل نظرية «تغير» إيران، التي روج لها بعض المدافعين والمستفيدين من الاتفاق. إيران رغم كل شيء تبدو ماضية في سياساتها وتدخلاتها الإقليمية وحتى لغتها العدائية، ويمكن الإشارة هنا إلى بعض ما حدث خلال الفترة القريبة الماضية. سأتجاوز هنا الاعتداء الهمجي على البعثات الدبلوماسية السعودية، كما سأتجاوز كلمات المرشد الإيراني ولهجته التحريضية منذ توقيع الاتفاق، فكل ذلك يبدو وكأنه مجرد نمنمات صغيرة على جدار الكراهية. خذ على سبيل المثال التهديدات التي تخرج عن جهات نافذة، تلك الجهات التي استمرأت الاستفزاز وإظهار الاستعلاء، بل وعدم الاعتراف بالحدود. كل ذلك يتم تبريره والاعتذار عنه كل مرة على أساس أنه لا يمثل البلاد ولا وجهة نظرها الرسمية. رغم ذلك فإن هناك ما هو أخطر. أعني الإجراءات الفعلية الخطيرة التي قامت بها إيران والتي تمثل ما لا يمكن إلا أن يكون سياسة رسمية للدولة، فبالإضافة إلى المشاركة الفعلية المعلنة والمبكرة بالحرب السورية وتنفيذ المجازر ضد المدنيين السنة بذريعة الحرب على الإرهاب، فقد تم في سبتمبر الماضي 2015 اكتشاف المساعي الإيرانية لإطلاق يد ذراعها العربي المسمى بـ»حزب الله» من أجل الاستعداد لتنفيذ أكبر عمل فوضوي في دولة الكويت، من خلال تجهيز ترسانة من السلاح وهو ما تم إحباطه بعد إلقاء القبض على المتهمين. تم ذلك في وقت كانت إيران فيه تتقرب من دول المنطقة، من أجل إقناعها بأنها دولة صديقة لا تعادي إلا أعداء الأمة الإسلامية. المفارقة هي أن الكويت كانت، بحسب وصف حسن نصر الله، أفضل مثال للتعايش بين السنة والشيعة، فما بالك لو كانت عدوة!
بالعودة إلى سوريا، أذكّر بأن دور إيران لم يقتصر على التدخل العسكري ونشر عناصر من الحرس الثوري، بل امتد ليشمل جميع أنواع الدعم المالي والدبلوماسي واللوجستي، من أجل تمديد أجل بقاء الأسد في السلطة لأكبر وقت ممكن، من خلال التنسيق مع روسيا والولايات المتحدة في الوقت ذاته، ولتحقيق هدف مشترك هو إعادة بناء سوريا جديدة بحسب مصالح كل طرف، من خلال إقصاء وتحييد الجماعات السنية والمناضلين الحقيقيين الذين قد يتطلعون لحكم البلاد.
إيران عملت بجد على تنفيذ مخطط للتغيير الديمغرافي عبر إحلال وإبدال سكاني، كما حدث في منطقة الزبداني، وكما يحدث في مناطق العراق السنية المتاخمة لحدودها. تورط إيران لم يتوقف حتى خلال إنشغالها بالوصول إلى اتفاق مع الدول الغربية، فهي تدعم الحوثيين في اليمن سعياً وراء تطويق المملكة السعودية ومحاولة السيطرة على جنوب الجزيرة العربية ومضيق عدن، كما تدعم حزب العمال الكردستاني الفوضوي، نكاية في تركيا، وهو الدعم الذي تم افتضاحه بعد نشر صورة لوزير الداخلية الإيراني برفقة مقاتلي الحزب. داخلياً لم تقم إيران بأي إجراء من شأنه أن يخفف من التمييز على الأعراق غير الفارسية أو على مواطنيها السنة، الذين لا يتمتعون حتى الآن في عاصمتهم بمكان للعبادة ولا يستطيعون أداء شعائرهم بحرية، وأكثر من ذلك فهم ما يزالون معرضين للإعدامات والاعتقالات والتعذيب، جراء تهم ملفقة أو غريبة كتهمة الانتماء إلى مجموعة سلفية، وهو ما يدخل في إيران تحت بند عداء الله ورسوله ويقود إلى المحاكمة الثورية التي لن تستغرق بضع دقائق، قبل أن تعلن حكمها الذي سيكون الإعدام غالباً في ظل عجز دولي وإقليمي وتبجح إيراني بأنها أرض الديمقراطية والعدالة الإقليمية المفقودة. وديمقراطية إيران هذه فريدة من نوعها، حيث لا يقع السنة وحدهم ضحية للتضييق السياسي والتمييز، ولكن أيضاً الشيعة وأصحاب الآراء المخالفة الذين، وبحسب لجان حماية الثورة وصيانة الدستور، لا يحق لهم حتى الترشح كنواب وذلك من أجل الوصول إلى برلمان متناسق فكرياً!
رغم كل هذه الشواهد لم تتوقف إيران عن أعمال القمع العنيف وتقييد الحريات داخلياً، إلا أن عملية الترويج والدعم الأمريكية لإيران ما تزال مستمرة، فمقابل مقال وحيد لوزير الخارجية السعودي عادل الجبير في «نيويورك تايمز» يوضح فيه وجهة نظر بلاده عن العلاقة مع إيران، نشرت تلك الصحيفة واسعة الانتشار العشرات من المقالات لكتاب إيرانيين ولحلفاء لإيران وكذلك فعلت صحف غربية كبرى بتبنيها لوجهة النظر الإيرانية التي تدمغ السنة وليس فقط السعوديين بالإرهاب. من جهة أخرى نذكر أن المجلس الوطني الإيراني الأمريكي الذي يعرف اختصاراُ بـ NIACقد استشهد بتوقيعات لأكثر من 73 باحثاً معروفاً على رأسهم نعوم شومسكي وتيموثي ميتشل للتدليل على أن هذا الاتفاق لن يؤدي إلا إلى استقرار المنطقة.
٭ كاتب سوداني
د. مدى الفاتح