القاهرة ـ «القدس العربي»: بمقاييس الموهبة والقدرة الفائقة على الإقناع بالشخصية الدرامية، يعد الفنان الراحل عبد العزيز مكيوي، الممثل الأهم بين الكثيرين من أبناء جيله، لكن ثمة ظروفا صعبة واجهها أدت إلى تأخره وابتعاده عن المنافسة قرابة 14 سنة طفا خلالها عشرات الممثلين على السطح فتوارى مكيوي وسقط من الذاكرة وبات في حكم التاريخ، وهو لا يزال على قيد الحياة، فتحولت حياته إلى تراجيديا وعاش أياما قاسية افتقر فيها لأبسط الحقوق الإنسانية، ولكنه بجهد مضن حاول تجاوز الأزمة والقفز على محنته فعاد مجددا إلى الساحة الفنية، فهو بطل مجموعة من الأفلام المهمة في تاريخ السينما المصرية وليس من المنطقي تجاهله وإسدال الستار على مسيرته الإبداعية كأنه لم يكن.
عاد بطل «القاهرة 30» علي طه، محاولا إثبات جدارته مرة أخرى كفنان مثقف يجيد التحدث بثلاث لغات، الإنكليزية والفرنسية والروسية، فهو خريج المعهد العالي للفنون المسرحية في دفعاته الأولى الأكثر تميزا ووعيا وموهبة. ففي عام 1954 أنهي دراسته به وتأهل علميا وفنيا ليكون فتى الشاشة الموعود بالمجد والشهرة والنجاح، وبالفعل لمع اسمه كوجه جديد مبشر بالنجومية، ومنحه المخرج صلاح أبو سيف فرصة العمر في فيلم «لا وقت للحب» أمام فاتن حمامة ورشدي أباظة، وبدأ يخطو خطواته الواثقة على الطريق الصحيح، وجاءته الفرصة الثانية ليثبت أقدامه بقوة كممثل له كاريزما وأسلوب متفرد في الأداء، فشارك في فيلم «لا تطفئ الشمس» المأخوذ عن قصة للكاتب إحسان عبد القدوس فتأكدت موهبته فنيا ومهنيا، ولكن شيئا ما ظل ناقصا في علاقته بالجمهور، الذي كان ينشغل دائما بالبطل المطلق، ويعتبر ما دونه مجرد سنيدة هذه النظرة أربكت عبد العزيز مكيوي وأثرت على ثقته بالجمهور حينئذ وسببت له قدرا من الإحباط حيث المردود المعنوي كان أقل مما يستحق وظل مؤرقا بهذه الإشكالية ومندهشا من المسافة بين الأداء الجاد والأدوار المهمة والذوق الشعبي، وبينما هو يتألم من آثار المفارقة العجيبة، تأتي الفرصة ليكون نجما حقيقيا في التجربة الأهم مع المخرج صلاح أبو سيف أيضا في فيلمه الأميز «القاهرة 30» مع سندريلا الشاشة سعاد حسني «إحسان» والممثل القدير حمدي أحمد ونخبة من أساتذة التمثيل شفيق نور الدين وأحمد توفيق وأحمد مظهر وعقيلة راتب وتوفيق الدقن في دور يتناسب مع ثقافته وشخصيته ويرضي تماما طموحه الفني، وبالفعل عرض الفيلم وبرز دوره بعد أن تقمص بمهارة وجدارة شخصية علي طه الثوري الرومانسي المناضل الذي تخلت عنه حبيبته وباعت نفسها للشيطان جريا وراء المال والأبهة والعز، فتحولت إلى امرأة ساقطة وفقدت براءتها وطهارتها، ما بين علاقتها المشبوهة بالبك أحمد مظهر وزواجها الصوري من الموظف الوصولي الانتهازي المتحلل من القيم والأخلاق محجوب عبد الدائم «حمد أحمد».
كان دور علي طه هو النقيض لهذه النماذج المشوهة، فهو القابض على جمر إيمانه بالقضية الوطنية، قضية الاستقلال التام ومقاومة الاحتلال الإنكليزي كسبيل وحيد لإقامة مجتمع حر يكون بمنآي عن القوة الامبريالية التي تستعبد الشعوب وتستنزفها وتنهب ثرواتها، كان أداء الراحل عبد العزيز مكيوي فارقا للغاية في «القاهرة 30» فقد انحاز الجمهور للنموذج الإيجابي المتمثل في الشخصية المناضلة، فتم رد الاعتبار له بفضل صدقه المتناهي وتقمصه الشديد وتوحده مع علي طه، من هنا جاء ارتباطه بالدور الذي أصبح يشار به إليه طوال حياته، رغم إسهاماته الأخرى المهمة وتقديمه لشخصيات ذات ثقل في الدراما التلفزيونية بعد عودته من الغياب الطويل مثل، دور أبو لهب في مسلسل «الوعد الحق» المأخوذ عن كتاب طه حسين وأيضا دوره في مسلسل «القضاء في الإسلام» التي شكلت علامات مهمة ومضيئة في مشواره الطويل المليء بالأشواك والعثرات.
مضت سنوات الزهو والتألق والنجاح في حياة الممثل القدير، وجاءت أيام الضنى والبؤس والمرض، فعاد مكيوي يعاني مرة أخرى من الوحدة والانكسار، وانزوى بعيدا وطوى صفحته النسيان، فلا الوقت وقته ولا الزمن زمنه، فالأجيال الجديدة لا تعرف شيئا عنه وعن تاريخه، عاش سنواته الأخيرة في عوز واحتياج وألم نفسي وصحي، وانتقل من مكان لمكان وهرم الرجل حتى صار شبحا، ولم يعد يذكره إلا بعض المثقفين الذين حاولوا يائسين إنقاذه فأودعوه في أحد المستشفيات ووفروا له ما استطاعوا من سبل الحياة الكريمة من مسكن ومأكل وملبس، لكن بعد فوات الأوان إذ كان المرض أكبر من كل محاولات الاحتواء، فقد سبق السيف العزل وبلغ الرجل المسن مبلغه من المعاناة ولم ينقذه سوى الموت الذي أدركه في عامه الثاني والثمانين وهو عمر الراحل حمدي أحمد نفسه الذي سبقه إلى الراحة الأبدية بعدة أيام فقط. رحم الله المبدعين الكبيرين.
كمال القاضي