خطوط تركيا الحمراء تتكسر في سوريا… وأنقرة تعتبر «وحدات حماية الشعب» امتداداً لحزب العمال الكردستاني

حجم الخط
3

إسطنبول ـ «القدس العربي»: عبور مسلحي حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري (PYD) للضفة الأخرى من نهر الفرات هو خط أحمر لا يمكن السماح به كما يعلن على الدوام كبار المسؤولين الأتراك ويرون فيه تهديداً كبيراً على أمن تركيا القومي، لكن الحزب الذي يتلقى دعماً غير مسبوق من روسيا يقترب أكثر وأكثر من عبور النهر بغطاء جوي روسي، لا بل والمشاركة في وفد المعارضة السورية لمفاوضات جنيف للحل السياسي في سوريا بإرادة سياسية روسية.
وتقول تركيا إن حزب الاتحاد الديمقراطي وجناحه المسلح «وحدات حماية الشعب» امتداد لحزب العمال الكردستاني التركي (PKK) المصنف على أنه منظمة إرهابية، وترى فيه تهديداً لأمنها القومي بسبب التواصل الجغرافي بين المناطق التي ينتشر بها مسلحو الحزبين، وخشية أنقرة أن تؤدي سيطرة الفرع السوري للتنظيم على مناطق حدودية جديدة إلى دعم ومساندة الفرع التركي في إقامة مناطق حكم ذاتي داخل الأراضي التركية.
ويتركز الصراع والاشتباكات في المناطق التي كانت تخطط أنقرة لإقامة المنطقة العازلة فيها، حيث تسعى الوحدات الكردية إلى التقدم لغرب الفرات للسيطرة على مدن جرابلس والباب ومنبج التي يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية «داعش»، بالإضافة إلى أعزاز التي تشهد اعنف المواجهات في الآونة الأخيرة، لضمها إلى الإقليم الكردي وبالتالي الحد بشكل كبير جداً من النفوذ والتأثير التركي في الصراع السوري.
وتحاول «وحدات حماية الشعب الكردية” التقدم بين مدينتي «جرابلس» و«أعزاز» التابعتين لحلب، والتي ترغب تركيا بتأسيس منطقة آمنة بينهما، وذلك لتوحيد مدينتي «عفرين» (غربي أعزاز)، و«عين العرب» (كوباني شرقي جرابلس)، مستفيدة من غارات التحالف الدولي، وروسيا، حيث تشن الوحدات هجومًا على خط جبهة أعزاز الواقعة تحت سيطرة كتائب الثوار من جهة، وتحارب تنظيم «داعش» في خط جرابلس، للعبور غربي نهر الفرات من جهة أخرى.
يأتي ذلك في ظل تراجع النفوذ التركي في سوريا، حيث تستهدف الطائرات الروسية كتائب المعارضة المدعومة من تركيا، وتفرض منظومة «إس 400» الروسية ما يشبه حظر للطيران على المقاتلات التركية في الأجواء السورية، الأمر الذي ساهم في تقدم قوات النظام السوري على حساب القوات المدعومة تركياً.
وطوال الأشهر الماضية كانت قضية قيام الولايات المتحدة الأمريكية والتحالف الذي تقوده بتقديم دعم عسكري للتنظيم موضوع خلاف شديد بين أنقرة وواشنطن، وهدد أردوغان في أكثر من مناسبة بضرب مسلحي وحدات حماية الشعب في حال عبورهم النهر أو اقترابهم من الحدود التركية، وبالفعل نفذ الجيش التركي عدة ضربات جوية ومدفعية ضد مجموعات للتنظيم.
وترى الولايات المتحدة في التنظيم «قوة فاعلة» في الحرب التي تقودها ضد تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» في سوريا، لكن المسؤولين الأتراك انتقدوا الخطوة الأمريكية معتبرين أن «الإرهاب لا يتجزأ وأن محاربة تنظيم إرهابي لآخر لا يعني انتزاع صفة الإرهاب عنه»، وذلك في إشارة لـ»حزب الاتحاد الديمقراطي».
من جهتها، لم تتأخر روسيا ومنذ إعلان بدء تدخلها العسكري في سوريا عن تقديم الدعم العسكري والغطاء الجوي للوحدات الكردية في سوريا وزادت موسكو من دعمها لهم بعد حادثة إسقاط الطائرات الحربية التركية للمقاتلة الروسية على الحدود مع سوريا في مسعى لتشكيل مزيد من الضغط على تركيا.
وفي خطوة عقدت الأمور بشكل غير مسبوق على الحكومة التركية، دعمت الولايات المتحدة بالتدريب والسلاح والغطاء الجوي ما تسمى بـ«قوات سوريا الديمقراطية» التي تحارب «داعش»، وتقول أنقرة إنها مشكلة بالأساس من مسلحي وحدات حماية الشعب الكردية وإنها تهدف إلى البقاء في المناطق التي يتم طرد التنظيم منها لضمنها إلى الكانتون الكردي الذي تحكمه الوحدات شمال سوريا.
وفي آخر فصول الخلاف الأمريكي التركي، تجنب نائب الرئيس الأمريكي جون بايدن خلال زيارته الأخيرة لتركيا قبل أيام ذكر وحدات حماية الشعب ضمن التنظيمات الإرهابية، وقال: «الولايات المتحدة تدرك أن داعش ليست التهديد الوحيد للشعب التركي، فحزب العمال الكردستاني هو تهديد لهم بالقدر نفسه.. لا فرق بين داعش وبي كي كي وجبهة النصرة»، في حين قال داود أوغلو أنه أكد لبايدن مخاوف تركيا وأن حزب الاتحاد الديمقراطي يقع ضمن التنظيمات التي تشكل تهديداً للأمن القومي لبلاده.
وبعد أنباء عن تمكن الوحدات الكردية من عبور نهر الفرات نحو مدينة عفرين السورية والسيطرة على «سد تشرين» الاستراتيجي بعد معارك مع «داعش»، جدد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الجمعة، التأكيد على أن بلاده «لم ولن تسمح بعبور وحدات حماية الشعب الكردية إلى غرب نهر الفرات»، نافياً تمكن الوحدات من عبور النهر بالقول: «كل هذا قيل.. لم نسمح بهذا حتى الآن، حتى وإن كانت هناك بعض التحركات فإننا لن نسمح بهذا الأمر».
وتمكنت الوحدات الكردية من الربط بين مناطق الحسكة وكوباني بعد سيطرتها على الأخيرة، في كانون الثاني/يناير 2015، ومن ثم «تل أبيض»، في حزيران/ يونيو الماضي، بعد معارك مع تنظيم داعش بمساندة جوية من طائرات التحالف.
ويرى مراقبون أن الساسة الأتراك يواجهون صعوبة بالغة في تبرير معارضتهم للوحدات الكردية كونها تحارب تنظيم «داعش»، الأمر الذي قد يظهر أنقرة غير معنية بمحاربة الإرهاب، وهي التهمة التي تسعى الحكومة التركية إلى نفيها في ظل الاتهامات لها بعدم ضبطها الحدود ومنع وصول المقاتلين الأجانب إلى سوريا من خلال أراضيها.
ويبدو أن روسيا لم تكتف بالضغط على تركيا من خلال دعم الوحدات الكردية عسكرياً على الأرض، حيث كشفت مصادر بالمعارضة السورية عن ضغوط روسية سياسية مكثفة من أجل إشراك ممثلين عن التنظيم في وفد المعارضة للمفاوضات مع النظام المقرر عقدها في جنيف خلال الأيام المقبلة.
أردوغان أعلن، الاثنين، أن «هناك قوى تسعى إلى إضعاف دور تركيا فيما يخص الملفين المتعلقين بسوريا والعراق، وتحاول تنفيذ سياسات تنعكس بالسلب على تركيا»، معتبراً أن «هناك الكثير من الدول الصديقة، تصر على عدم رؤية الوجه الحقيقي لبعض المنظمات الإرهابية».
رئيس الوزراء الوزراء التركي «أحمد داود أوغلو» أكد، الاثنين، أن بلاده ترغب في مشاركة أكراد سوريا بمحادثات السلام المزمع عقدها في مدينة جنيف السويسرية نهاية الشهر الجاري، لكنه شدد على أن تنظيم حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي (PYD) لا يمكنه المشاركة في صفوف المعارضة السورية، على أنه ممثل للشعب الكردي في سوريا لأن «التنظيم يعد من بين المنظمات الإرهابية بالنسبة لتركيا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية».
وفي تصريحات أخرى، الثلاثاء، شدد داود أوغلو على أن «وحدات حماية الشعب في سوريا هي امتداد لتنظيم بي كا كا الإرهابي»، مؤكداً رفض بلاده مشاركة الحزب في وفد المعارضة السورية.
من جهته، ندد وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو باحتمال دعوة الحزب إلى محادثات جنيف، مؤكداً أن «الأخير تنظيم إرهابي وعلى المجتمع الدولي إدراك ذلك.. إقحام الحزب المحادثات يعني إنهاء فرص نجاح العملية السياسية في سوريا»، واعتبر أن الحزب بإمكانه المشاركة ضمن وفد النظام السوري وليس في وفد المعارضة، على حد تعبيره.
كما أكد نائب رئيس الورزاء التركي نعمان كورتولموش، على أن «لا أحد يرضى بأن يشارك حزب الاتحاد الديمقراطي إلى جانب صفوف المعارضة السورية خلال مؤتمر جنيف»، وقال: «يجب أن لا تقبل المعارضة السورية بأي شكل من الأشكال في ضم بعض الأطراف المتعاونة مع نظام الأسد ضمن صفوفها».

إسماعيل جمال

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية