ذيليون للأسياد الكبار و اليسار الشيوعي البديل موجود في ساحات النضال

حجم الخط
0

باقر ابراهيم

منذ ستينات القرن الماضي، برزت الخلافات داخل الحركة الشيوعية العالمية، وخاصة فيما يتعلق بالموقف من طروحات الحزب الشيوعي الصيني، كما اشتدت لاحقاً، المطالبات بما سمي بـ الاستقلالية عن الاتحاد السوفييتي، في احزاب عديدة، ربما كان ابرزها الاحزاب الشيوعية في فرنسا وايطاليا ورومانيا واليابان.

كان موقفنا في الحزب الشيوعي العراقي، قد اعتمد آنذاك، مبدأ التضامن الاممي، ووحدة النضال العالمي الذي يقف علي راسه الاتحاد السوفييتي، ورفضنا تلك الطروحات.

كانت تلك قناعتي ايضاً، وعبرت عنها في كتاباتي، وفي بعض الندوات العالمية، مما اثار حفيظة من اختلفوا معنا في الراي، من رفاق الامس، او خصوم اليوم، كما تناولت موقفي بالتنديد، اقلام خبراء مكافحة الشيوعية، في حكم حزب البعث السابق. وسأوضح الروابط بين حقائق الامس وحقائق اليوم.

لا بد من الايضاح في البداية، بانه مثلما كان هناك تسابق ومبالغات في تقديم الطروحات الصارخة عما سمي بـ الذيلية للاتحاد السوفييتي، فقد وجدت ايضاً، بين الطاقم القيادي في حزبنا، وفي احزاب شيوعية اخري، مبالغات معاكسة، وتسابقات لاشهار الولاء للسوفييت، وللدول الاشتراكية الاخري، ورغم ان هذه الظاهرة كانت ثانوية ومحدودة التاثير.

وحول هذا الموضوع كتبت في مداخلة سابقة لي ما يلي: ان هذه المعالجات لا تميّز بين طريقة خاطئة، تؤمن بها غالبية الاحزاب الشيوعية في العالم، التي تقول بعدم جواز الاختلاف في الراي، او في الموقف، مع القيادة السوفييتية، وبين النهج المضاد الذي يردد ذيلية تلك الاحزاب لموسكو.

ان الدعوة لاستقلالية الحزب الشيوعي، في البلد المعني، للخلاص من الذيلية، للاتحاد السوفييتي، لم يكن سوي شعار براق لاخفاء الهدف من وضع الاتحاد السوفييتي والدول الاستعمارية علي مصاف واحد اولا، ولاخفاء التصميم علي فك عري التضامن الاممي ثانياً.

كان ذلك الشعار يهدف الي تفكيك جبهة النضال الموحد العالمية، ضد الامبريالية والحرب، من اجل السلم والتحرر الوطني والديمقراطية والاشتراكية.

فالاحزاب والشخصيات الشيوعية، التي تجاوبت مع ذلك الشعار اللطيف ظاهرياً والمسموم واقعاً، سعت لاخفاء بداية ارتدادها الشامل، ليس عن الشيوعية فقط، بل عن النضال الانساني والاجتماعي.

كما ان اكذوبة الاستقلالية عن الاتحاد السوفييتي، لم يكن مطلوب اعلانها من جانب الاحزاب الشيوعية والعمالية والاشتراكية، بل كذلك من جميع الانظمة والاحزاب الوطنية والتقدمية.

ذيلية الاحزاب ام ذيلية الشعوبان اتهام الاحزاب الشيوعية والعمالية، بالتبعية للاتحاد السوفييتي، يتناقض مع نمو شعبيتها الواسعة، وهو سيتحول بالتاكيد الي الطعن بوعي الجماهير العريضة من اعضاء تلك الاحزاب ومناصريها والمصوتين لها في الانتخابات، ومن الشعوب التي ارتضت قيادتها، ليس لمجرد الحب والاعجاب المعنوي، بل بتاثير منجزاتها الكبري، سياسياً واقتصادياً، ولصالح الشغيلة وتقديم المعونات للشعوب الاخري. وللتدليل انهيار الاتحاد السوفييتي وانهيار الولاءات المهزوزةليس بعيداً عن الاذهان، انهيار اكبر حزب شيوعي في العالم، يحكم الدولة الاشتراكية الاولي، اي الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي، تحت تاثير التحريفيين والمرتدين عن الشيوعية، حين استخدموا اخطاء الحزب والنظام الاشتراكي، لا لاصلاحه، بل للاجهاز عليه، الامر الذي حمل الشيوعيين الروس وفي بلاد السوفييت القديمة علي تجديد واعادة بناء احزابهم، انهم يستلهمون التراث المجيد لثورة اكتوبر وانجازات نظامها الاشتراكي، الذي لم يعد المرتدون يعرّفونه سوي بـ( النظام الشمولي). لقد رافق الانسياق وراء شعارات ما سمي بالكفاح ضد الذيلية، او التبعية للاتحاد السوفييتي، من جانب الاحزاب والشخصيات التي تبنته، الارتداد عن الأسس المبدئية في الشيوعية والماركسية ـ اللينينية، وفي النضال ضد الامبريالية، وانتهي بعضها الي الانسياق وراء اشتراكية البرجوازية، ومنظمتها الاشتراكية الدولية التي تضم احزاباً عراقية كردية ساهمت بمؤامرة احتلال العراق، باسم تحريره من الدكتاتورية بالامس، وحمايته من الارهاب ومن عودة الدكتاتورية اليوم، وفي نفس الوقت الذي تضم حزب العمل الصهيوني وامثاله.

ان الاحزاب التي انتهجت مواقف التضامن الاممي، رافضة الانجرار وراء اكذوبة (الاستقلالية عن الاتحاد السوفييتي)، ما تزال راسخة في نهجها حين ترفع الآن شعار (من اجل جبهة عالمية مناهضة للامبريالية والحرب)، من ابرز هذه الاحزاب، الاحزاب الشيوعية في اليونان والبرتغال وسورية ولبنان وغيرها الكثير.

وعلي خلافهم كانت نتيجة الاحزاب الشيوعية التي تشوشت عندها الرؤية وانساقت وراء الشعارات المضللة فصارت عرضة للتمزقات الدائمة كما حل بالحزبين الشيوعيين الفرنسي والايطالي وغيرهما.

ليس بعيداً عن الارتباط بموجة الارتداد الجديدة، بعد انهيار معسكر الاشتراكية العالمي، يمكن فهم الظروف الخارجية والفكرية، لارتداد قادة الحزب الشيوعي العراقي، وتحولهم نحو الاسياد الجدد، الامبريالية العالمية وقيادتها الامريكية.

مع طروحات مرتدي اليسارارتباطاً بتكامل معالم هذه الردة، يمكن ملاحظة تبلور منظومة فكرية لمرتدي اليسار العراقي والعربي، والعالمي، صارت تقارب بينها وتجمع اطرافها.

فالي جانب ما اتينا اليه من شعارات، تهدف تفكيك جبهات النضال الوطنية والقومية والاممية، يطلع علينا المرتدون، بطروحات تبشر بانتهاء عصر الاستعمار والامبريالية، وتستسيغ وتبرر احتلال الوطن، باسم تحريره من الاستبداد الداخلي ثم تفلسف لقاءها مع المحتلين بانه مجرد صدفة تاريخية!

ما يجمعها ايضاً، انها تؤكد فشل جميع تيارات النضال وليس اليسارية فحسب، بل كذلك القومية والاسلام المقاوم. انها في الواقع تدمغ كل النضال البشري من اجل التقدم، بالاخفاق، او الصراع العبثي، وتري انها هي اليوم صارت الحل المنتظر. وما يجتمع عليه مرتدو اليسار، الادعاء بوجود ازمة في اليسار العالمي، وفي حركة التحرر الوطني العربية، او في النضال الوطني الداخلي، انهم بذلك ينقلون ازمتهم، بل مأزقهم الي حركة النضال البشري عموماً. يدعي المرتدون والتحريفيون، بان مناضلي الامس، ما زالوا يعيشون في الماضي، وانهم هم المجددون، حينما يعيدون قراءة الماركسية اللينينية بعقل جديد! لكنهم في الواقع، وفي الممارسة، ينتهون، شاءوا ام ابوا، الي نسف الاسس المبدئية، ليس للماركسية ـ اللينينية بل لكل ثوابت النضال ضد البرجوازية الامبريالية، مروراً باللقاء معها، وانتهاء الي الوقوع في شباكها، كخدم اذلاء في جميع ميادين الخدمة.

ومن الضروري الانتباه لظاهرة اللقاء، وعودة الحب بين المرتدين عن الشيوعية في العراق، وعلي راسهم قادة الحزب، مع من اختصموا معهم بالامس واختلفوا حول قضايا ثانوية تخص حياة الحزب الداخلية، او الموقف من اسلوب النضال ضد الاستبداد، ولكن صار يجمعهم الاتفاق في القضايا الرئيسية، كالموقف من الامبريالية ومن احتلال الوطن، او مقاومة المحتلين، والتي اشرنا اليها.

الاساس الطبقي للمرتدينان الارهاب الفاشي، المنقطع النظير، الذي نقله الغزاة الانكوامريكان والصهاينة واعوانهم، للعراق وشعبه، هو العنف الطبقي لاشد اصناف البرجوازية الامبريالية وحشية وعدوانية، وهي الامبريالية الامريكية. وهو ايضا شكل من اشكال العنف الطبقي، لاكثر فئات البرجوازية العراقية جهلاً وتخلفاً وطفيلية وبعداً عن الانتاج المادي، بل اكثرها ارتباطا ببرجوازية المافيا والسرقات والمضاربات والعمالة لشركات الاحتكار والحراسة، والنهب الاجنبية، وعلي راسها الشركات الامريكية والاسرائيلية والاوروبية، مع بعض الفتات من السرقات للمرتزقة العرب والعراقيين.

ان مشاركة قادة الحزب الشيوعي العراقي، الي جانب الاطراف الاخري في حكومات الاحتلال وعمليته السياسية، تقدم اكبر الخدمات لتسهيل الغزو وتبريره ثم لإدامته.

ومقابل هذه الخدمة، فان المتعاونين مع الاحتلال، تجمعهم واياه المصالح الاقتصادية المشتركة. فالقادة السياسيون للاحزاب المتعاونة مع المحتلين، ويهمنا الحديث هنا عن قادة الحزب الشيوعي، اذ ينتفعون مادياً من الوضع الجديد، فانهم يشركون حفنات من اعضاء الحزب وكادره، ببعض المنح، في التوظيف والراتب التقاعدي وغيرها.

وبغض النظر عن ضخامة، او ضآلة حصص المتعاونين مع الاحتلال، فهم يصبحون، حتي بدون ارادة بعض الطيبين من القواعد المغشوشة، جزءا من الاحتلال سياسياً، وجزءا من الطبقة الطفيلية المنتفعة اقتصادياً منه.

ان تجسيد هذه الحقيقة، رغم قساوة وقعها، ربما يفيد من يعيها لتلمس العودة لطريق الصواب.

امام هذا الواقع الجديد، هل يحق لهذا الحزب، بسياسته ومسيرته الراهنة ان يواصل الادعاء بانه حزب العمال وكادحي الشعب؟ الا يتحمل المسؤولية المباشرة عند مساهمته في حكومات الاحتلال، وبما حل بالشعب، وخاصة كادحيه، من تدهور هائل في مستوي معيشتهم، وارتفاع نسب البطالة واعداد الملايين الذين يعيشون الان دون حد الفقر؟

اليسار الشيوعي الجديدان من تعيشوا علي الذيلية للاتحاد السوفييتي، وللدول الاشتراكية الاخري، سياسياً وعقائدياً او مادياً، هم وحدهم من بدلوا ولاء التعيش نحو الاسياد الكبار الجدد، وليس الشيوعيون الصادقون في مبادئهم ومسيرتهم العملية.

ولهذا السبب، فمنذ اكثر من عقدين من الزمن، كان جواب رعيل واسع من قادة وكوادر ومناضلي اليسار الشيوعي، هو الامساك بثوابتهم المبدئية والوطنية، والتواصل والتنسيق، بقدر ما تسمح به ظروف المهاجر، وبقدر ما تسمح به اوضاع مناضلينا داخل الوطن، حين سعوا لسد الفراغ ولتكون لهم مكانتهم المرغوبة والمطلوبة، الي جانب قوي النضال والمقاومة الشعبية، من اجل التحرير والديمقراطية، وخاصة، في مبادراتهم المشهودة لتوحيد قوي النضال الوطني والقومي.

وقد اكد مآثره هذا التيار الشيوعي، وعبر عنها، واوضح معالمها المئات من المناضلين، بينهم كتاب وشعراء وفنانون مبدعون. وحين ينكر البعض وجود هذا التيار المناضل، بدعوي عدم وجود حزب، او تنظيم مركزي يوحدهم، فاني استطيع القول، ان تجنب التسرع في التحزب، في بلاد المهاجر، وفي ظروف العراق الاستثنائية، كان جانباً من ماثرتهم الواعية، وليس عيباً فيهم. وحين تنضج الظروف لقيام كيان يوحدهم، داخل الوطن، وبين جمهورهم، فلا احد مهما كانت مكانته، يستطيع اعاقة التعبير عن تلك الحاجة. نعم، لقد استطاع هذا الرعيل الواعي من المناضلين، ان ياخذوا العبرة من الارتداد والهزيمة علي النطاق العالمي وفي النطاقين العربي والوطني، لا ليتخاذلوا او تضعف هممهم، بل لدراسة مكامن الخلل والضعف، والبحث عن التجديد في المعتقد وفي السياسة والممارسة، بما يمدهم بطاقة جديدة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية