أماني خليل في روايتها الثانية رشة ملح :

حجم الخط
0

أداء لغوي سلس لكاتبة لا تجيد الترويج لنفسها

القاهرة ـ “القدس العربي” ـ من محمود قرني:

تأخذ الكتابة النسوية في مصر منحنيات تترافق مع الكثير من السيولة التي تنتاب الواقع الثقافي، وإذا صرفنا النظر عما يغضب تلك النسوة من البحث عن فراقهن ـ كنساء ـ في حقل الكتابة، سنكتشف أن الواقع المحيط يدفع بإبداع المرأة إلي منطقة شديدة الغموض والالتباس.

فقد لعبت فكرة النسوية والانشغال بها غربيا بعدا يبدو هزليا في واقعنا الذكوري المحض الذي يهبط بقيمة المرأة إلي الحضيض، في وقت يقدم فيه كافة فرائض الولاء لكسب شرعيتها وودها.

وقد كانت لعبة الفيمينست أداة لتحقيق الكثير من المكاسب الموهومة للتيارات الاستشراقية القادمة من الخارج والاستغرابية التي تعيش بين ظهرانينا ولبعض النسوة اللواتي برعن في تسويق أنفسهن.

وقد ساهمت هذه الالتباسات في تصعيد الكثير من الأسماء التي لا تستحق شيئا من كثافة حضورها ولعبت في المقابل دورا في تعمية أسماء لا يمكنها إلا أن تكون صانعة حقيقية للخريطة عموما ولأدب المرأة ـ إذا صح المصطلح ـ خاصة، ولعلي أستطيع التوقف بثقة أمام أسماء حادة الموهبة شاحبة الحضور مثل نجوي شعبان وهي روائية وقاصة بارعة بكل المقاييس، وكذلك صفاء عبدالمنعم علي نفس المستوي، والكاتبة الشابة هدي توفيق، ومن الجيل الأكبر نسبيا تقف قامات مهمة مثل سحر توفيق ونعمات البحيري، ويضاف إليهن الروائية أماني خليل في روايتها رشة ملح الصادرة حديثا عن دار شرقيات، وهي الرواية الثانية في مسيرة أماني، بعد وشيش البحر التي صدرت عن المجلس الأعلي للثقافة، بالإضافة إلي مجموعتها القصصية في انتظار قافلة تمر التي صدرت عن دار زويل للنشر.

وتنتمي أماني خليل من حيث السن إلي جيل الثمانينيات وإن كانت قد بدأت الكتابة مبكرا، وقد بدأت حياتها كناشطة سياسية مأخوذة بالفكر اليساري وفصائله منذ سنوات الدراسة الجامعية، ثم انخرطت في العمل الأهلي الحقوقي، وهو ربما ما ساهم كثيرا في صرفها ـ نسبيا ـ عن الكتابة.

وتعد رواية أماني خليل الجديدة خطوة حقيقية للتخلص من زخم الوعي السبعيني في القصة والرواية وإن ظلت متمسكة ببعض خطابه حاد النبرة، والخطابي الي حد كبير، ويتبدي هذا الأمر جليا في مجموعتها القصصية الوحيدة، إلا أن الامكانات السردية الرهيفة واللغة الأدائية الشفافة اللتين ميزتا الرواية يضعانها في صفوف الكتابة الجديدة بامتياز.

تدور أحداث الرواية بين الصعيد والقاهرة ويبدو بطلها الطيب الصحافي والشاعر والمثقف نموذجا للمثقف الذي ورثه جيل الثمانينيات من عصر الهزيمة، فهو خارج علي طاعة المؤسسة، لذلك فهو يعمل في جريدة مستقلة، ويرفض كل العطايا التي يمكنها أن تصرفه عن موقفه السياسي ـ الماركسي علي الأغلب ـ الذي كان يتبناه إبان دراسته الجامعية، يبدو ـ البطل ـ في الوقت نفسه مقطبا معظم الوقت، صامتا لا يلوي إلا علي داخله المعتمل الموار بالكثير من الأسئلة، سواء كان ذلك علي مستوي العمل أو الكتابة أو العلاقة بالعاشقات الثلاث اللائي يسعين خلفه في الرواية: زينة، سهام، وعبلة، وإن لم تقدم الكاتبة ـ عبر سرودها ـ ما هو ذلك السحر الكامن في بطلها الذي يدفع بهاتيك النسوة للهاث خلف بطل قليل الكلام، مكتئب، يقطب عن جبينه كفيلسوف مغبون علي طول الرواية، كذلك لن يستطيع القاريء أن يستوعب تلك البطلة الثرية التي تصعد في منتصف الرواية، وتهجم فجأة علي أجوائها فتقطع سير الأحداث المطرد والمنطقي الذي يلي بعضه بعضا، فعبلة ابنة الأثرياء صديقة الطيب في الجامعة باكتشاف مفاجئ، ترتضي بابن عمها الذي يدير أموال أبيها بعد وفاة شقيقها الوحيد، وهي لا تحبه، ولا تخونه، هي نموذج للرأسمالية المشوهة التي أرادت الكاتبة أن تجسد عبره نموذج وعيها، ومشكلة صعود عبلة كنتوء داخل الرواية، أنها بطلة بلا تاريخ، أقصد التاريخ الروائي، فبقدر ما تملك الشخوص من حضور وتأصيل داخل الأحداث بقدر ما يكون مبرر وجودها، لذلك جاء نموذج عبلة، وكأنه من صناعة الدراما المجانية التي نشاهدها في فضائيتنا المترامية، لكن يبقي وجود زينة كبطلة مركزية، حيث هي حبيبة الطفولة، وكذلك سهام الصحافية وزميلة العمل بالنسبة للبطل، يبقيان كنموذجين دالين علي الاطراد والنمو الرأسي للوعي الروائي والسردي فالأولي تعكس نموذج العشق المكتوم المحافظ الذي يسير ويستمر في إطار من السرية المكتومة لأنه نشأ وترعرع وعاش في بيئة ذات تقاليد صارمة، والثانية تعكس نموذج فتاة الطبقة الوسطي التي حصلت علي قسط مقبول من التعليم، ويمكنها أن تذهب الي الطيب في شقته وهو أعزب دون أن تري غضاضة في ذلك.

لكن المقادير بالطبع لا تسير علي هذا القدر من فطرة الناس، لكنها تسير حسب صراعات الواقع وجدله الذي يمنح سلطة المال وبالتالي سلطة الحكم القدرة علي القيادة، ومن ثم انتاج الأفكار الحكم القدرة علي القيادة، ومن ثم انتاج الأفكار وأنماط الوعي ومن ثم أنماط الاستهلاك، فالحبيبة الأولي زينة التي يعود إليها الطيب كل حين من القاهرة ليتشمم في عطر الأزقة والحواري والأحواش التي جلسا فيها معا، تزوجت وهي صبية غرة وبضة، وقبل أن تكمل تعليمها من الحاج أحمد عبدالإله الذي ورث ثروة هائلة وغامضة عن والده، لتبدو تلك الثروة علي مدار الرواية عاملا قامعا لزينة وأسرتها الفقيرة، فرغم أنها لا تحب الرجل وتضاجعه بجسدها البارد بشكل دائم، إلا أنها لم تكن من البداية تستطيع رفضه كعريس لأن هذا ـ حسب الكاتبة ـ يُعد جريمة تعني أن في حياة زينة رجلاً آخر وهذا وحده يكفي لقتلها، في نفس الوقت لا تستطيع أن تفكر ـ مجرد التفكير ـ في الانفصال، فالرجل يستطيع أن يسحقها ويسحق أهلها الفقراء، وفي هذا الإطار ذي التقاليد الصارمة من الخارج نكتشف التهرؤ الكبير من الداخل، فبعد أن تحمل زينة في طفلها الأول حجاج الذي يأتي بالفرح الغامر علي الأسرة، ويقطع ألسنة الأقارب الذين يطالبون الحاج أحمد عبدالإله بالزواج من غيرها بغرض إنجاب الذرية التي ترث كل هذا المال، نكتشف المفاجأة المدوية، حيث أن الحمل ليس من الزوج بل هو من الصبي مصطفي الذي سافر الي الخارج مع احدي الأجنبيات بعد أن تعرف عليها بسبب عمله بالسياحة، وتنتهي الرواية والطفل في حلقة السبوع والنسوة يغنين حوله برجالاتك، برجالاتك.

ولا تسعي الرواية إلي فضح هذا التهرؤ المجتمعي وحده، بل تسعي إلي فضح الكثير من تلك القيم علي مستويات مختلفة سواء كان ذلك داخل البيئة المحافظة أو خارجها.

ففي مقابل الطيب بطل الرواية، الذي ظل متمسكا بعدد من القيم الرفيعة كعاصم من التهاوي والانحدار، نجد لقاءه الكاشف مع صديقه عبدالهادي المثقف والكاتب الذي حقق شهرة واسعة ونال من عطايا المؤسسة الكثير، لأنه تعبير عميق عن نموذج المثقف الانتهازي الذي يجيد الممالأة والسير خلف النظام وفي ركابه، في المقابل لا يجد الطيب من ينشر له ديوانا أو كتابا، وربما كان الأكثر حضورا وموهبة من قرينة عبدالهادي الذي استطاع ـ في لمح البصر ـ أن يكون نجما من نجوم الكتابة، ليس لجدارة إبداعه بهذه المكانة، ولكن لأسباب أخري تمثل في جوهرها أزمة النخبة المثقفة في انصراف الجماهير عنها، فقد باعت تلك النخبة نفسها للسلطة القمعية التي تسعي للسيطرة علي تلك الجماهير عبر كافة الأدوات المشروعة منها وغير المشروعة.

وليس غريبا أن يجسد الطيب مقاومة ـ بسبب مواقفه الراديكالية ـ داخل الجريدة، وخارجها، فحتي حبيبته الأولي زينة استطاعت أن تستوعب سبب عدم حب زوجها للطيب، وتفسر ذلك علي أنه يكتب كلاما لا يرضي الحاج أحمد عبدالإله، ثم تأتي الجملة المثقفة التي تفقد معناها داخل الرواية: الطيب يكتب كلاما ضد مصالح الزوج، فالزوج يمثل شريحة الرأسمالية، والطيب يمثل شريحة البروليتاريا، والوصف في الإجمال غريب وناتئ لأنه ليس اللغة المناسبة للزوج أو الزوجة، فكلاهما لا نعرف له اتصالا بالثقافة أو السياسة أمام هذه الجملة الاختزالية التي تعكس نوعا من الخبرة والمعرفة لا تتوافران لمن يطلقها.

بالإضافة إلي ذلك تبدو رواية رشة ملح ذات العنوان الأخاذ، والشعبي للغاية، متمسكة بلغة ثرية رغم بساطتها، تقع في الشاعرية بدقة ووعي نادرين، دون أن تستغرق في التركيب الذي عادة ما يوقف حركة السرد، ويحول بينها وبين النمو والاستطراد الطبيعيين.

يضاف إلي ذلك امتياز آخر للكاتبة أماني خليل يتمثل في ابتعادها عن رواية السيرة الذاتية التي باتت نموذجا مألوفا في أيامنا هذه، لا سيما مع جيل الشباب من الروائيين، ورغم أن هذا الشكل قدم لنا كتابات جيدة تشي بمستقبل واعد، إلا أنه يظل وعيا قاصرا عن الإحاطة بجدل الواقع وتراثه ويرفض الاشتباك معه باعتباره حدثا برّانيا، وكذلك لأنه ـ حسب هؤلاء الكتاب ـ يحول بين الكاتب وبين صناعة مونولوجه الخاص ووعيه الأحدث باللغة الأدائية المحضة وتحقيق أعلي درجة من الحيدة في السرد الروائي.

وأعتقد أن المأزق الذي لاقاه هؤلاء كان مثيرا للدهشة، حيث تباعدت الشقة بينهم وبين رواياتهم التالية بعد أن استنفدوا رصيدهم في رواية الذات منذ الخطوة الأولي.

لذلك فقد بدت رواية رشة ملح أكثر تحررا من تلك النمطية، فصارت أكثر اشتباكا مع صراعات الواقع ونماذجه البشرية الثرية القادرة علي صنع سرود هائلة.

يتبقي ـ فقط ـ القول بأن الروائية اختارت منطقة سردية تم استهلاكها عبر العديد من النماذج الروائية لا سيما في الحقبة السبعينية، وربما كانت الخلفية الأيديولوجية للكاتبة التي تكمن خلف الوعي الروائي والتي انعكست علي حوارات وحراك الأبطال دافعا أساسيا لهذا التجلي.

ويتبقي أيضا القول أن الكتابة الروائية النسوية قد كسبت ـ رغم ذلك ـ صوتا جديدا ومؤثرا، رغم أن الكاتبة أماني خليل مثل كثيرات من مظلومات الثقافة المصرية، لا تجيد الثرثرة، ولا لغة المصالح، ولا اختيار النموذج الإنساني الفضائحي الذي يرضي شهوة الاستشراق في بعده الكلونيالي.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية