إن الفرق بين اليائس والميؤوس منه هو أن اليائس ينظر بلا حيلة إلى ما يحدث أمامه ويشعر أنه لا يستطيع فعل شيء وأن اللعبة لم تعد له وأنه فقد منذ زمن السيطرة على مجريات الاحداث. الاحداث التي لا تتم حسب رغبته أو مواقفه وهي تتصاعد باستمرار. في المقابل، الميؤوس منه لا يمكنه الادعاء أن اللعبة ليست له. ففي هذه اللعبة استثمر معظم امواله وقام ببناء نظرياته وهو غير مستعد للتراجع بل هو مستعد لاتخاذ خطوة ميؤوس منها والمقامرة بكل ما يملك في محاولة لاعادة عجلة الحظ.
التاريخ مملوء بأمثلة من اليائسين والميؤوس منهم وبظروف مختلفة. التاريخ الصهيوني ايضا يقدم أمثلة كهذه، بعضها مفاجئة. في الثلاثينيات على ضوء علامات تراجع البريطانيين عن التزامهم للصهيونية، شعر زئيف جابوتنسكي بضياع الطريق واليأس (كانت خطته السياسية تستند إلى الدعم البريطاني). وهذا ما كتبه في 1936: «أعترف بشكل علني أنني فقدت المسار الصغير الذي سيقودنا إلى الطريق الصحيح من جديد… الورقة الأساسية في اللعبة الصهيونية هي بريطانيا… وقد غابت. احيانا أشعر وكأنني سندباد الذي أقام ـ البيت القومي على جزيرة صغيرة وتبين له أن الجزيرة ما هي إلا حوت عاد ودخل إلى المياه».
أما حاييم ارلوزوروف، رئيس القسم السياسي في الوكالة اليهودية والذي كان رمزا للاعتدال الصهيوني ومكروها من قبل اليمينيين، حينما وصل إلى استنتاج أن التطورات الدولية وتردد بريطانيا تُقلل من فرص الصهيونية في تحقيق أهدافها، اقترح في 1932 في رسالة سرية لحاييم وايزمن، اتخاذ خطوة يائسة هي احتلال السلطة في البلاد بالقوة واعتماد فترة انتقالية. في هذه الفترة تسيطر «الاقلية اليهودية» كسلطة انقلابية منظمة… ويتم تطبيق سياسة منهجية في مجالات التطوير والهجرة والاستيطان. هناك شيء واحد أشعر به بشكل كبير هو أنني لن أُسلم أبدا بهزيمة الصهيونية»…. بعد ذلك قال بن غوريون عن هذه الرسالة أن ارلوزوروف لم يتحدث عن كيفية تطبيق اقتراح كهذا في الظروف القائمة.
اليسار في إسرائيل يعيش اليوم في حالة من اليأس. وشعور اليأس والاغتراب ينبع ليس فقط من فقدان السلطة وعدم التأثير الذي كان له على الجمهور الإسرائيلي، بل مصدره أعمق كثيرا: الادراك المتزايد بأن الواقع الإسرائيلي ـ المجتمع والدولة ـ قد تغير مقارنة مع ما كان سائدا في الخمسينيات والستينيات وكما كان مصورا في الحلم الصهيوني الطلائعي المتساوي والمتضامن والساعي إلى السلام كما تريد حركة العمل.
صحيح أنه توجد فجوة بين الحلم والواقع. والمقارنة بين الحاضر والماضي تحمل دائما عامل الحنين الذي يلون الواقع الذي كان بألوان مشعة. ومع ذلك فان الحلم الفعال، خلافا للمثالية، لا ينفصل عن الواقع الذي نشأ فيه. حلم اليسار التاريخي أصبح من الماضي وليس له حاضر أو مستقبل. هذا الحلم لاءم الواقع الذي كان والذي تمت ادارته من اليسار. إلا أن هذا الواقع تغير وتلاشى مثل ذلك الحوت في قصص سندباد. ضائقة اليسار واليأس لا تنبع فقط من توقعات الماضي التي فشلت في الحاضر، بل ايضا من معرفة أن الواقع الحالي لا يقدم أي شيء. إنه يعيش حالة ضياع الطريق من النوع الذي شعر فيه جابوتنسكي في حينه.
الواقع الذي تلاشى وتغير واستبدل بواقع آخر كان واقع اليشوف الصهيوني والطلائعي الذي تفاخرت به حركة العمل التاريخية. وظهور الدولة استدعى تغييرا عقليا أساسيا وتغيير القرص ـ من الصهيونية إلى الرسمية الإسرائيلية: التركيز على المهمات والوظائف التي تلتزم بها كل دولة عقلانية. لكن ليس اليسار وليس اليمين هما اللذان قاما باحداث التغيير المطلوب، بل بقيا عالقين في عالم الأطر والاساليب الخاصة بالصهيونية.
إن فخ اليسار ذا الميول الاجتماعية ـ الاشتراكية يمكن تفهمه. أما اليمين الذي حمل بين ظهرانيه في يوم من الايام موقف الرسمية الذي صممه جابوتنسكي، وكان يفترض أن يلائم نفسه بسهولة وبشكل طبيعي مع الظروف الجديدة التي نشأت عند الانتقال إلى الحياة الرسمية.
لقد خان اليمين رسالته التاريخية. وتبنى موقفا قوميا متطرفا فظا على حساب الموقف المدني الذي هو جوهر الوجود الرسمي. لقد أدمن على الاستيطان وتطرف المجتمع الإسرائيلي تحت ضغط الهجرات الكبيرة مستغلا مشاعر الاحباط والدونية والغضب التي رافقت عمليات الاستيعاب الصعبة للمهاجرين، لا سيما من الدول الإسلامية. هذه المشاعر تركزت في أفق ضيق من الكراهية تجاه النخبة اليوشيفية والاشكنازية التي قادت الدولة الفتية وشكلت أنماط هجرتها. هذه النخبة اعتُبرت جزءً من اليسار، أما اليمين في صراعه على السلطة فقد ركب موجة الكراهية وأشعلها.
منذ البداية لم تكن لليمين سيطرة على هذه الموجة، بل قامت بجره. التواصل الذي نشأ بين الليكود باعتباره حزب السلطة وبين الصهيونية الدينية، والذي دخل اليه البُعد الايديولوجي السياسي الذي قلص وقيد حرية العمل السياسية لليمين في السلطة. في الثالوث المقدس ـ «شعب إسرائيل، توراة إسرائيل وارض إسرائيل» ـ غابت مكانة الدولة، ومبدأ سلامة البلاد أبعد مبدأ الرسمية. اليمين الذي اعتاد على فكرة ارض إسرائيل الكاملة لا يقدر الآن على وقف عملية الضياع التي تؤدي بشكل مباشر إلى خلق دولة ثنائية القومية قابلة للانفجار. وفي اليمين ايضا يعرفون مغزى هذا التطور الذي يدفع إسرائيل إلى الانقسام الداخلي العميق والمدمر وإلى العزلة في الساحة الدولية، لكنه لا يستطيع التغلب على ذاته ولا يقدر على احداث التحول. سلوك اليمين في السلطة يحوله إلى ميؤوس منه أكثر فأكثر. إنه يُدفع إلى مبادرات تشريعية ذات طابع مطلق واحيانا يشبه النازية ـ وسم اشخاص ومنظمات، مصادرة كتب ومنع مؤسسات ثقافية، منع نشاط المقاطعة ضد المستوطنات، فرض الموقف القومي الديني المتطرف على جهاز التعليم، الضغط والتهديد ضد جهاز القضاء ويشمل ذلك محكمة العدل العليا. كل هذا من اجل أمل كاذب هو أنه يمكن اسكات صوت الاحتجاج والانتقاد الداخلي. إن حكومة اليمين تُظهر في سياستها الخارجية ايضا سلوك ميؤوس منه: التحريض ضد العالم ويشمل ذلك الولايات المتحدة التي هي الصديقة والسند الوحيد لإسرائيل حتى الآن. التحريض هو السلاح الاخير الغير ناجع للميؤوس منه.
هآرتس 27/1/2016
يغئال عيلام