عجيبة تلك البلاد، لا تغادرك حتى بعد فترة طويلة من مغادرتك لها.. لم تفقد بعد هيمنتها على الذاكرة، وعلى أدوات المقارنة والقياس.. حتى بعد خرابها الكبير..
حين تتجوّل بين مدن أوروبا لا يمكنك أن تتخلّص من هاجس المقارنة بين تلك المدن والشام، المقارنة هنا ليست كما قد يظنها القارئ للوهلة الأولى؛ مقارنةً بين رقي أوروبا وتدهور الشام، أي بين الأعلى والأدنى، بل على العكس تماماً، يسيطر عليك هاجس مقارنة كل ما تشعر به من عدميّة في أوروبا، مع كل المشاعر التي كنت تعيشها في الشام، قبل أن يصيبها الخراب الأخير.
ثمّة أشياء يصعب فهمها في هذه الحياة، كيف لم تفقد الشام قدرتها على الإبهار والاستيلاء على المخيّلة بعد كل الذي حصل.عجيبة تلك البلاد في حضورها الطاغي على اللحظة، على الرغم من كل القهر الذي عشناه فيها.. كيف نستطيع ارتكاب هذا الشعور بيننا وبين أنفسنا؟ أليس في هذا الكثير من التناقض؟
كيف نذكر بالخير أياماً انقلبنا عليها؟ وكيف نحتفظ في دواخلنا بكل هذه الأحاسيس الجميلة تجاه ماضٍ كنّا قد تواطأنا مع أنفسنا على أن نقتله داخلنا.. كنا وعدنا بأن نطرده من حياتنا إلى غير رجعة؟
عجيبة تلك البلاد.. إذ كيف تعجز أنوار أوروبا عن إخماد موقد حطبٍ صغير نتجمع حوله في زاوية ما، من زوايا النفس، كلّما داهمنا الحنين على حين غرّة.. هل نحبها كل هذا الحبّ حقاً؟ أم أنّها عوارض صدمة فقدان كلّ شيء دفعة واحدة؟ هل هو إفلاس الهويّة والانتماء والمكان؟ أم هو الحدّ الفاصل بين حياة وأخرى في رحلة العبور باتجاه النهاية؟
لتلك البلاد سحر غامض أصاب كل من سكنها أو مرّ بها.. لطالما ظننت أننا معشر الشرقيّين مسكونون بسحر أماكننا أكثر من الشعوب الأخرى. لطالما تعجّبت من تعلّق الشرقي بالحجارة، لدرجة أنّه نحت منها أشكالاً وعبدها.. لكن أذهلني مؤخراً حديث بعض الغربيين الذين زاروا بعضاً من مدن سوريا، فقد رأيت في أعينهم بريقاً غريباً وهم يحدّثونني عن سحر هذه المدن، يشبه ذلك البريق الذي يميّز أعيننا حين نتحدّث نحن عن أماكننا، أو حين نذكرها سرّاً، بيننا وبين أنفسنا.
في تلك البلاد شيء لا أحد يعلم سرّه إلا الله، شيء من بقايا الأنبياء ولا شك.. لا أملك له تفسيراً آخر. يفترض بعضهم أنّ لهذا الحنين علاقة بالأشخاص الذين يجمعك بهم مكان، فوفاء الذاكرة للأشخاص لا للمكان، وأينما اجتمعت مع الأشخاص الذين كنت تجلس معهم في بلدك سيزول كل هذا الألم، وسيتبدّد هاجس المقارنة بين هنا وهناك، أو بين الماضي والآن.. لكن ستجد مع الوقت أنّ الذي سيتبدّد هو هذا الافتراض فحسب، وحين ستجتمع مع أقرب الناس إليك، سيكون النصيب الأكبر من الجلسة للذكريات والماضي.. والمكان.. المكان الذي لم يكن يشبه بالضرورة من حيث الجمال والترتيب مكانك الجديد، المستعار..
عموماً، الأماكن شديدة الترتيب هي بالضرورة أماكن مصطنعة، أقرب إلى البيوت البلاستيكية التي نأكل منها ما ليس بذي طعم ولا رائحة، وهي أماكن لا تترك في الذاكرة أثراً يذكر بعد فترة طويلة. لمدن أوروبا جمال مذهل، يغريك أن تستغرق فيه إلى ما لا نهاية، لأنّك تعلم في أعماقك بأنّ سحر هذا الجمال لا يتجاوز اللحظة التي تعيشها. تحاول جاهداً أن تغرف منه قدر ما تستطيع، فأنت على يقين بأنّه سيتبدّد بسرعة لا تتوقّعها بمجرّد أن تبتعد عنه.. من ضريبة الجمال المرسوم بدقة أنّ تتشابه المدن عليك، كما تتشابه النساء جميعاً بعد عمليات تجميل الأنف والشفتين! يصبحن أجمل، غالباً لا، لكن الأمر المؤكد أنّك ستنسى ملامحهنّ بسرعة جداً، أسرع ممّا تتخيّل. الأشياء المبعثرة، الملامح غير المرسومة وفق مقاييس الحداثة، تجاعيد التصالح مع الزمن، شيء من فوضى الأماكن، والمشاعر ربما، حمّى القلق من المستقبل، كل ذلك على ما يبدو، يجعل للأماكن روحاً تعاند الرحيل، قد لا تؤثّر فينا في اللحظة ذاتها، لكنها ستجتاحنا كلّما ابتعدنا عنها. تجتاحنا، هكذا، من دون سابق إنذار.. فإذا ما قرّرنا هجرة اللاعودة، رافقنا ألمٌ أبديٌّ يُسقط سحر بقيّة الأماكن من أعيننا.
ثمّة تناقضات عجيبة في تلك البلاد، أو ربما فينا نحن، نتحدّث بشوق عن سحرها في سنوات خلت.. هي ذاتها السنوات التي انقلبنا بعد ذلك عليها. كم كتبنا من صفحات في وصف جحيم الفوضى والفساد، وكتبنا أضعافها قبل ذلك في سرد موجبات الرحيل، وبمجرّد أن رحلنا ـ جلسنا على ضفاف الذاكرة، ثمّ شرعنا في كتابة صفحات في أدب الحنين وأوجاع الذاكرة.. الحنين لتلك الأماكن التي قلنا فيها مراراً: إنها لم تكن صالحة للحياة.. بالمرّةٍ!
كاتب سوري
عماد العبار