عون للرئاسة وجعجع للزعامة…

حجم الخط
0

كان لبنان واحة الحريّة والحداثة والديمقراطيّة في الشرق الأوسط لعقود طويلة، وسط صحراء من الديكتاتوريّات العربيّة ، لكنّ هذه الديمقراطيّة كانت لها خصوصيّة لبنانيّة، وهي الزعامات العائليّة على نمط كان يسمّى بالإقطاع السياسي، حيث العرف هو أن تنتقل زعامة البلدة أو الحيّ أو حتّى الطائفة من الأب لأبنه.
وحتّى اليوم مازال هذا العرف سائدا في أغلب المناطق اللبنانيّة. ولكن أحيانا كانت تجتمع بعض المواصفات عند بعض الأشخاص مع ظروف مناسبة لتخلق زعامة جديدة من خارج الإقطاع السياسي، وكان هذا حال الدكتور سمير جعجع والعماد ميشيل عون، اللذين صنعا زعامتيهما بنفسيهما ولم يرثاها ، كما أنهما اشتركا في نقطة أخرى، وهي أنّهما كانا عدوين شرسين لمحور «المقاومة» خلال الثمانينيات والتسعينيات وحتّى  السنوات الأولى من القرن الواحد والعشرين، وكانت تهم الخيانة والعمالة تلاحقهما حسب هذا المحور. وحتّى اليوم يجد من تربّوا على يد هذا المحور (المقاوم) صعوبة في التخلّص من مخزون الكراهيّة نحو هذين الشخصيّن، كما يتم كل فترة نبش أحداث من الحرب الأهليّة اللبنانيّة، الّتي شارك فيها الجميع وارتكبوا فيها الكثير من الجرائم، الّتي لم تكن تقتصر على طرف واحد بطبيعة الحال، ويتم توظيف هذه الأحداث لأسباب سياسيّة، وغالبا من يلجأ لهذا الأسلوب هو «حزب الله» وحلفاؤه. وعلى الرغم من أنّ اتّفاق الطائف عام 1989 فتح صفحة جديدة بين اللبنانيّين لبناء وطنهم وتجاوز ما ارتكبوه بحقّ بعضهم بعضا، حيث وضع هذا الاتّفاق الحرب وما حدث فيها في الماضي ودعى اللبنانيّين للالتفات للمستقبل، إلا أن الدكتور جعجع كان الوحيد من بين القادة العسكريين وزعماء الميليشيات في الحرب الأهلية اللبنانية الّذي تمّ سجنه أحد عشر عاما نتيجة أحداث وقعت في سنوات الحرب. انقسم اللبنانيّون بعد اغتيال رفيق الحريري إلى محورين رئيسيين 14 آذار، الذي تضمن التيار الاستقلالي، و8 آذار أو جماعة شكرا سوريّا «وإيران»، حيث توزّعت القيادات الحزبيّة والطائفيّة اللبنانيّة بين هذين  المحورين. وخلال السنوات الإحدى عشرة الماضية تباينت كثيرا سياسات قادة 14 آذار فقد انضمّ مثلا العماد عون لـ 8 آذار بعد عودته من منفاه في باريس، بسبب خلافات شخصيّة مع بقية قادة ١٤ آذار على الزعامة والمحاصصة، كما تباينت مواقف وليد جنبلاط بشكل كبير بين المحورين، وحتّى سعد الحريري خضع لمساومات وقدّم تنازلات لاعتبارات مرحليّة. إلّا الدكتور سمير جعجع، فخلال العشر السنوات الّتي أعقبت خروجه من السجن كانت سياساته ومواقفه دائما ثابتة، ولم تتعرّض لتقلّبات وتراوحات لا في السياسات الداخليّة ولا الخارجية، وهذا ترافق مع موقف واضح من التدخّل السوري ومن هيمنة وسلاح «حزب الله»، ومن سياسات المحاور الإقليميّة والدوليّة. 
خلال العامين الماضيين نجح «حزب الله» بتعطيل انتخاب رئيس للبنان من خلال الامتناع عن حضور جلسات المجلس النيابي مع حلفائه، لتأمين عدم اكتمال النصاب، وكان الفراغ الرئاسي وتعطيل مؤسسات الدولة يخدم  أهدافه بتثبيت وجوده كطرف وقوة وحيدة منظّمة ومتماسكة في هذا البلد، وأنه لا يمكن القيام بأي خطوة من دون موافقته، ولا يمكن لأي جهة لبنانيّة أن تحاسبه على سلوكه وسياساته الداخلية والخارجيّة.
اليوم قام الحكيم كما يلقّبه أعضاء حزبه وأصدقاؤه بخطوة اعتبرها كثيرون مفاجئة وهي إعلانه بنفسه ترشيح الجنرال عون للرئاسة، وقد قيل في بعض وسائل الإعلام إنّ هذه الخطوة كانت ردّة فعل وأتت بعد التسريبات عن ترشيح سعد الحريري ووليد جنبلاط لسليمان فرنجيّة للرئاسة، لكنّ المعطيات تدلّ على أنّ مبادرة جعجع بالاتّصال بعون قد سبقت ترتيبات الحريري جنبلاط فرنجيّة. كما أنّ هناك فروقات جوهريّة بين المبادرتين أوّلها أنّ اتّصالات جعجع وعون تمّت علانيّة وتخلّلتها جلسات من المباحثات ذات الطابع السياسي، أدّت لتحديد عشر نقاط وثوابت للسياسة المشتركة بين القوات اللبنانية والتيّار العوني، الّتي على الرئيس القادم للبنان الالتزام بها ، بينما في المقابل كانت اجتماعات الحريري جنبلاط فرنجيّة سرّية وذات طابع شخصي غير سياسي، لم يصدر عنها أي بيان أو إعلان سوى تسريبات حول محاولة ترشيح سليمان فرنجيّة للرئاسة، كما أجرى عون وجعجع مؤتمرا صحافيا بمعراب لإعلان الاتّفاق على الطريقة الديمقراطيّة الشفَّافة، تمّ فيها التعرّض للنقاط الرئيسيّة للاتّفاق. 
التيّاران الرئيسيّان لمسيحيّي لبنان هما القوات والتيار الوطني، وعندما يتّفق هذان الطرفان على مرشّح واحد يصبح من الصعب تجاوز هذا الاتّفاق من أي جهة، خصوصا أنّ البطريك الماروني الراعي قد باركه. عدد المقاعد النيابيّة المجرّد لا يكفي لإفشال هذا الاتّفاق فليس من السهل انتخاب شخص للمنصب المسيحي الأوّل في لبنان اعتمادا على أصوات السنّة أو الشيعة أو الدروز، فالأغلبيّة المسيحيّة هي التي من المفروض أن تحدّد من يمثّلها، وقد لجأ المرّشح فرنجيّة للتشكيك بالأغلبيّة المسيحية الداعمة لخصمه اليوم وحليفه بالأمس الجنرال عون، عبر القول بأنّه يحظى بتأييد الأغلبيّة الصامتة، من دون أن نعلم كيف تعرف فرنجيّة على رأي هذه الأغلبية، رغم صمتها. في الحقيقة الكثير من الأطراف السياسيّة اللبنانيّة لم تكن سعيدة بهذه الخطوة، أولّها «حزب الله» فهذا يهدّد بإنهاء الفراغ الرئاسي وتعطيل المؤسّسات الّذي كانت تسمح له بالهيمنة على الدولة، ومن الأمثلة الحديثة 
على هذه السيطرة أن يدين خامنئي الاعتداء على السفارة السعوديّة في طهران، وأن لا يدينها جبران باسيل في اجتماع وزراء الخارجيّة العرب. وفوق ذلك لن يكون «حزب الله» هو صاحب الفضل بوصول عون للرئاسة في حال حدوثها، وبالتالي لن يستطيع إلزام الرئيس باتّباع سياسات محدّدة، ولهذا ساد الارتباك والصمت على «حزب الله» عند الإعلان عن الاتّفاق مع أنّه يؤدّي لوصول مرشّح الحزب نفسه للرئاسة. أمّا من جهة المحور الجديد: الحريري جنبلاط فرنجيّة فخياراتهم ليست جيّدة، لكنّ أسوأها هو تمسّكهم بفرنجيّة كمرشّح لأنّه قد يؤدّي إلى استمرار حالة الفراغ الرئاسي ولكنّهم سيكونون هم المسؤولين عنها هذه المرّة، وسيكونون السبب في إحباط الكثير من اللبنانيّين الّذين شعروا بالسعادة والأمل بعد هذا الإعلان.
عند مشاهدة المؤتمر الصحافي المشترك لعون وجعجع ترى الجنرال عون في طريقه لرئاسة الجمهوريّة اللبنانيّة، كما حلم دائما، كما ترى الحكيم سمير جعجع في طريقه لزعامة المسيحيّين والاستقلاليين اللبنانيّين. 

٭ كاتب سوري

د. عماد بوظو

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية