مرت أربعة عقود بالتمام على أول بيان تأسيسي للمسرح الاحتفالي؛ فقد نشر مجموعة من المسرحيين المغاربة بيانا في أحد أعداد الملحق الثقافي لجريدة «العلم» المغربية سنة 1976 أعلنوا من خلاله الشروع – بعد سلسلة من الدراسات الأكاديمية حول أشكال الركح الثاوية في التراث العربي- في تأصيل نموذج مسرحي خاص بالأدب العربي في أفق إيجاد هوية له تميزه عن الأشكال المتداولة المتناسلة عن نظرية الأدب الغربي.
يقوم هذا المشروع التأصيلي على مفهوم «الفرجة»، والفرجة ركح يمتزج فيه المرح بالنقد والتثقيف، وهو في نظر هؤلاء المؤسسين عمود ما اعتبروه مسرحا فطريا داخل الثقافة العربية كما في التراث المغربي من خلال نموذج الحلقة أو البساط، أو سلطان الطلبة.. أشكال فرجوية يقوم بناؤها الدرامي على التفاعل المباشر بين العارض والجمهور، يتكسر من خلاله ما يصطلح عليه نقاد المسرح بالجدار الرابع.
وهذه المقومات الوظيفية (النقد والتثقيف) والجمالية (المرح والتفاعل المباشر) هي مرتكزات الشكل المقترح الذي عمل عبد الكريم برشيد على بلورته تنظيرا وإبداعا، فيما سماه المسرح الاحتفالي: لوحات فرجوية عامة تتناول هموم الناس وتعالج قضاياهم من خلال الذاكرة ورموزها وحكاياتها المحفورة في الوجدان الشعبي، التي يتم استحضارها أقنعة يتلبسها العارض في أفق استثمار إيحاءاتها لتسريب الحمولة النقدية السياسية أو الاجتماعية إلى ذهن المتلقي، الذي يجد نفسه داخل العرض الاحتفالي مندمجا في الموضوع، مشاركا في العرض بالافتراض والتوقع الدرامي، وبالجدل الذهني الذي يتولد داخله جراء عملية الهدم والبناء التي تمارسها حبكة المسرحية على الحكاية الرمز.
الاحتفالية والملحمية أي علاقة؟
إذا كان المسرح الاحتفالي يشتغل على الذاكرة المشتركة، فإن استدعاءه لها لا يعني نسخها لتشخيصها فوق الركح، كما هي في مرجعها التاريخي الأول، وإنما يستحضرها أقنعة ورموزا لتعيش الحاضر وتعالج هموم الإنسان الآنية. فليس المقصود إذن داخل هذا النمط المسرحي المقترح محاكاة الماضي كما كان، ولا رواية ما كان.. ولكن استحضار الماضي ليعيش الحاضر كما تفصح عنه بوضوح عناوين مؤلفات برشيد: «النمرود في هوليوود»، «امرؤ القيس في باريس»، «ابن الرومي في مدن الصفيح»، «عنترة في المرايا المكسرة»، «عطيل والخيل والبارود»… ومن ثم فالاحتفالية لا تحكي الواقع ولا تسرد التاريخ، وإنما تمزج الزمنين لصنع زمن ثالث لا هو بالماضي ولا هو بالحاضر! تطهير للإنسان المعاصر بالوجدان الجماعي. ولعل المطلع على المسرح الملحمي، كما نظّر له الألماني بيرتولد بريخت (1898-1956) يقف على التشابه البيّن بين النموذجين الاحتفالي والملحمي؛ فنظرية المسرح الملحمي ارتبطت أيضا مع بريخت بالوظيفة الفكرية إلى جانب الفنية: مسرح يسعى إلى إحداث تأثير خاص في الجمهور ليتخذ موقفا خاصا من القضايا السياسية التي تحيط به، ويعتمد من أجل ذلك على وسيلة الحكي بدل التقمص، ويجمع بين المتعة والفائدة، ويجعل من عملية التلقي فعلا واعيا عقلانيا وليس مجرد انفعال… وتعرض المسرحة داخل هذا الشكل موضوعها الدرامي كما لو أنه وقع في الماضي، فيما لا يحفل العرض الملحمي كثيرا بالديكور التقليدي، ويشتغل بدل ذلك باللافتات التي تشير إلى المكان والزمان والحدث. كما يلجأ إلى توظيف الخطاب المباشر مع الجمهور تكسيرا للجدار الرابع.
إن التشابه واضح إذن بين المسرحين الاحتفالي والملحمي على مستوى:1- توظيف التاريخ 2- اتخاذ العرض أداة للتوعية والنقد 3- تجاهل الديكور بشكله الكلاسيكي 4- تكسير الجدار الرابع. يقينا أن عبد الكريم برشيد – المنظر الفعلي للمسرح الاحتفالي- لم يكن غافلا عن النموذج البرختي، بل يمكننا الادعاء بأن الاحتفاء بالأشكال الفطرية للمسرح المغربي وتسليط الضوء على خصائصها الجمالية، في محاولة لاستمداد شكل جديد للركح كان بوحي النظرية المسرحية لبريخت، التي رأى فيها برشيد شيئا مشابها لتراثنا الدرامي. غير أن برشيد لم يقف بعد ذلك عند حدود هذه الملاحظة، بل تجاوزها بصنع وصفة مبتكرة تتقاطع في العمق مع الملحمية والفطرية وتختلف عنهما في الآن نفسه؛ فإذا كان المسرح في شكله الملحمي يستثمر التاريخ فينقل الحاضر ليعيش أجواء الماضي، فإن الاحتفالية تعكس الصورة بنقل الماضي ليعيش هموم الحاضر. وإذا كان المسرح الفطري عروضا عفوية ارتجالية تتوقف على بديهة الممثل في خلق الموقف الدرامي، واستيعاب مفاجآت العرض أمام تدخلات الجمهور في فضاء مفتوح، فإن الممارسة الاحتفالية تقوم على نص مكتوب، وعرض مغلق فوق خشبة بجمهور نوعي منتظر.
بنية الفعل الدرامي
داخل النموذج الاحتفالي
يجري العرض الاحتفالي في عمومه في أجواء النكتة والمرح. ولغة الحوار مشحونة، دائما، بقدر كبير من السخرية والشاعرية، ومحملة بإحالات سياسية واجتماعية تربط المتلقي على الدوام بالرهان التثقيفي للعرض. فيما تنتظم اللوحات الركحية، عادة، عبر ثلاث مراحل نسقية: الأولى مرحلة التقديم، وفيها يحضر السرد أداة أسلوبية مهيمنة تضع المتلقي في أجواء الحكاية. وتنشط في هذه المرحلة الإرشادات السينوغرافية الهجينة (التاريخية والمعاصرة) لتركيز الهوية الاحتفالية للمسرحية. وفي كثير من الأحيان ينطلق العرض بخروج الممثل من بين الجمهور متوجها نحو الخشبة (نموذج ابن دانييل في مسرحية ابن الرومي في مدن الصفيح لعبد الكريم برشيد)، أو باصطناع حوار مباشر بين الممثل والمتفرج على شاكلة فن «الحلقة» استثمارا في المرجع الجمالي للشكل. أما المرحلة الثانية فتهيمن على أفعالها بنية الثبات، بحيث أن الفعل الدرامي داخل اللوحات المعروضة تحتفظ بالمعرفة التي لدى المتلقي حول هوية الرمز المستدعى من عمق الذاكرة. فيما تبدأ هذه الصورة النمطية بالاهتزاز في المرحلة الثالثة عبر تحولات درامية صادمة لأفق انتظار المتفرج عن طريق ثنائية الهدم والبناء، بحيث يتخلى الرمز شيئا فشيئا عن لبوسه القديم ويندمج في هموم الواقع، في حياة أخرى مستفزة للوجدان، جارة الذهن نحو التأمل في مآل الرمز الذي يشكل جزءا عزيزا من هوية المتفرج. فابن الرومي مثلا في مسرحة «ابن الرومي في مدن الصفيح» يتخلى في آخر الحكاية عن صورته النمطية المعهودة (الانطواء، والأنانية، والرهاب الاجتماعي..) التي ثبتها النص في مشاهده الوسطى، ليعانق هموم الجماهير ويدفع بوعيه كمثقف في اتجاه الخلاص الجماعي جوهر فكرة المسرحية.
ماذا بعد أربعين سنة من الاحتفالية؟
شكلت مرحلة السبعينيات والثمانينيات ذروة النجاح للمسرح الاحتفالي، مع ثلة من كبار المخرجين والممثلين كالطيب الصديقي، وعبد الصمد الكنفاوي، وأحمد الطيب العلج.. وهم الرواد الذين راهنوا على خلق تجربة ركحية قومية تستثمر جماليا في التراث العربي، غير أن أعمالا فرجوية «طفيلية» انزاحت بالتجربة نحو الاستعراض والحفلة، وأفرغتها من رهانها البرشيدي الذي أراده مسرحا مشبعا بالبعد النقدي اجتماعيا وسياسيا. فيما نمطية الإخراج والسينوغرافيا حنطت العروض في أشكال رتيبة توقفت معها إمكانات الخلق والتجديد والإبداع. وعلى الرغم من كل ذلك يحق للذاكرة المسرحية العربية الافتخار بأعمال رائدة لهذا التوجه الجمالي في الركح مثلتها أعمال قوية من قبيل: «ديوان سيدي عبد الرحمان المجذوب»، ومسرحية «مقامات بديع الزمان الهمداني»، و«الحـراز»….
كاتب مغربي
مصطفى أمزير