لندن ـ «القدس العربي»: في عدد الأسبوع الماضي من مجلة «إيكونوميست» البريطانية، تحدثت في تقرير لها عن المخاطر التي تواجه إسرائيل من تنظيم «الدولة الإسلامية»، الذي بات يقترب من حدودها على جبهتين من سوريا وسيناء.
وقالت إن الجيش الإسرائيلي يراقب تحركات الناشطين من تنظيم «الدولة» في الجولان السوري، حيث يمكن مشاهدة أفراد «لواء شهداء اليرموك»، الذي يعتبر واحدا من فصائل المعارضة السورية. ويتعامل قادة عسكريون إسرائيليون مع وجود الفصيل على أنه صورة مخففة من تنظيم «الدولة ـ داعش».
ويتراوح تعداد عناصر اللواء بين 600- 1.000. ورغم عدم اقتراب المقاتلين من الحدود الإسرائيلية وانشغالهم بقتال الجيش السوري والفصائل السورية المنافسة لها وتأمين مناطقهم على منحدرات الجولان، إلا أن الإسرائيليين قلقون من محاولة تنظيم «الدولة» التمدد في المنطقة للتعويض عن خسائره بمناطق أخرى من العراق وسوريا، واستخدام اللواء كقاعدة متقدمة من أجل تنفيذ هجمات ضد كل من إسرائيل والأردن.
وحتى الآن لم ينفذ التنظيم أي هجوم على إسرائيل، مع أن قواته لا تبعد سوى 8 كيلومترا عن الحدود الإسرائيلية.
تشديدات أمنية
وكان زعيم التنظيم، أبو بكر البغدادي، قد تحدث في شريط الشهر الماضي عن وصول تنظيم الدولة قريبا إلى فلسطين. وفي كانون الثاني/يناير حذر رئيس هيئة الأركان الإسرائيلي، غادي أزيكنوت، من أن هزيمة التحالف الدولي ضد تنظيم «الدولة» قد يدفع مقاتليه لتحويل بنادقهم ضد إسرائيل والأردن .
وقال: «النجاح ضد تنظيم الدولة قد يجعلهم يحولون فوهات بنادقهم ضدنا وضد الأردنيين». وبدأت القوات الإسرائيلية بتشديد الدفاعات على الحدود السورية، ووضعت أجهزة استشعار، ويقوم جنود من القوات الحدود النظامية بالحراسة -وليس جنود احتياط كما كان عليه الحال سابقا.
وأشارت المجلة إلى ما تعرف بـ «ولاية سيناء»، التي أعلنت ولاءها للتنظيم عام 2014 وتقف وراء تفجير الطائرة الروسية في تشرين الأول/أكتوبر العام الماضي وتخوض تمردا دمويا ضد قوات الأمن المصرية.
وتشير المجلة إلى أن إسرائيل تتعاون مع مصر وتوفر سراً المعلومات للجيش والإستخبارات هناك.
وهناك ملمح ثالث لخوف إسرائيل من تنظيم «الدولة» وهو سفر عدد من المواطنين الفلسطينيين، الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية إلى سوريا، مع أن من قرر الإنضمام لا يتجاوز عددهم عن 50 شخصا.
وقال مسؤول أمن إسرائيلي: «هناك سويديون يقاتلون مع داعش أكثر مما يوجد إسرائيليون». ورغم قدرة القوات الأمنية الإسرائيلية على مراقبة تحركات المواطنين، إلا أن الحذر على الحدود لا يكفي، كما قال الرئيس الإسرائيلي، روفين ريفلين.
قوة «داعش» في الجنوب
وفي هذا السياق أكد تقرير لصحيفة «فايننشال تايمز»، أعده كل من سام جونز وإريكا سولومون، وجود معسكر تدريب أقيم على عجل في جنوب سوريا في نفس الإشارة لـ»لواء شهداء اليرموك».
ونقلت الصحيفة عن عسكري إسرائيلي ودبلوماسيين غربيين وصفهم اللواء بأنه واجهة شبه علنية لتنظيم الدولة الإسلامية.
ويقول مسؤولون إن التدخل الروسي إلى جانب الرئيس السوري، بشار الأسد، غيّر من دينامية الحرب الأهلية السورية وأدى لتقوية الجماعات الجهادية على حساب جماعات المعارضة المعتدلة.
وأضافت الصحيفة أن تزايد حضور «لواء شهداء اليرموك» عند أبواب كل من الأردن وإسرائيل أثار مخاوف المسؤولين في البلدين.
وقد يؤثر على محادثات السلام التي من المتوقع أن تبدأ يوم غد الجمعة في جنيف، حسبما أعلن المبعوث الدولي الخاص، ستيفان دي ميستورا، الذي وجه دعوات للمشاركين يوم الثلاثاء.
وتضيف الصحيفة أن وصول تنظيم «الدولة» إلى الجنوب قد يعرض البلدين لعنف مشابه كذلك الذي تعرضت له تركيا ولبنان على يد انتحاريين تابعين للتنظيم.
وبحسب قيادي بالجيش الإسرائيلي: «ما يثير قلقنا هو أن التدخل الروسي غير من أشكال الهجمات التي يقوم بها داعش».
وأشار إلى أن مقاتلي التنظيم «أصبحوا أقوياء بدرجة كبيرة هناك ولا ينافسهم أحد». وأضاف أن «لواء شهداء اليرموك» لم يقاتل خلال الـ 18 شهرا هي «جبهة النصرة» التي تعتبر الفرع السوري لتنظيم «القاعدة».
ويعتقد أن تنظيم «الدولة» أقام علاقات مع منظمات مقاتلة في الجنوب السوري ومنها «حركة المثنى الإسلامية» التي تنشط قرب درعا والتي يقدر عدد مقاتليها بـ 1.500 مقاتل.
ونقلت الصحيفة عن قيادي عسكري من المعارضة قوله إن الحركة ارتبطت بسلسلة من الاختطافات والاغتيالات الغامضة، مما أثار الشكوك عن خطط لتقديم الولاء إلى تنظيم «الدولة» إن لم تكن قد فعلت هذا.
وقال المسؤول: «لا نستطيع اتهامهم علنا بأنهم داعش، ولكننا عندما نراقب استراتيجيتهم ووسائلهم الأخيرة، نعم نعتقد أنهم داعش».
دور النظام
وترى الصحيفة أن الصفقات التي تعقدها القوات الموالية للأسد والجهاديين، الذين يعملون من مناطق النظام، تزيد من مخاطر تقوية القوى الجهادية في الجنوب.
وتقول إن «الجبهة الجنوبية»، المدعومة من الغرب، راقبت بقلق تعامل النظام مع المتشددين في المناطق حول دمشق، واتفق الطرفان على السماح لأكثر من 3.000 مقاتل من تنظيم «الدولة» بمغادرة أحياء قريبة من العاصمة.
ووافق النظام على نقلهم إلى قرية تدعى بير قصاب جنوب دمشق ومنها يواصلون الرحلة للمناطق التابعة للتنظيم في شرق البلاد.
وتقول «الجبهة الجنوبية» إن طريق بير قصاب يسمح للمقاتلين أيضا بالسير جنوبا عبر اللجاة التي أقام فيها التنظيم قاعدة ضد «الجبهة الجنوبية».
ويرى طلال خلف، قائد الفرقة القبلية في الجبهة الجنوبية، أن فصيلي «المثني» و»شهداء اليرموك» لن يشكلا تهديدا لمجموعته طالما لم يكن لديهما طريقا يتجه شرقا عبر اللجاة.
وقال: «لا يزالان بمثابة خلايا نائمة للتنظيم لأنهما لا يرتبطان بقيادة مركزية، وبدون هذا يعرف قادتهما أنهم لا يستطيعون السيطرة على المنطقة».
ولا ينفي هذا الكلام حقيقة أن كفاءة المقاتلين والعتاد في تطور مستمر. ويضيف خلف أن «اللجاة ستتحول لهدف عسكري رئيسي لقادة تنظيم «الدولة» في الأشهر المقبلة، وهذا يعني أننا بحاجة لتجهيز آلية حقيقية من أجل قتالهم ويجب أن نعد خططا لهذا».
وأصبح الدفاع عن اللجاة صعبا بمرور الوقت بسبب القصف المستمر الذي يقوم به الطيران الروسي وذلك التابع لنظام الأسد.
واستطاعت قوات النظام، مدعومة من الطيران الروسي، إعادة السيطرة على بلدة الشيخ مسكين الاستراتيجية، مما سيعطي الجيش السوري الفرصة لتهديد المعاقل الأخيرة لـ»الجبهة الجنوبية». وبإمكان قوات الأسد الآن أن تضرب خطوط الإمداد وتقسيم المناطق التي تخضع لسيطرة المعارضة الجنوبية وعزلها.
وتضيف الصحيفة أن الأردن وإسرائيل ينظران للتطورات الأخيرة بنوع من القلق، خاصة الدور الروسي في دعم قوات النظام.
وقال مسؤول إن عمان فوجئت عندما وصف دبلوماسي «اتفاقا ضمنيا» من أن موسكو لن تتحرك إلى جانب الحدود الحساسة القريبة من الأردن.
وتعلق الصحيفة بأن قوات الأمن الأردنية تعمل بجهد على تطوير استراتيجية تحفظ مصالح الأردن، وهي منقسمة بين المخابرات التي تريد دعم «الجبهة الجنوبية»، والجيش الأردني الذي يريد إقامة علاقات مع قوات الأسد.
وفي الوقت نفسه تقوم إسرائيل بحشد قواتها ودفاعاتها على المناطق الحدودية.
وحرك الجيش الإسرائيلي لواء عسكريا كاملا نحو الحدود. وتقوم الحكومة الإسرائيلية بمناورات عسكرية لقتال تنظيم «الدولة» خصيصا. ولا يخفي القادة العسكريون الإسرائيليون مخاوفهم، حيث يقولون إن تنظيم «الدولة» يمكنه إرسال شاحنة محملة بالمتفجرات لخرق الدفاعات الإسرائيلية ولن يحتاج مقاتلو التنظيم إلا لدقائق للوصول على دراجاتهم لأقرب قرية إسرائيلية، كما يقول القيادي العسكري الإسرائيلي الذي نقلت عنه الصحيفة.
لعبة حرب
وفي هذا السياق كتب الصحافي الأمريكي، ديفيد إغناطيوس، بصحيفة «واشنطن بوست» عن السبب الذي يجعل من إسرائيل حذرة من تنظيم «الدولة». وحاول تفسير الموقف الإسرائيلي عبر «لعبة/مناورة حرب».
وقال: «دعونا نفترض أن مقاتلي «الدولة» قاموا بهجوم على دوريات الجيش الإسرائيلي قرب الحدود السورية، وحاولوا ولم ينجحوا باختطاف جندي إسرائيلي. وقتلوا أربعة آخرين. وهاجموا في نفس الوقت موقعا عسكريا، وأعلنت «الدولة» سيطرتها على محافظة درعا في جنوب سوريا». والسؤال: كيف سترد إسرائيل واللاعبون الرئيسيون على هذا الوضع؟
ويجيب إغناطيوس: «قاموا بالإنتقام ولكن بطريقة حذرة. فقد حاول اللاعبون، الذين يمثلون إسرائيل والأردن، تجنب معركة ضارية ضد الإرهابيين ولهذا تطلعوا للولايات المتحدة كي تمارس دورا قياديا».
ويشير الكاتب إلى تمرين وهمي أجراه «معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي» وعرضه في مؤتمره السنوي. ويعلق بأن النتيجة للتمرين عكست الواقع المتناقض للحرب ضد تنظيم «الدولة» تتصرف فيه إسرائيل والأردن بنوع من الحذر وضبط النفس لتجنب الانجرار في الحرب الأهلية السورية التي تتسم بالفوضى في وقت تصعد فيه الولايات المتحدة من مشاركتها في هذه الحرب.
ونقل الكاتب عن العميد الجنرال المتقاعد، أصاف أوريون، الذي عمل في وحدة التخطيط التابعة للجيش الإسرائيلي: «نؤمن بأهمية إبعاد إسرائيل عن النزاع». وهو الذي قاد لعبة المحاكاة حيث أظهرت أن إسرائيل انتقمت لقتلاها بدون أن تتورط في شن عمليات عسكرية واسعة.
وبنفس السياق تجنب الجانب الأردني في اللعبة التصعيد. فالأردن لا يريد إرسال قواته إلى سوريا. فالجانب الأردني يخشى من تدفق اللاجئين والخلايا النائمة داخل الأردن.
ويأمل الجانبان الإسرائيلي والأردني أن تعمل القوات المجتمعة السورية والروسية على هزيمة ومنع تنظيم «الدولة» من إيجاد موطىء قدم له في جنوب سوريا.
ويعلق إغناطيوس بأن الأردن وإسرائيل تطلعا لقيادة أمريكية ولكنهما لم يكونا متأكدين من إمكانية الاعتماد عليها.
ويشير هنا للدور الذي لعبه الجنرال المتقاعد، جون آلن، حتى تقاعده من مهمة تنسيق عمليات التحالف ضد تنظيم «الدولة»، مشيرا إلى أن الولايات المتحدة تتعامل مع أمن كل من إسرائيل والأردن كمسألة أمن قومي.
وقال الجنرال ألن إن أمريكا سترسل طائراتها للانتقام حالة تعرضهما لهجوم.
ويشير هنا للدور الذي لعبته أمريكا في اللعبة الوهمية للحرب ضد تنظيم «الدولة»، فهو في الواقع والوهم سيكون في حالة قصر الآخرون بدورهم.
تهديد حقيقي
وبعيدا عن اللعبة الوهمية، يقول إغناطيوس إن هناك إجماعا متزايدا حول تهديد تنظيم «الدولة» للمنطقة والنظام العالمي.
ووصف مسؤول إسرائيلي النزاع مع «الخلافة» بأنه «حرب عالمية ثالثة». ولكن الجميع يريدون التخفي تحت معطف الولايات المتحدة حيث تقوم هذه بالجزء الأكبر من القتال. ويقول الكاتب إن زيارة لمقرات الجيش الإسرائيلي تؤكد أن اللعبة الوهمية تعكس رؤية قادة الجيش الإسرائيلي للنزاع مع تنظيم الدولة. فعوضا عن مهاجمة قوات التنظيم في المناطق الحدودية الجنوبية والشرقية، تعمل إسرائيل من خلال استراتيجية ردع واحتواء بل وتنسيق سري حسبما قال مسؤول عسكري إسرائيلي بارز.
ولاحظ الكاتب قائلا إنه لو أرادت إسرائيل القيام بهجوم بري شامل على «الدولة الإسلامية» في جنوب سوريا وصحراء سيناء فيمكنها أن تسحقهم – الجهاديون- في أربع ساعات، و»لكن ما سيحدث في اليوم التالي»؟.. تساءل العسكري، مضيفا: «في الوقت الحالي، نعتقد أن الوضع سيزداد سوءا، ولهذا نحاول ردعهم».
ويعلق إغناطيوس بأن الولايات المتحدة لا تريد «فتح عش الدبابير من خلال ضرب تنظيم الدولة الإسلامية» وهنا «فهل هناك مدخل محسوب متوفر للولايات المتحدة؟»
ويجيب عدد من المسؤولين الإسرائيلين بلا. ويقولون إن الولايات المتحدة هي قوة عظمى وعليها والحالة هذه قيادة الحرب لهزيمة تنظيم «الدولة».
قواعد اللعبة
ويشير الكاتب إلى أن تيمة مؤتمر «مركز دراسات أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي» كانت تدور حول «قواعد اللعبة المتغيرة» في الشرق الأوسط. فقد عمق تنظيم «الدولة» من حضوره في كل من العراق وسوريا، ويتوسع الآن في عدد من الدول حول العالم.
وفي الوقت نفسه هناك الخطر الإيراني المتصاعد، الدولة الثورية التي لا تزال تستخدم وكلاءها لزعزعة استقرار المنطقة.
ويضاف إلى هذا أن النظام القديم العلماني، الذي مثلته دولة مبارك في مصر والقذافي في ليبيا والأسد في سوريا، قد اهتزت وتهشمت. وفي الوقت الذي يختلف فيه الإسرائيليون في ما بينهم حول كل قضية، إلا أن هناك اتفاقا حول الصورة الإستراتيجية: فتشظي نظام الدولة في الشرق الأوسط يعني حالة دائمة من عدم الإستقرار، ولن تهرب من هذا الوضع لا إسرائيل ولا غيرها.
ومن هنا فيجب التفكير مليا في كيفية خوض حرب يصفها مسؤول إسرائيلي بأنها «في قلب جهاز طرد مركزي».
إبراهيم درويش