اصيلة بين الثابت والمتحول

حجم الخط
0

ما ان يدق آب (اغسطس) الفاتن ولياليه الوردية ابواب مدينة اصيلة حتي تتحول المدينة الي كرنفال سحري، والي قبلة لعشاق الفن والجمال والحوار، ليلمع نجمها مجددا موعده السنوي، وليسمع صوتها مؤكدا علوه الاستثنائي.

انه وقت تجديد الدماء التي امتصتها قسوة الاحد عشر شهرا، وموعد تجفيف الدموع، ومد يد الامل والدخول مرة اخري في لعبة النسيان. هذا هو جوهر التحول الذي يصيب اصيلة عشرين يوما مرة كل حول. ونحن ـ طبعا ـ فخورون وممتنون لكل ما يحدث بها، بل كل المغاربة، ان لم اقل كل العالم، يحترم ويقدر اصيلة في روح موسمها الثقافي ومهرجانها الدولي، وغير خفي علي كل الفاعلين والمشاركين والمواكبين لهذا المهرجان حجم الموعد وعظم المجهود المبذول في سبيله. وليس لنا الا ان نحيي اصيلة وان نقف اجلالا واحتراما لكل الساهرين علي انجاح فعاليات مهرجانها وعلي رأسهم معالي الوزير السيد محمد بن عيسي، الزعيم الروحي والقائد المنظم. ان تصبح اصيلة معهدا للجمال والفن والحوار الهادف شيء يدعو كل سكانها للافتخار بانتمائهم اليها. لكن العين الخبيرة العالمة بخبايا اصيلة، والايادي والعقول المعطلة داخل سجنها، والرؤوس المشتعلة شيبا من هول نوازلها، يعلمون علم اليقين ان ليالي الحزن اكثر بكثير من امسيات الفرح، وساعات الهموم اعتا واقوي من ثواني المرح. قصة اصيلة مع الاحد عشر شهرا كقصة يوسف مع اخوته المتربصين به، لكن وللاسف لا شمس ولا قمر لاصيلة. انها ليست كما تبدو عليه الآن. هي مدينة بسيطة جدا، ان لم اقل حزينة جدا، وحقيقتها لا تبعد كثيرا عن اسوار مدينتها القديمة. ما عليك الا ان تخطو بضع خطوات خارج المركز الضيق المحدود حتي تعانق الهامش الواسع. اما نسيجها الاقتصادي فهو اكثر من هش، ولا يستطيع امتصاص ولو نسبة صغيرة من مجموع عدد معطليها سواء الحاصلين علي شواهد عليا او دنيا او غير الحاصلين علي شواهد. ومظاهر اقتصاد الريع اكثر من متفشية، وكل هذا يجعل جحيم ابواب كل من الهجرة السرية والجريمة والدعارة والاتجار بالمخدرات هي الابواب الاكثر ترحيبا بشباب وشابات وسكان اصيلة. اما علي مستوي الثقافة، هذه الكلمة الصعبة التعريف والمقرونة دائما باسم اصيلة فان الكارثة اجل واعظم. ان غياب الفعل الثقافي والجمعوي الهادف وندرتهما وقت السبات لشيء لا يختلف عليه اثنان، وهو يحمل اكثر من معني. والمصيبة الادهي من هذا ومن ذاك هي غياب المكتبة بالمدينة، فلا مكتبة اهل الدار ـ العامة ـ عادت ولا مكتبة بندر جادت الا توفر اصيلة ولو كتابا واحدا لكل ساكنيها، عيب وظلم ووأد للثقافة. ان الفعل الثقافي الوحيد اللافت ـ كما اسلفنا ـ هو فعل لا يستمر اكثر من عشرين يوما. انه لا يشكل الا قطيعة قصيرة داخل الموت الثقافي الذي تعرفه المدينة. واذا كانت البني الاقتصادية والثقافية في الحضيض، فلنا ان نتخيل الحالة الاجتماعية والنفسية لاهل المدينة. يبقي لغز واحد يجثم علي صدر كل من زار اصيلة قبل من سكنها، وهو غلاء المعيشة وارتفاع الاسعار. ان المجتمع الاصيلي مكون بالاساس من الطبقة الوسطي ـ اذا صح التعبير ـ والكداح والبؤساء والمهمشين. ومع غياب برجوازية قوية، و تربص الفقر والحرمان بفئة كبيرة من المجتمع الاصيلي، فان غلاء الاسعار هو قتل بطيء واجرام شنيع في حق هذا المجتمع المغلوب علي امره. ان اصيلة تحتاج الي مساعدة وفهم اكبر مما يتوفران لدي مسؤوليها، وقبلهما تحتاج الي حسن التدبير والتسيير. فمقومات مدينة فوق العادة موجودة، فضاء سياحي جميل واستثنائي، موقع جغرافي اكثر من ملائم، قرب من قطب اقتصادي مهم ـ طنجة ـ سوق اسبوعي قادر علي لعب دور اكثر فعالية داخل الاقتصاد الاصيلي، محيط مجاور قادر علي استقبال مشاريع صناعية من شأنها امتصاص البطالة، ومعقل ثقافي يحتاج الي تحرير معتقليه. اصيلة تريد روحا خالدة لا جسد عنقاء يبعث من رماده مرة كل سنة. اذا كان المتحول يعكس اشراق اصيلة وسحر ابداعها وقدرتها علي العطاء، فان الثابت هو التهميش والبطالة والغلاء والاهتمام بالحجر قبل البشر. الياس لزعار المغرب6

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية