حول عصر السلطة الخام وأهلها الأمنيين الخُلصاء!

حجم الخط
0

مطاع صفدي

الأصل في السياسة هو رعاية ما يُصطلح عليه بالشأن العام. ومن أهم ما يتميز به الشأن العام هو مدي ما يري الخاصّ نفسه منعكساً فيه. لكن السياسة العربية إجمالاً هي التي تجعل الشأن العام تبعياً للشأن الخاص.

لذلك ينبغي ألا تتمتع مثل هذه السياسة باسمها الذي تدَّعيه، مادام واقعها الفعلي يناقض مضمون الاسم المتعارف عليه كمصطلح راسخ في ثقافة المدنية وتجاربها السياسية الكبري. فمن يراقب آراء الحكام العرب ومواقفهم المعلنة، وهي بالطبع قليلة العدد نسبياً، متلعثمة في التعبير أو ملتبسة في الأداء، فإنه يلاحظ بسهولة تلك الفروق الشاسعة بين الألفاظ ومرجعياتها في الأحداث والوقائع التي تزعم تناولها بالشرح أو التعليل. لكن هؤلاء الحكام سرعان ما يعترضون علي الاتهام بالمراءاة والنفاق مدَّعين أن شعوبهم لا تُحكم بالأفكار، أو أن الرأي العام العربي قد استنفد مرحلة الانسياق وراء الشعارات التي تجمّل نفسها بالأفكار المطلقة عن الحرية والعدالة والمساواة. فإذا كان الأمر كذلك فماذا تبقي للحكام من المبررات لكني يقنعوا (الرعية) بموجبات سلطتهم. أليس الحكم العربي هو السلطة الوحيدة والاستثنائية عن كل ما يعرفه عالم اليوم من أشكالها المتنوعة، التي تجرؤ علي التباهي بأنها إنما تحكم بما يعنيه جوهرها فحسب، وهو كونها قوة سيطرة لا غير. فلن تكون محتاجة إلي أية عوامل إسناد خارجة عن مضمونها الفعلي. فالحكم، بما هو محض سيطرة أولاً، ينبغي له أن يكون سابقاً علي أية تعليلات أو تسويغات تنضاف إليه، وتظل زائدة عن اللزوم. أي أن هذا النوع من الفهم لإشكالية الحكم إنما يرتدّ بالسلطة إلي أكثر أشكالها بدائية إلي آلية السيطرة الخام.

من هنا يتحقق هذا الطلاق المتمادي بين الحكم العربي وأية مخاطبة له بلغة الشرعية والقيم والقانون. إنه الحكم المصاب بالصم الولادي الفطري، عن سماع تلك الألفاظ (الألغاز؟) الواردة إليه من مرجعيات غريبة أصلاً عن سلالته الفطرية وتربيته الأمية. فما بين السيطرة الخام وثقافة الشرعية ليس مجرد افتراق بالدرجة أو حتي بالنوع في سلَّم القيم. هنالك غربة الحضارة نفسها، بكلية تاريخها ومفاهيمها، تفصل بينهما. لكن هذا لا يعني أنه ليس ثمة تآخذ جدلي بين السلطة، كقوة سيطرةٍ خامّ، وبين السلطة الأخري كقوة للشرعية المعقولية باعتبارها أساساً لشرعية القانون. إنه التآخذ الجدلي الذي هو من صنع التقدم الإنساني ككل، كما يتمثل مقياسه الأعلي في إنتاجه لنموذج المجتمع المدني. ففي ظل هذا المجتمع تولد القطبية الأخري الموعودة، قطبية القوة علي الشرعية ضداً علي مؤسسة السلطة القائمة كتجسيد لمبدأ السيطرة الخام، الرافضة لأية حاكمية خارجة علي طبيعتها الغريزية المتوارثة. فلن يعني المجتمع المدني تصوراً طوباوياً يُؤتي به جاهزاً هكذا للتأقلم مع أية كيانية تاريخانية قائمة. فإنَّ له مدخلاً واحداً متآتياً مع اللحظة التقدمية التي تسمح بوضع حاكمية السلطة الخام أو المطلقة موضع المراجعة التفكيكية لبنيتها، والكشف عن محدودية آليتها، وكونها أقرب ما تكون إلي الشأن الخاص؛ بحيث يجري حصارها في الفئة القليلة التي تمارسها، وكأنها حائزة علي وكالة حصرية من قبل الأغلبية. في حين أنه ليس لهذه الأغلبية ثمة صوت حقيقي يُسمي وكلاءَ عنه في مراتب الأمر والنهي. فمن التجني القول أن هناك سياسة عربية قطرية أو قومية. أو أن مسارح السلطة والنفوذ في الدول الموصوفة العربية أو الإسلامية، قد أنجبت شخصيات عامـة بالمعنـي الحقيقـي وليس الاصطلاحي فقط. فإن نظرة يلقيها فرد عادي علي طاقم الحكام العرب وأعوانهم ووكلائهم لا يمكن أن توحي له بصلة ما معينة قد تجمعه مع أحدهم. إنهم مجرد أناس أوجدتهم صدف الفوضي البدائية للمجتمعات المتخلفة، في أعلي مراكز الدولة. وبالطبع لم يصلوا بأية طريقة ديمقراطية سليمة. حتي لو جاء بعضهم بأسلوب انتخابات لن تكون إلاَّ صورية عارضة أو زائفة. كما أن معظم السادة الحاكمين هؤلاء لا يتعدي أحدهم في نطاق المعرفة، مستوي الأمية الثقافية أو أشباهها. فالسلطة الخام يمارسها رجال من خامتها الطبيعية عينها. أي أنهم غير قابلين أصلاً لاكتساب أية مزايا نوعية؛ يتطلبها في الحد الأدني الحكْمُ كوظيفة حرفية، لها مؤهلاتها الخاصة. فهم لا يمتلكونها بالفطرة، ولا هم دارون بها، حتي يصيروا طامحين إلي تحصيلها. الأعباء الهائلة التي تنهال علي عاتق أصحاب الدول العربية – ولْنسمِّهم بهذه الصفة كأصحاب لأنهم حقاً يتصرفون كمالكين لدولهم – لا تتناسب طبعاً مع إمكانياتهم الشخصية. فقبل إخضاعهم لمعايير أخلاقية السياسة، في الوطنية والنزاهة والسيادة، تبرز المعايير الأخري الأكثر واقعية مباشرة، وهي المتعلقة بالجدارة والصلاحة والتأهيل. فقد جرت العادة علي تقييم وطنية الحاكم، ولم تدخل قضية المؤهلات الشخصية في اعتبارات السجال السياسي أو تقييمات الإعلام.

أليس ثمة علاقة ليست وصفية بل بنيوية، بين الإمكان الإنساني للشخص وتصرفاته العامة. كأنما يصنع الكرسي من يجلس عليه، أو كأن المنصب يعيد تكوين صاحبه وليس العكس. لكن هذه الأمثولة لا يمكنها أن ترتفع إلي مستوي مبدأ أخلاقوي في السياسة العملية. فكيف بالنظرية. فما يدعوه الاجتماع النفسي بالمحصلة الشخصية للفرد ينبغي ألا يظل مجهولاً أو مهملاً عندما يتنبه الرأي العام إلي ضرورة اكتشاف من هو الإنسان وراء أقنعة الحكم أو الزعامة. فذلك قد يوفر أسلوباً آخر لفهم بعض استعصاءات الشخصية العربية الحاكمة. وربما ألقي بعض الأضواء علي علل الانكسارات الخطيرة التي تتعرض لها قضايا الشأن العام للشعوب تحت الضغوط الأقوي والمباشرة لنوازع الشأن الخاص المصاب بالتضخم الفارغ، والانسياق الأعمي في تراكمية الخطأ والانحراف. فما تثبته فردنة السلطة إلي ما لا نهاية، ليست هي مؤسسة الديكتاتورية السياسية فحسب، إذ تتعداها إلي ديكتاتورية العجز الفعلي المتفاقم، المتظاهر بالمقدرة والإرادة، لكنه الممعن في تجاهل أعراض عجزه الواقعي، والمتقنع بغرور التسلط الطفولي الذي يصير إلي مستوي عربدات الإجرام الفالت من عقاله والجالب للنكبات الكبري الشاملة.

كان المأثور في الكلام عن الاستبداد العربي أنه هو الشكل الأكثر تخلفاً ورداءةً للديكتاتورية العسكرية، ثم السياسية، وصولاً أخيراً إلي الديكتاتورية الأمنية الملتصقة بالنظام العربي الحاكم ككل؛ لكن، وفي هذه الحالة الراهنة فلن يكون الاستبداد الأمني سوي أعلي تجسيد لديكتاتورية العجز؛ بعد أن كان الاستبدادان السابقان العسكري والأمني، يدعيان رصيداً من القوة والاقتدار، ولو علي المستوي الأيديولوجي فقط. فالمراكز الأمنية هي الأقل من بين سلطات المجتمع المتخلف، تطلباً لتوفر مؤهلات وإمكانيات متقدمة، لدي عناصرها، عدا ما تتمتع به عادةً من آلية التبعية المطلقة لأسيادها، والشراسة المنظمة ضد ضحاياها. فهنالك خاصية شاملة أصبحت تلف أنظمة الحكم العربي جميعها، دون تفريقٍ في الشكل ما بين الملكية والامارة والجمهورية.

فتلك تنويعات أمست مجرد تنويعات في التسمية علي المضمون الواحد الذي هو أمن النظام لا غير. إذ بينما عجزت تيارات النهضة عن تحقيق أية بنية وحدوية قابلة للحياة علي الرغم من كل الجهود الطليعية والجماهيرية الكبري التي حملت ألويتها. فقد كانت النتيجة عكسية تماماً. إذ أن ما توحّد هي أنظمة الحكم، علي عامل واحد هو الهاجس الأمني فحسب، لكنه، في المقياس التاريخي لقانون نشأة الدول وانحلالها، ليس الأمن سوي أضعف الهواجس (الموحدة؟) علي الإطلاق، إذ لن يكون بعده سوي انهيار الكيان نفسه الذي كان من المفترض أن يحفظه. فإذا كان الاستبداد الأمني هو الأخير في تطور صنعه كاستبدادٍ عام، لكنه هو المعبر الأفضح عن النوعية البشرية الرديئة التي آل إليها قانون الاصطفاء النوعي لإنتاج فصيلة السادة الحكام وأعوانهم. وهو ذلك القانون الذي أصابه الانحطاط الجديد بكل أسباب خرابه الذاتي، وتعطيل آليته في مساره الطبيعي، صعوداً من أرضية الهرم الاجتماعي إلي قمته. فالصاعد إلي أعلي، والطافي علي السطح، ليس سوي القش الأخف وزناً؛ والمعدوم كياناً وخصائص. لكنه هو في توالده الهستيري من بعضه، وتشكيله منه وحوله مجتمعاً من الفاسدين والطفيليين والمرتزقة والغوغائيين كنسخة بديلة عن المجتمع الأصلي، المحكوم عليه بالانسحاب من حياته العامة، كيما لا يتبقي من يذكِّر الحكام بثقافة (الشأن العام)، وبالتالي بما يجعلهم دفعةً واحدةً يواجهون حقيقة أنهم يمثلون الردة المشؤومة لحقبة السلطة الخام، لما قبل تاريخها المدني، واستثنائها من ذاكرة الحق وتراكماته المفصلية في نشأة الإنسان وحضارته.

هكذا يتمترس النظام العربي وراء كليانية الاستبداد الأمني، ربما هو الشكل الأخير المتبقي للسلطة الخام، باعتبارها هي الأصل المسلح بعوامل قوته المباشرة. وقد يكون لهذا التطور البائس مبررات كثيرة يدّعيها كالإرهاب الدولي والإقليمي، والمعارضات المحلية، ومؤامرات أهل القصور الحاكمة ضد بعضها. وربما كان التبشير بالصراع المذهبي فاتحة لعصر آخر من كل الصراعات القديمة المعهودة والمستحدثة في سجل المنطقة منذ الحرب الباردة، خاصةً وأن المنطقة تعج بمشاريع حروب آجلة أو عاجلة، أو بأجوائها السياسية والإعلامية علي الأقل. فالدولة الأمنية جاهزة. وهي وحدها ستكون، كما في الماضي، الآخذة بأعباء المرحلة، التي لا يبدو أن العصر العربي سوف يشهد عصراً آخر غير عصرها المؤبد. 9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية