جلبت السنة الميلادية الجديدة معها فرصة لراحة قصيرة لغرض حساب النفس. ولمن ينشغلون بمكانة إسرائيل في الساحة الدولية، فان كثرة أحداث المقاطعة التي تبلغ عنها وسائل الإعلام تستوجب اخذ مثل هذه الراحة في فترات زمنية قصيرة نسبيا. ورغم ذلك، فمن السليم ايضا فحص المواضيع التي لم تصل إلى العناوين الرئيسة بحثا عن ميول قد لا تكون نضجت بعد ولا يزال ممكنا تصميمها.
من ناحية الساحة الدبلوماسية في السياق الإسرائيلي، في الربع الاخير من العام 2015 تجدر الاشارة إلى تعطيل مبادرة العضو غير الدائم في مجلس الامن، نيوزيلندا، التي سعت إلى طرح مسودة قرار على مجلس الامن حول النزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني. ويخضع مدى اشكالية أو منفعة قرار المجلس لإسرائيل للجدال، ولكن الموضوع الهام في هذه القضية هو مجرد احباطها من جانب المعارضة المبدئية للولايات المتحدة. وذلك لان الولايات المتحدة ـ العضو الدائم في مجلس الامن وصاحبة حق الفيتو على قراراته ـ تتخذ خطا دائما ضد إتخاذ قرارات حول النزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني. ومجرد هذه المعرفة هي التي منعت نيوزيلندا من رفع مسودتها للتصويت. ولكن مبادرة نيوزيلندا، إلى جانب مبادرات لدول أخرى لا يطلع عليها الجمهور على الاطلاق بسبب احتمالية اقرارها المتدنية لاجتياز حاجز التصويت، ستكون لها آثار بعيدة المدى لو أن الولايات المتحدة غيرت موقفها منها. ومن السليم اعادة النظر في هذا النهج الذي يتواصل منذ عشرات السنين بسبب خيبة الامل الأمريكية المتعاظمة من السياسة الإسرائيلية. وقد بدت مظاهر خيبة الامل هذه في واشنطن في خطاب وزير الخارجية الأمريكي جون كيري في منتدى سبان في بداية كانون الاول، وفي تل أبيب في تصريحات السفير الأمريكي دان شبيرو في ندوة معهد بحوث الامن القومي الاسبوع الماضي.
موضوع آخر لم يصل إلى العناوين الرئيسة هو أنه في الربع الاخير من العام 2015 سجلت حالة ثالثة رفعها الفلسطينيون إلى محكمة الجنايات الدولية. فقد عقد لقاء بين ابو مازن والمدعية العامة الرئيسة، فاتو بنسودا، ويوجد مكتب المدعية العامة الان في ذروة فحص أولي لاحداث الجرف الصامد، بهدف القول إذا كان هناك مبرر لفتح تحقيق رسمي في جرائم الحرب أو الجرائم ضد الانسانية التي ارتكبت في فلسطين، العضو المراقب في الأمم المتحدة. وفي ختام الفحص الاولي ستقرر المدعية العامة إذا كان هناك اساس للاعتقاد بانه ارتكبت جرائم حرب واذا كانت هناك الشروط الاخرى لاستخدام الصلاحيات، بما في ذلك غياب التحقيقات الصادقة في هذه الجرائم في الدولتين المذكورتين (إسرائيل وفلسطين).
تشهد هذه التطورات على ميلين هامين وثابتين: الاول، الدعم العنيد والنشط لإسرائيل من جانب الولايات المتحدة: ميل يحمي ويحصن إسرائيل من الاملاءات الدولية. والاخر، النشاط العنيد والحثيث من جانب الفلسطينيين لخلق واقع على الارض يصمم ويؤثر على مصيرهم تحت الاحتلال الإسرائيلي المتواصل منذ عشرات السنين ولا يبدو له حل في الافق. والخوف من ضعف الميل الاول وتعزز الميل الثاني ليس مستبعدا. فمن أجل تعزيز دعم الولايات المتحدة لإسرائيل، وضمان استمرار وجودها كدولة ديمقراطية تشكل وطنا قوميا للشعب اليهودي، مطلوب مبادرة إسرائيلية سياسية شاملة لتحريك سياقات ذات مغزى للانفصال عن الفلسطينيين بشكل يحفظ امن إسرائيل من جهة ويسمح باقامة دولة فلسطينية من جهة اخرى. فبعد عشرات السنين من النزاع المستمر والمضرج بالدماء لن يجدي أي شيء أقل من هذا ـ لا ضد انتفاضة السكاكين ولا ضد الميول التي تعتمل تحت السطح ـ حاليا ـ في الساحة الدولية.
معاريف 28/1/2016
ميخال حتوئيل ردوشسكي