كنت أتصفح ديوان الشاعر الدكتور الاستاذ (…) الذي يعد واحدا من أكثر الشعراء العرب عناية بلغة الشعر، فراعني أن أجد محقق الكتاب وهو (…..) كما وضع على غلاف الكتاب قد استخدم لغة لا تصلح حتى لكتابة مقال عن أغنية شعبية. سأستعرض واحدة من أفاعيله هنا، وربما نعود لبعض آخر لاحقا. فلعلّ فيها ما ينفع من يتصدَّى للكتابة والتأليف والتحقيق و(التصنيف):
يقول: (بيد انّ هناك قواسم مشتركة).
وأعرض عن قوله (هناك) لأني لا أدري أين؟ ولا أعرف ما المقصود بها.
وأقول: إن القواسم المشتركة هذه لغة عرفها أهل الحساب والجبر والهندسة، أما استعمالها في مقدمة ديوان شاعر بليغ فصيح فمثله كمثل مؤلف يكتب بحثا عن أسعار النفط والغاز، فيحلل لنا معنَى الدرهم والدينار. أو كلغة المتحذلقين وهم يقولون لنا إن الدرهم (دار همّ)، وإن الدينار (دين النار) كما قرأت في مقالات بعضهم.
ولا أدري كيف أن (دكتورا متخصصا في علوم العربية) تطمح به همته لتحقيق ديوان الشاعر (….) الذي يحتلّ منزلة رفيعة في الفصاحة وفن الشعر وعذوبته، ثم يلجأ إلى (القواسم المشتركة)؟
ومن حقك أن تسألنِي: من أين جاء هذا اللفظ والتركيب؟ ولماذا تنكر على المحقق الحصيف أن يستعمله في مقدمة تحقيق كتاب تراثي؟
فأمّا القَسْم، بفتح القاف، فهو مصدر قسَم الشيء يقسِمه. ومنه القسمة، كما في قولك: إنها قسمة عدل، أو قسمة جَور. فإما القِسْم، بكسر القاف، فالحظّ والنصيب، ومنه القِسمة، أيضا، ولكنْ بمعنَى آخر، كما يُقال لِمَن فاتها الزواج أو تزوجت عبر شبكة المعلومات العنكبوتية مِمّن خيّب ظنها: ذاك هو حظها ونصيبها، وتلك هي قسمتها. لأننا نحب، دائما، أن نلقي اللوم على الأقدار والحظ والقسمة والنصيب!
وإذا ما تعارك الناس ثم جاء من بعد ذلك صُلح ووئام، يقال: حلّت القسّامة بين القوم، وهذا مأخوذ من تغليب الرأي والحكمة.
والقسَم، بفتح السين، اليمين والحلف. وما أكثر المقسمين خداعا للناس.
ومن طريف معانِي هذه اللفظة ودلالاتها، أن العرب وصفوا الرجل الجميل الوسيم بأنه (قسيم) فالقَسام: الجَمال. ووجه مقسّم أي جميل، بمعنَى أنّه متناسق مستبشر، لأن التناسق والجمال بلا استبشار وطلاقة في الوجه ونظرات العيون ينتقلان إلى الدمامة.
وحدثنا الشاعر كعب بن أرقم اليشكري عن امرأته التي كانت تلقاه بوجه مستبشر حين تكون لها حاجة عنده، كأن تحصل على هدية (عيد ميلاد) أو ذكرى (نكبة زواجه منها) ثم تنقلب إلى الضدّ من ذلك بعد تحقيق غايتها، فيقول:
ويوما تُوافينا بوجهٍ مُقَسَّمٍ
كأنْ ظبيةٌ تمشي إلى وارقِ السَّلَمْ
ويوما تريد مالَنا معْ مالِها
فإن لم نُنِلْها لم تُنِمْنا ولم تَنَمْ
ولم تختلف بعض نسوان اليوم عن بعض نسوان الأمس إلا قليلا بحسب ما تنتجه (مدام روشا) أو (ماكس فاكتور) التي تُدخل السرور إلى قلوب المعشوقات والفقر إلى جيوب العاشقين حتى قال أحد الساهرين من القلق:
فواللّه لا أبكي على ساكن الثرى
ولكنّنِي أبكي على المتزوّج
وكل غال يرخص للمرأة القسيمة، أي: الجميلة.
ويطول الحديث عن هذه المادة، ولكننا، ومهما حاولنا استيعابه، فلن نقع على (القواسم المشتركة) ولا (القواسم غير المشتركة). ولا أزعم أن اللفظة مغلوطة، ولكنِّني أقول إنّه جمع (قاسمة) كما تقول: قاطعة وقواطع، وقاطنة (أي ساكنة) وقواطن. هذا هو الوجه اللغوي الوحيد للفظة ومنه نتبيّن امتناع وصفه بالمشترك وغير المشترك.
ومِمّا لا ريب فيه أنْ سيظهر علينا كاتب حصيف آخر ليقول: القاسم المشترك الأعظم، أو الأوسط، أو الأصغر، أو الأعلى، وربّما الأنصى، أيضا.
فكل هذه ألفاظ إن صلحت لدروس الجبر والحساب والهندسة، فلا تصلح للحديث عن شعر أصيل، أو كتاب تراثي عريق، أو في طوايا نصّ إبداعيّ جدير بصفته.
وللّه في خلقه شؤون!
باحث عراقي/ لندن
هادي حسن حمودي