الأدب الإسـلامي: بين الأدلوجة والفن

حجم الخط
2

الأدبُ أدبٌ ، خيط مُشِعٌّ يخرج كشواظ من أعطاف الرؤية والرؤيا، شعاع بنفسجي، بل شعاع بكل ألوان الطيف، ينبثق فجأة- في مثل الحالة الإشراقية، أو الحالة الأليمة المشبعة بالمكابدة، وإطالة النظر في الذات وهي تنوس بين الماضي والحاضر والآتي. وينبجس من عين الشعور، ومسام الأحاسيس، وغلالات الحلم ، ليبني بيتا، حجارته الخيال، وزواياه الجمال، وسقفه الجلال، ومحيطه الحق والإبدال. إبدال بموازاة واقع آسن، طاحن، ينسحق فيه المرء انسحاقا، ويتسلع فيه تسليعا.
لا نسبٌ للأدب إلا اللغة، وتواثب الخيال، وبرية الحرية والانطلاق، كمثل مُهْر ناداه المضمار، وحقول النوار، وأفق لازوردي.. يومض بلا قرار، ويغمز بالزرقة والإخضرار.
لم يعرف تاريخ الأدب العربي، تسمية ‘الأدب الإسلامي’ كدمغة واصفة في كل أطواره وأحقابه الذهبية، وتحولاته المتفردة والتجديدية، إلا في وجازة زمنية انطفأت قبل أن تشتعل. فقد ظل الأدب معنيا بالدرجة الأولى- باللغة والصورة والإيقاع، والتعبير عن روح المرحلة، وغناء المدونة، وتلاقح السياق والمساق. هكذا يعلن الشعر الجاهلي عن نفسه، والشعر الأموي، والشعر العباسي، والشعر الأندلسي والشعر الإحيائي، والشعر الحديث والمعاصر. أما صفاته تلك: (الأموي- العباسي- الأندلسي- الخ)، فَلِدَاعٍ تحقيبي، وَعلَّةٍ ‘إبستمية’ ليس غير. وأما الأغراض، والموضوعات والتيمات، فَحَدِّثْ وَلاَ حَرَجْ : فمن المدح إلى الهجاء ،إلى الغزل،إلى الوصف ، إلى ‘التهتك’ أحيانا، لَما ارتبط بعض الشعر حينا من الدهر- بالموجدة والشغف بالغلمان. ومع إنكار واستهجان ‘المغالاة’ الشعرية، والإغراق في اللهو والتلهية ، من لدن علماء دين وفقهاء ، وهي المغالاة التي رَحّلَت الشعر إلى أنأى الأقاصي، فلقد استمر الشعر سؤالا غنائيا وجوديا منبثقا من الذات، منبجسا من الخيال، يؤثت بالحرية، واقعا مكلسا، ويزركش بالصورة ما يراه قتامة، وَحُنْدُسا ومهاوي.
فتوصيف الأدب ب: ‘الإسلامي، معناه تَدْيِينُه، وإلباسه جُبّة الداعية، ووضع سبحة ‘النظم’ والوعظ في يده، وَقَسْرُهُ على أن يكون ‘بوقا’ زاعقا للدين، ومشروطا -حتما- بالمناسباتية، ومنسلكا في رأسمالية السوق، والبيع والشراء، أي منسلكا ـ بإجمال ـ في العرض والطلب. من هنا، تـفَطّن الأصمعي بنباهة الناقد الحصيف، إلى معاني هذه الحقائق، لَمّا اعتبر أن ‘الشعر شر بابه النكد إذا دخل باب الخير لاَنَ’. ما يعني بتعبير معاصر: تفطن إلى الإيديولوجية والأدلوجة، من خلال قصائد حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، ومن خلال ما يسمى بشعراء الدعوة الإسلامية. فهو رَأَى -ونحن معه- أن شعر ابن ثابت الدعوي، ضَعُفَ وارْتَبك وَنَزَلَ وَهَزَلَ قياسا بشعره أيام الجاهلية. وما يعني ثانية، أن الأصمعي، وَمَنْ لَفَّ لَفّهُ من النقاد واللغويين، انتصر للخيال، للحرية، للغة وهي تحلق عاليا بأجنحة من ضوء وماء، وغضارة ، واخضلال .
تنبغي الإشارة إلى أن ‘فرية’ الأدب الإسلامي، نادى بها السيد قطب، ومصطفى صادق الرافعي في ما كتبوا وَنَظَمُوا، وَدَبَّحُوا. وتبعهم نجيب الكيلاني وغيره كثير، إلى أن طرحت الفكرة على بساط الجد والدعوة، والإيديولوجية العارية في منتصف القرن العشرين، فالْتَأَمَ جَمْعُ الدعاة إلى هكذا ‘أدب’، فيما سموه بـ ‘رابطة الأدب الإسلامي العالمية’. إذ رأوا أن الأدب شعرا ورواية وقصة ومسرحا.. الخ، يجب أن يجسد عواطف الأمة، ومشاعرها وأحاسيسها وتصوراتها للذات الإسلامية، للكون والإنسان والحياة.
ورأوا أنه أدب رَبَّاني يقوم على تصور عَقَدِي ثابت هو : التصور الإسلامي السليم. ألا نقول بعد هذا : إن ‘الأدب الإسلامي’ توصيف إيديولوجي، وقيد حديدي في أقدام الأدب، الذي خُلِق حافيا ليتَحَسَّس رهافة الورد تحت قدميه، أو يتلظى بالجمر وهو يَشْوِي مشط رجليه، ويتألم من أفلاق الزجاج وهي تُدْميه.
الأديب المبدع حُرٌّ.. وحر، وحر.. مطالب بالجميل واللذيذ و الماتع والجيد، وليس مطالبا بالدعوة إلى العمل الصالح، وإرشاد القوم إلى الطريق الأقوم. فهذه أشياء مكانها الدين، والمقالات الدعوية والخطابات الوعظية، والضمير الخلقي العام.
لم يظهر حتى الآن في تقديري- أديب إسلامي كبير، جليل الخطر- إلا ما كان من الشاعر محمد إقبال، غير أن الرؤية الفنية، والخيال المديد، والنفس العلوي، هو ما رفع أدبه وشعره لا تَبَطُّنُهُ الدعوة بحال.
لا يوجد أدب إسلامي ولا أدب مسيحي ولا أدب يهودي، ولا بُوذي ولا زرَادْشْتي.
إنما هناك أدب جيد، وأدب رديء.
لا أخلاق في الفن والأدب، كما لا تهتك فيه ولا خلاعة إذ هو حرية، بيد أنها حرية مسؤولة.
كدت أقول : بدأ الأدب وثنيا وسيظل، أي ‘لا دينيا’ وتلك ميزته وتفرده.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية