مرت ست سنين فقط منذ ليل التاسع من آب (اغسطس) 2001، سار ايهود اولمرت الذي كان رئيس بلدية القدس آنذاك علي رأس عشرات آلاف في مسيرة سيروا حول صهيون وأحيطوا بها حول أسوار البلدة القديمة، وأقسم مع الجمهور المتأثر القسم اليهودي القديم: اذا نسيتك يا قدس فلتنسني يميني، وليلتصق لساني بحلقي اذا لم أذكركِ.
بيّن اولمرت بهدي من اقوال بن غوريون عن القدس في 1948 ان النزول عن الحرم القدسي يُخل بجوهر وجود الدولة. اذا لم يكن لنا حقوق في جبل الهيكل فأين توجد لنا؟ من يتخلي عن جبل الهيكل يقول في واقع الأمر: لا توجد لي حقوق في أي مكان في ارض اسرائيل. من مكان ما هناك استُلّت آنذاك ورقة مطوية وقرأت امرأة ما بصوت مرتعد اربعة أسطر كتبها شاعر القدس يهودا كارني: أمس والي اليوم صباحا/ حملتم اسم القدس ومشعلها/ لا أعلم متي عملتم في الكذب/ أمع القسَم أم مع الخيانة.
لا يمكن أن يُفسر صمت اولمرت اليوم بازاء أنباء عن تنازلات في جبل الهيكل وفي البلدة القديمة في اطار تفاوض في تسوية دائمة مع الفلسطينيين تجري باسمه، علي أنه صفير تهدئة. علي العكس انه يقلق ويثير الخوف العميق.
قبل ست سنين لم يكتفِ الرجل الجالس اليوم في مقعد رئيس حكومة اسرائيل بقسَم الولاء المجدد بازاء باب الأسباط، بل نقل مكتبه الي جوار حائط المبكي. زار كثيرون – زعزعهم امكان تقسيم المدينة وتسليم جبل الهيكل حتي أعماق نفوسهم ـ زاروا آنذاك المكتب المرتجل. كان أحدهم موشيه لندوي، الرئيس المتقاعد للمحكمة العليا، والذي تأثر اولمرت بكلامه تأثرا خاصا. تحدث لندوي عن ضعف الارادة القومية، وعن حيرة، وعن بلبلة وعن إضاعة الطريق. وقد ألح علي أهمية الرموز، والتاريخ والكرامة القومية، وهي أمور يميلون عندنا اليوم الي الاستخفاف بها، ولم يخجل ايضا من ذكر الدموع التي ذرفتها عيناه عندما سمع بُشري أن جبل الهيكل في أيدينا. وبيّن حضرة القاضي قائلا في نظري الصهيونية هي الطموح الي صهيون، وما هي صهيون اذا لم تكن جبل الهيكل، وجبل الزيتون والبلدة القديمة.
ليس التنازل عن القدس التاريخية ومقدساتها، كما أدرك كثيرون أخيار آنذاك، مشروعا ولا اخلاقيا. لا يستطيع قرار كهذا أن يلزم لا دولة اسرائيل ولا الشعب اليهودي كله. اذا كان يعمل من يعمل في هذه الايام من قبل اولمرت، أو بتوجيه منه والعياذ بالله، من اجل تقسيم القدس ومقدساتها من جديد، فانه يفعل ذلك بلا تفويض ويسرق في الأساس رأي سكان الدولة والشعب اليهودي.
ليس اتفاقا أن كتاب الرفض الأشد حزما لخطط ايهود باراك في سنة 2000 لم يمس قضية اخلاء المستوطنات، بل القدس. اعتقد آنذاك أناس مثل رجل القانون مئير روزين الذي كان في الماضي سفير اسرائيل في الولايات المتحدة وفي فرنسا، وموتي اشكنازي مُحدِث حركات الاحتجاج بعد حرب يوم الغفران والعميد (احتياط) ابراهام بار دافيد، الذي كان في الماضي ضابط مدفعية رئيسا، أن من يحاول تسليم القدس سينقض قواعد اللعب الديمقراطية بل سيجعل الاتفاق الذي تقوم عليه دولة اسرائيل ينهار. العشرات الذين وقعوا معهم آنذاك علي كتاب الرفض المنقطع النظير بيّنوا ان قرارا كهذا لن يلزمهم، ولن يلزم دولة اسرائيل والشعب اليهودي كله. هذه الاقوال ذات قوة اليوم ايضا. ليست القدس القديمة ومقدساتها مساحة من الارض فقط. انها تجسيد الحق والعدل اليهوديين، اللذين اشتُق منهما وبُني جميع المشروع الصهيوني. من غيرها سيختل كل شيء، ومن كاولمرت الذي تحدث في ذلك من أعماق قلبه قبل عدة سنين فقط، يعلم ذلك.
نداف شرغايمراسل شؤون القدس والاستيطان(هآرتس) 27/8/2007