اليوم يمر يوم الميلاد الثاني لشليط في الأسر الفلسطيني

حجم الخط
0

أفظع شيء في أمر شليط العلم بأنه يمكن اعادته الي البيت

كان تساحي هنغبي مرة رئيس ديوان رئيس الحكومة اسحق شامير. تُري تلك الفترة الآن مثل ما قبل التاريخ، رغم انها حدثت قبل 15 سنة. هنغبي يذكرها بوضوح. وأكثر من كل شيء يذكر المرات الكثيرة التي كان يدخل فيها مع رئيس الحكومة سيارة الوظيفة، في الطريق الي لقاء أو مناسبة.

يتكرر ذلك في كل مرة، في كل يوم تقريبا، واحيانا أكثر من مرة في اليوم. كان اسحق شامير يغطي نفسه في ركن السيارة ويهمس لنفسه بصوت لا يُسمع تقريبا زوج الكلمات الآتي صعب، صعب. لم يقل شامير هذه الكلمات لهنغبي، ولا للسائق أو الحارس ايضا. قالها لنفسه، من غير أن يلفظها تقريبا، لكن هنغبي سمع. صعب، صعب، كان رئيس الحكومة يتنهد في كل مرة من جديد.

يُعد شامير رجلا قويا. أحد الأقوياء الذين تولوا العمل هنا. جسمانيا ونفسانيا في الأساس. انه صارم جدا. مصنوع من الفولاذ. لكن الأمر كان ما يزال صعبا. يجب أن نتذكر أن ايامه كرئيس حكومة كانت أسهل كثيرا من هذه الايام. كانت المعضلات أبسط. وبدت الحياة أقل خطرا. لكن الأمر كان ما يزال صعبا، صعبا. وكان أصعب من أن يحتمل احيانا.

عندما ننظر في صور جلعاد شليط ندرك مبلغ صعوبة الأمر. صور ولد صغير ومعضلة ما يزال الشيطان لم يخلقها. من منا لا يعرف صورا كهذه. من منا ليست له صور كهذه، أو لأبنائه وأحفاده. صور من الحياة اللينة لوليد حيي، علي الأعشاب في الساحة. الخصل الذهبية لسن الطفولة، في البركة المطاطية في الساحة. أسنان الحليب البارزة للطفولة المبكرة. يوم الميلاد السابع مع كعكة، وشموع وباقة زهر علي الرأس. كرة اللعب البرتقالية في الساحة. قميص ليكرز. محطات حياة لولد يحتفل باليوم الثاني للميلاد علي التوالي في قبو عفن، ومظلم ومعزول، في يد حماس. جندي اسرائيلي حي، خلّف وراءه عائلة نادرة، نبيلة، وعاد في أسره ليكون ذلك الولد، مع الابتسامة الخجلة وحياته المعلقة في المقابل، تهتز بازاء رئيس الحكومة، مُد يدك ومسها.

الأفظع هو نبأ انه يمكن المجيء به الي البيت. يوجد لهذا ثمن. الثمن باهظ، وصعب، ولا يمكن دفعه تقريبا لكنه موجود. بخلاف الغموض الذي يلف رون أراد، وبخلاف عدم اليقين في شأن غولد فاسر وريغف، تمكن اعادة شليط الي البيت. يجب تسريح نحو ألف سجين، منهم قتلة، ويجب خاصة اعطاء حماس خشبة انقاذ، والاعتراف بحقها وبقدرتها علي الحكم، وتمكينها من الحكم والحصول علي اعتراف الشعوب.

هذه هي المعضلة الفظيعة التي تواجه رئيس حكومة في اسرائيل. فمن جهة قطعة من حياة جندي، ومن الجهة الثانية وضع الأمن القومي، والمصالح الرسمية، والدولة والسياسة التي يجب ادارتها هنا. ما الذي سيغلب؟ وكيف يمكن اتخاذ قرار كهذا؟ وكيف يمكن النوم معه؟ يمكن حتي الحصول علي شريط فيديو يُعرّف علي أنه علامة حياة، آخر. تملك حماس شريطا كهذا لكنها تطلب مقابله ثمنا باهظا. هل يُدفع؟ أوَ من اجل الحصول علي مادة تزيد معاناة العائلة، وضغط الجمهور، والمعضلة؟.

من العجيب أنه ما يزال يوجد غير قليل من الناس يتشاجرون علي هذا الحق في المكوث هناك، في المبني الحصين في القدس، وأن يعيشوا هذه المعضلة كل صباح من جديد. هي وكثيرات وغامضات ولا تقل تعقيدا عنها. ماذا يمكن ان يُقال في يوم كهذا، يحتفل فيه جلعاد شليط بيوم ميلاده وينوي فيه ايهود اولمرت وأبو مازن اللقاء في القدس؟ أي نصيحة يمكن التقدم بها؟ لمن الحق في إسداء نصيحة كهذه؟ أو اتخاذ قرار؟.

يتعلق الامر بمن نسأل. اذا سألتم جهات في الجيش الاسرائيلي مثلا فستقول لكم إن الطريقة القديمة والجيدة من الضغط العسكري الشديد، واليومي، الذي يجبي ثمنا دمويا منهم وربما منا ايضا ستُقرب جلعاد شليط من البيت. يستطيع ضغط كهذا أن يحبط المؤتمر السلمي في تشرين الثاني (نوفمبر) وأن يفجر تفجيرا نهائيا آخر احتمال لتقدم ما في الزمن القريب. واذا سألتم الشاباك، ويسأل كثيرون الشاباك اسئلة صعبة في مسألة شليط، فستحصلون علي جواب أشد تعقيدا. كل واحد واجاباته، وكل واحد وحلوله، وبازاء كل ذلك جندي اسرائيلي واحد هناك في قبو مظلم، وعميق، وعفن ومعزول، مقطوعا عن أي صلة بالعالم الخارجي، يعد ايامه وقد لا يكون عالما بأنه يوجد له يوم ميلاد اليوم، أو هل سيفوز بالسنة القادمة.

بن كاسبيتكاتب رئيسي في الصحيفة(معاريف) 28/8/2007

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية