الحنين للأوطان

حجم الخط
0

الحنين… خشوع النفس البشرية وسموها الي اضاءات الحسرة، والخيال، والاماني التي اخضلت عناءً تعانقها، الدموع، والابتهالات، وتضيق الصدور وتشدها اللهفة ما بين تراويح وسكون، وركون، الي عبرات، فنشيج، التفاتات، اطراق في البحث عن وجوه ومعالم عن فضاء رحب وحرية عن تداعيات الزمان هذه المفردة تعيش الناس الاسوياء كقاعدة ثابتة ومقياس صلابة عود المغتربين. وقد وضِّفت في الكثير من الاستعمالات اللغة فهي مشتقة من حنين الناقة الي قُعِدها ومفلاها والطيور الي اوكارها والمواطن والهجرات وقد يكون الحنين داخليا وقد يظهر علي شكل زفرات وعبرات ودموع سواكب وتلعثم واختناق بعبرة تملا الصدور… وقيل: يشتاق المرء الي وطنه كما تشتاق الابل والغنم الي مرابضها، والحنين اشده في الغربة الي الاوطان وقد وصف جل جلاله الحنين الي الاوطان بكلام شامل المعني دقيق القصد بقوله تعالي: ولو انّا كتبنا عليهم ان اقتلوا انفسكم او اخرجوا من دياركم ما فعلوه الاّ قليل منهم… فوصفه تعالي الخروج من الوطن بالقتل.

وقال رسول الله (ص) الخروج عن الوطن عقوبة. وقيل: حب الاوطان عمّرت البلدان. وقد وصف القدماء ذلك بطرق مختلفة فقد قال جالينوس: يتروّح العليل بنسيم ارضه كما تتروح الارض الجدبة ببلل المطر، ولابوقراط قول ايضا يتداوي كل عليل بعقاقير ارضه فانّ الطبيعة تنزع الي غذائها.

وتختلف درجات الحنين من شخص الي آخر، فكثير من الناس لا يأبهون لفراق الوطن ويكون عندهم الامر سيّان ما دام هناك طعام وشراب… ففي السنين الخوالي عندما كانت الدولة تمنح اجازة اجبارية للموظفين يقضونها خارج البلاد، صديق يقول لصديقه (هل تشعر بالحنين الي الوطن؟ فقال له نعم، قال وما سبب ذلك؟ قال: لانّني خلصت فلوسي). وهناك من لا يستطيع الصبر علي فراقه حتي ولو لساعات او لايام فيعود القهقري متفادياً الم الفراق…. واليوم الكثير من ابناء الوطن متغرِّبا عنه ويعيش ضياعا يملأ قلبه حرارات الشوق والتجلّي، ففي كل مرّة اقرأ: (العراق يودعكم) اشعر وكأنّ الارض قد استدارت استدارتها الاولي يوم خلق الله الارض واختار اهلي ليكونوا ملوك الجهات الاربع… واليوم تتقاذفهم بوابات حدود الدول تاركين الأهل والولد تحت رحمة ومزاج حراس البوابات.

والحنين ليس صفة البشر لوحدهم فقد ورد في الاثر حنين الجذع لفراق رسول الله (ص)، وكم هلك اناس من شدة الوجد والغربة وها هي قبورهم تشهد لهم ظلم الانسان لاخيه الانسان، فالحنين وفاء للصبا ومدارج اللهو ووفاء مقدس واجب الدفع حين يدعو الداعي الي دفاعٍ او نصرةٍ او بناء ونرجو من الله مخلصين ان نتوسد ثري البلد اذا جاء الاجل وان ذلك علي الله يسير، وباجابة دعوانا جدير.. وخيرُ ما سمعت من حديث الشعر لاخي الشاعر احمد القيسي وتوكيداً لما سلف:

يا راحل الطير خذ روحي الي وطنيتحت الجنـاح فتيـــــلاً قوته العبُوانثر علي الكرخ موالي علي وجعوالدمع يتلو تراتيلي وينسكـــبُقل للعراق صباح الخير يا وطنـيانّي اذوبُ ومثل الشمع اضطـربُ ُهماً حملناك عشقاً في ضمائرنــاما اروع العهــــد تحنو فوقه الجنــبُ عبيد حسين سعيد[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية