في عمر الثالثة عشرة تغيرت حياتي. صدفة ضيقة شاهدت فيها حفلاً لفرقة «راب» في غزة. كانت الحفلات تقام في القطاع بشكل ضئيل. يكاد يكون الفن معدوماً في هذه البقعة المحكومة بالحصار. لم أكن سوى صبي صغير يحلم بأِشياء خارج السور. أذهب إلى الحفلات التي كان يميزها اختلاط لم نعهده في الاحتفالات العائلية وضمنها. أعجبني يومها نوع الموسيقى، فقررت أن أبدأ بتجربتي.
اشتريت «كراسة» صغيرة وبعض أقلام التلوين، للكتابة. كنت اظن يومها أن الكتابة لا بد أن تأتي بإلهام من الطبيعة، ونحن لم نكن في مكان أخضر. كانت الأبنية متهاكلة والدمار يحيط حيواتنا. صرت أحمل كراستي وأصعد إلى سطح البرج السكني الذي نعيش فيه. حيث تؤلفه مجمعات سكنية ضخمة. اشرد في رحلة صعودي إلى السطح بين خزانات المياه التي تعشش فيها طيور الحمام. وألتقط أصوات جيراننا، مثل لحن موسيقي. التقط كلماتهم وأحاديثهم الضاجة في شقق صغيرة.
لم تنجح تجربتي يومها. فذهبت إلى شاطئ البحر، ولم أذهب إلى المدرسة. هذا الشاطئ الذي لطالما كان ممرنا الوحيد إلى الحياة الخارجية وأجمل ما في القطاع والذي إمتزجت أمواجه بدماء الاطفال المقتولة بغارات اسرائيل. كنت أجلس على رمال البحر أنظر إلى الأمواج. منتظراً إلهامي. لم أنجح أيضاً ولم أكن أعلم بأن كتابة الأغنيات هي تراكم لهذه التجارب والأصوات.
سنوات مضت مترافقة بعشرات العروض والتجارب الصعبة التي مررت بها في مكان لا تتوفر فيه أدنى سبل العيش. فمنذ بدأ الحصار القسري على غزة ومع إنقطاع التيار الكهربائي وغياب أدنى شروط الحياة، زاد تصميمي على الحلم. وفي مكان قصي في داخلي، كنت أحلم أني أشبه «ايمنم»، الذي كنت استمع اليه خلسة، حين كان رفاقي يرددون أناشيد الجهاد والنضال.
كنت أجمع مصروفي لشهور متتالية كي أقوم بتسجيل عمل لي، في أحد استديوهات القطاع المجهولة. أنتظر الأعياد حيث اراكم ما يعطيني إياه إخوتي وأهلي وأذهب مباشرة لأسجل أغنية لا تحصل سوى على اهتمام عشرات المستمعين، الذين يغامرون بالاستماع إلى هذا النوع غير المألوف حينها. لم أكن أعتبر نفسي فناناً حيث أن المجتمع الفلسطيني يعامل هذا الفن بطريقة غريبة، وفيها بعض الاحتقار والنظرة الدونية. فأي مهنة ممكن أن تعد «محترمة» الا الفن. فهي النقص بذاته بحسبهم. يقللون من أي جهد يبذله أحدنا فيه.
اتهمت مراراً بأني أضيع أولاد جيلي ومن هم اصغر منا، وأدعوهم إلى تبذير الوقت بأفكار الحب والموسيقى. هذه الجريمة التي دفعت ثمنها خلال كل السنوات التي قضيتها محوطاً بإنتقادات لاذعة. أطلق عليّ وعلى رفاقي صفة «عبدة الشياطين»، والكفرة. وإستمر اتهامنا أمام الأهل ومنعنا من الغناء في الشوارع، لأننا فقط لا نمثل أي نوع من الفنون بل «نحن مقلدون للغرب».
بقيت فرق «الراب» وحدها من ينتج الموسيقى لفترة طويلة في غزة، في ظل سيطرة العقل الديني في القطاع والتدين. كنت أعتقد أن مشكلة الناس تتمحور حول «الراب»، كونه بالنسبة اليهم «فنا سيئا»، ولكن بعد نشأة العديد من الفرق الموسيقية كفرق الـ»روك إند رول»، والفرق الفنية المسرحية التي أُهْمِلَت كما أُهمِلنا في البداية وحتى الآن، أيقنت أن ليس للموسيقى مكان هنا.
أعترف اني حاولت كثيراً. عشر سنوات قضيتها ما بين التحقير واللامبالاة والمحاربة. إختصرت كلماتي لعدم إستعياب الكلمات ما يواجهه الفنان الغزي كل يوم. ألفت عشرات الأعمال الموسيقية التي إنتشرت على مستوى عربي وعالمي، عبر «يوتيوب»، وفي صفحات مواقع التواصل، و»ساوند كلوود». شاركت في كل العروض، وعلى خشبات الفنادق والمسارح وفي مناسبات الأعياد والقضايا التي يعيشها الشعب الفلسطيني، لكن لا أمل لي هنا. أقوم الآن بخطوتي الأخيرة، الخطوة رقم «23»، وربما تكون خطوتي اللاحقة خارج القطاع.
مغني راب فلسطيني
ابراهيم غنيم (إم سي غزة)