ربما كانت كتابات السيرة الذاتية نوعًا من الكتابة السردية، يجذب القارئ إليه، وربما بحث عنه القارئ الذي يريد أن يفيد من تجارب الآخرين، سواء أكانوا أدباء أم فنانين، أم سياسيين أم غيرهم.
إذ هناك من يكتب سيرته الذاتية بحثًا عن شهرة وذيوع صيت لما قد تتضمنه سيرته من أحداث ومشاهد مسكوت عنها ويقوم هو بتعريتها للجميع، وهناك من يكتبها ولا هدف له سوى أن يبوح بما في جعبته ليتخلص مما قد يجثم على صدره جراء كتمانها، وهناك من يكتبها لينقل تجربته الشخصية، إنسانية كانت أم إبداعية، ليفيد منها الآخرون.
شاعر متفرد ومتمرد
في مقدمته للسيرة الذاتية للشاعر الروسي يفغيني يفتوشينكو، التي صدرت عن دار رؤية للنشر والتوزيع تحت عنوان «العمق الرمادي.. سيرة ذاتية مبكرة»، يقول المترجم إدريس الملياني، إن يفغيني يفتوشينكو ليس غريبًا عن المشهد العربي، فهو معروف لدى القارئ العربي، ولو سماعًا، كأحد أهم شعراء روسيا الكبار، وألمع شعراء العالم المعاصرين. لقد تُرجمت أشعاره إلى لغات كثيرة، واستمعتْ إليه جماهير غفيرة أثناء تجواله في خريطة العالم والشعر، وتناقلت آراءه وكالات الأنباء باعتباره شاعرًا كبيرًا، وذا جرأة على الجهر بما كان مسكوتًا عنه في مجتمعه الاشتراكي، إلى حد أنه قُدم في الغرب بصورة مخالفة لوجهه الحقيقي، أنكرها هو نفسه حين قال: يريدون أن يجعلوا مني شخصية مستقلة منفصلة، فيما يبدو كبقعة مضيئة عن العمق الرمادي للمجتمع السوفييتي.
الملياني يضيف كذلك أن يفغيني يفتوشينكو استطاع فعلًا كشاعر متفرد ومتمرد أن يحافظ على شخصية خاصة، وأن يعبر في الوقت ذاته «عما هو مشترك بين جميع الناس»، وأن «ينقل في قصائده أنفاس الآخرين». ولكن «من دون أن ينفي أناه» في الحياة كما في الكتابة. الملياني يرى أن يفغيني يفتوشينكو أحيا في ذاكرة الناس صورة سلفه ماياكوفسكي، بقامته الشعرية المديدة والعملاقة ونظرته الثورية الحادة، وقدرته الفنية المذهلة على تحدي الذوق العام المتخم بالبالي من التقاليد التي تكبح جماح القصيدة العنيدة عن الانطلاق في سهوب الإبداع الخلّاق التي ليس لها تخوم. لم يكتفِ يفغيني يفتوشينكو بهذا، بل له جولات وصولات في السجال النقدي والصحافي، والنزال الثقافي والنضال السياسي، كثيرًا ما كانت تثير زوبعة من الجدال الذي لا يهدأ له أوار. أيضًا دخل يفغيني يفتوشينكو إلى أضواء الشاشة الكبيرة كنجم سينمائي، وكان على وشك أن يصير نجمًا رياضيًّا في كرة القدم كحارس مرمى.
غربة الشعراء
كان يفغيني يفتوشينكو يُعد، مثلما يذكر الملياني، في وقت من الأوقات، الصوت الجديد والعنيد في عموم الاتحاد السوفيتي والعالم، ولو قيل عنه إنه ملأ الدنيا وشغل الناس، ما كان في هذا مجازفة أو تهويل. هذا ويأسف الملياني أن تصل شهرة يفغيني يفتوشينكو إلى الوطن العربي منذ سنوات طويلة ولا تُترجم أشعاره إلى العربية إلا في عام 1970.
كذلك يعبّر الملياني عن حزنه العميق، إذ زار يفغيني يفتوشينكو هذا الشاعر الكبير المغرب، غير أن قليلين هم من حضروا أمسيته في ضيافة لا تليق بمقام شاعر كبير مثله، إنها غربة الشعراء تحت كل سماء، كما يقول الملياني. والسبب هو أن الشعر، وإن كان قرين الغناء، لا يحظى في الوطن العربي بالحفلات الباذخة التي تُنظم في أفخم الفنادق وأكبر الملاعب الرياضية على شرف أهل الطرب السائحين الأقارب والأجانب والمطربات السائحات، لأن الشعر لا يدر، على قائله وقارئه، غير الحزن والخيبة والغربة والمرارة. الملياني يصف سيرة يفغيني يفتوشينكو بأنها سيرتنا نحن، إذ تجيب عن كثير من قضايانا الثقافية – السياسية التي يحبل بها ماضي أيامنا الآتية ومستقبل أحلامنا الماضية. أما يفغيني يفتوشينكو فيقول في سيرته إن سيرة الشاعر الذاتية هي قصائده، أما ما عدا ذلك فليس سوى تعليق.
ومن واجب الشاعر أن يقدم لقرائه مشاعره وأعماله وأفكاره على راحة اليد، وعليه، كي يحظى بإمكانية التعبير عن حقيقة الآخرين، أن يدفع الثمن: بالكشف عن حقيقته دونما رحمة أو شفقة. كما يرى يفغيني يفتوشينكو أن الشاعر لا يحق له أن يخادع، ومهما حاول أن يزاوج في شخصيته بين الإنسان الحقيقي والإنسان الذي يعبّر عنه فلابد أن ينتهي إلى العقم. يفغيني يفتوشينكو يتساءل: لماذا وافقتُ على كتابة هذه التجربة عن سيرتي الذاتية؟ ويجيب: لأن القصائد تُترجم بشكل رديء ولأنه، في الغرب، بدلا من معرفة إنتاجي، تُعرف بعض المقالات التي تعطي عني صورة مخالفة كثيرًا للواقع، إلى جانب هذا يعتقد أنه ينبغي أن تكون للشاعر شخصية خاصة، محددة جدا، لكي يتمكن من التعبير في إنتاجه عما هو مشترك بين كثير من الناس، وطموحه كشاعر لا يتعدى هذا.
الغراب الأبيض
يفغيني يفتوشينكو يذكر في سيرته أنه ولد في الثامن عشر من يوليو/تموز 1933 في محطة سيبيرية صغيرة ونائية تسمى زيما قرب بحيرة بايكال، فيما تنحدر عائلته من أصل أوكراني، وكانت الثورة هي دينها وديدنها. كان يفغيني يفتوشينكو يذهب مع أبيه وأمه إلى التظاهرات العُمّالية في الساحة الحمراء، وكان يطلب من أبيه أن يرفعه عاليًا ليتمكن من رؤية ستالين، كان يُلوّح برايته الحمراء الصغيرة فوق الجمهور الغفير، وهو يتخيل أن ستالين يرد عليه وينظر إليه شخصيًّا. يذكر أيضًا في سيرته أنه في رحلة «البيريجيب» عاش أبناء المثقفين مثل أبيه حياة قاسية، كانوا بمثابة الغراب الأبيض وسط رفاقهم البروليتاريين مُراقَبين ومحروسين. فيما يصف أباه بأنه كان يمتاز بذاكرة قوية، يحفظ عن ظهر قلب العديد من القصائد ويجيد قراءتها وإلقاءها، وكان يحب كثيرًا ليرمونتوف وغوته وإدغار آلان بو وكيبلنغ.
لقد تعلّم يفغيني يفتوشينكو بفضل أبيه القراءة والقراءة في سن السادسة، وكان يقرأ وهو في الثامنة كُتب دوماس، فلوبير، شيللر، بلزاك، دانتي، موباسان، تولستوي، بوكاش، شكسبير وغيرهم. لقد عاش، مثلما يقول، في عالم من الأوهام لا يرى شيئًا أو أحدًا من حوله، بل ولم ينتبه حتى إلى أن أباه وأمه قد افترقا من قبل وأنهما يخفيان عنه ذلك. يذكر يفغيني يفتوشينكو أنه بدأ الكتابة في البداية نثرًا، وكان وقتها الحصول على الورق صعبًا، حتى وصل به الحال إلى أن يختلس من جدته مجلدين من أعمال ماركس وإنجلز ليكتب في فراغهما رواية، وحين اكتشفت جدته ذلك قالت له مداعبة إياه: الآن.. ستظل طوال حياتك ماركسيًّا مقتنعًا، ويبدو له أن جدته لم تخطئ.
عداء الألمان
يفغيني يفتوشينكو يعترف في سيرته التي بين أيدينا الآن، رغم أنه كان يبكي من أجل الحيوانات، إلا أنه كان يفرح بسماعه أخبارا عن قتل الجيش الأحمر للألمان، إذ لم يكن يتخيل أن الألمان كالبشر، بل كانوا شيئًا آخر: كانوا أعداء. كذلك يعترف بأن الشارع كان مدرسته الوحيدة، علّمه أن يجدّف، يدخن، يبصق من بين أسنانه ببراعة، وأن يجعل قبضتي يديه في حالة استنفار دائم. وهذه العادة الأخيرة ظلت تلازمه مدى الحياة. لقد علمه الشارع أن الأساس في الحياة هو أن يقهر بداخله الخوف من الأقوياء.
يحكي يفغيني يفتوشينكو موقفًا حدث له مع شخص يُدعى الأزعر، ضربه ذات يوم واستعد هو جيدًا ليضربه، فيقول: ومنذ تجربتي مع الأزعر وأنا أعرف أنه لكي يكون المرء شاعرًا لا يكفي أن يكتب قصائد، بل ينبغي له أن يكون قادرًا على الدفاع عنها. هذا ولا يتبقى إلا أن أقول إن هذه السيرة هي كتابة ممتعة بحق بما تحتوي عليه من تفاصيل حياتية عامة وخاصة، فهي لا تجعل القارئ يعيش تجربة شاعر كبير وحسب، بل تضعه في قلب تجربة مجتمع بأكمله، لم يكن الشاعر سوى مرآة له، وكانت قصائده صدًى لما يحدث على أراضيه.
كاتب مصري
عاطف محمد عبد المجيد