المدينة، العين، الفاجعة

حجم الخط
0

أمجد ناصر

لا أتذكر، بالضبط، من هو الذي لاحظ أن بيروت لم تكتب قصيدتها إلاَّ مع غير اللبنانيين. أظن أن تلك الملاحظة انبثقت في أعقاب نشر محمود درويش قصيدته الشهيرة عن المدينة. كان درويش ما يزال في خضمّ بيروت عندما رفعها علي أكتاف غنائيته المتدفقة خيمة أخيرة للاجئين اليها (ليسوا بالضرورة فلسطينيين ولا يتعلق الأمر بالانروا!) من انحاء الداخل العربي القريبة والبعيدة، ونجمة أخيرة لعُصاة وضالين تحت سماء بلا علامة فارقة. لا جديد في مجاز الخيمة ومجاز النجمة، فالخيمة تأوي وتظلل، والنجمة تضيء وتهدي. الجديد هو جهة المجاز وقصده، والجديد هو ذلك الغناء الذي يتوج الفاجعة تاجا من شوك علي رأس بيروت، ويستشرف فواجع قادمة هي من أقدار هذه المدينة التي لا تبدو، وهلة اولي، فضاء (طبيعيا) للتراجيديا، ولكنها جعلت التراجيديا من حواضر البيت. وفواجع بيروت، لأمر ما، تحل صيفا. لبيروت موعد ثابت مع الصيف. وصيف بيروت لا يتأخر، ولا تتأخر فاكهته المريرة. لست متابعا جيدا للرواية اللبنانية. لكنها قد تكون كتبت بيروت. لا بد أنها فعلت ذلك، مع الياس خوري مبكرا (الجبل الصغير)، مع حسن داود، رشيد الضعيف، محمد أبي سمرا، حنان الشيخ، علوية صبح، سامر أبو هواش، شارل شهوان، ربيع جابر، وغيرهم ممن لم أتابع نتاجهم. لا أدري لِمَ ظل الشعر اللبناني ابن الاطراف، فيما تذهب الرواية الي المركز. هل لأن الرواية ابنة المدينة وصراعاتها المحتدمة فيما الشعر ابن مكان الشاعر الأول. ابن خطوته التي خلفها وراءه. هل هذه القسمة صحيحة أصلا؟ هل هذا هو الفارق، حقا، بين نثر الرواية العريض وتوتر الشعر وكثافاته العسيرة؟ لا أعرف فعلا. لكني أعرف أن شعراء لبنان ليسوا بيروتيين. معظهم قادم من الريف أو الجبل. الروائيون كذلك. فالأسماء التي ذكرتها لها نسب في الجنوب والجبل والشمال، ربما، باستثناء الياس خوري ابن الاشرفية. وهذه ليست من أعمال قلب بيروت بقدر ما هي من ضواحيها. بيروت مكان ائتلافٍ وجَمْعٍ. أهلها الاصليون أرباب تجارة وحِرَفٍ ومال. ولعل كل العواصم كذلك، خصوصا، عندما تشفط الخير العام بخراطيم صناعتها وبنوكها ومراكزها التجارية وتحتكر صناعة القوة والنظام من خلال أختامها وطوابعها وثكنات أمنها وموثقي عقودها ومعاملاتها.

بيروت استثارت الكتابة عند العرب أكثر مما فعلته عند اللبنانيين، ربما لأن أهل بيروت يعيشونها، سراء وضراء، فيما العرب يرونها مدينة لا تشبه مدنهم المتثائبة التي تنام بعد صلاة العشاء. ربما لأن بيروت استطاعت (او فُرضَ عليها) جمع المتناقضات والتعايش معها.. بل وتحويلها، بما يشبه الاستحالة، الي طراز حياة ونمط عيش. قولوا لي: علي أرض أي مدينة عربية يمكن أن يوجد، في اللحظة نفسها، حسن نصر الله وهيفاء وهبي؟

ليس هذا ما يقوله الشاعر والكاتب اللبناني الشاب بلال خبيز في كتابه (اللحظة التي تفتح فيها عينيك هي لحظة الفاجعة). أولا الكتاب ليس شعرا ولا رواية، بل هو أقرب الي التأمل في النسيج الاجتماعي، العمران، طرز العيش، الصور النمطية وأخيرا أحلام المقيمين في المكان، بلغة لا تغيب عنها لغة الشاعر ومجازاته. للكتاب مناسبة، هي العدوان الاسرائيلي الأخير علي لبنان، لكن الكتاب يذهب أبعد من المناسبة، أو لنقل انه يتخذ من المناسبة اطلالة علي المدينة وانصابها الحجرية ومطامح بعض نخبتها (من خلال نموذج الوسط التجاري)، وتهميش كثرتها في الضواحي، وتقاطر المتضامنين مع اللبنانيين في مصابهم وتأبيد لحظة الفاجعة في صور نموذجية.

هذا يبدو طموحا كبيرا لكتاب صغير الحجم. لكن الكتاب لا يقدم نفسه لنا هكذا. هذا ما نستخلصه نحن من عناوين وموضوعات متشعبة ولكنها، مع ذلك، محكمة السياق كنص أدبي.

لبيروت مركز الثقل في كتاب بلال خبيز. يبدأ من الوسط التجاري الذي يقع في قلب بيروت (هنا والآن) ولكنه يبدو، في (غنجه)وترفعه ومطامحه، كأنه ليس جزءا من بيروت.. في الأقل الآن. لأن بيروت (الآن) لم تنجز وضعا كفيلا بجعله ينتمي، بالفعل، الي زمنها الحاضر. لذلك يصفه خبيز بانه ينتمي الي (بيروت الغد). هل يعني هذا ان الوسط التجاري هو المستقبل الذي لم تدركه بيروت التي تقع علي اطرافه؟ ليس هذا مؤكدا. لماذا؟

لأن وسط المدينة يبدو كـ (ديزني لاند)، والتعبير للكاتب. (ديزني لاند) ليست أرضا حقيقية، إنها مكان لعب وحلم. والناس لا تنام وتأكل وتتنفس وتتكاثر في أمكنة اللعب والحلم. الناس تزور (ديزني لاند) لكنها لا تقيم فيها ولا تحيا حياتها، إذ سرعان ما تعود، بعد نهاية الزيارة، الي (أرضها) الحقيقية: الواقع. فكيف يمكن لوسط البلد، باعتباره حلما مستقبليا أو واقعا مرجأ، أن ينجز (حقيقته) و(واقعيته) ما دامت طلقة في الجنوب قادرة علي جعله يهتز؟

وفي اطار (صورتنا) عن بيروت، يجدر بنا، نحن الذين نقيم في الخارج، أن نصغي الي صوت بلال خبيز (وغيره من أبناء المكان). فهو يقدم صورة غير تلك التي يكونها التلفزيون والفيديو كليب وصحف المنوعات وسطحية مرويات (السائحين) والمتضامنين وشعريات النضال. لم يفهم كثير من القراء كتابات عناية جابر عن بيروت. ظنوها تتحدث عن مدينة اخري. فلم تتطابق صورتها التي تقدمها عناية، في هذا الحيز نفسه من الجريدة، مع الصورة التي أنشأها الخطاب (النضالي) او السياحي اللبناني والعربي عنها. فكيف يمكن لبيروت أن تكون كئيبة ومرهقة ومثيرة للأعصاب، ولا تدري أين هي تذهب، فيما صورتها عندنا غير ذلك: مدينة زاهية، مثيرة، لا تتوقف عن اصدار الكتب، والعروض الفنية، تغني عندما يحين موعد الغناء وتنتضي البندقية عندما يحين أوان القتال!

لا تشبه بيروت هذه بيروت التي يتأمل اقدارها اليومية بلال خبيز في كتابه الجميل والجارح معا. كتاب قاس، خصوصا، في نقد الصورة الشائعة عن المدينة في عين (الآخر). الآخر المطلق (الاجنبي) والآخر النسبي (العربي)، ولكنها قسوة، او أنة، ابناء الجرح، المكتوين بالنار، الذين تنمطهم الصورة في اطار يتأبدون فيه. هل يدعونا هذا الي عدم الكتابة عن بيروت ما دمنا لسنا من اهلها؟

لا اظن. فلا احد بمقدوره منعنا عن انشاء صورة لتلك المدينة في اذهاننا، ولكن كي تكون هذه الصورة قريبة من حقيقة المدينة عليها ان تكون اكثر حذرا تجاه (التنميط)، وربما عليها ان لا تسقط رغباتنا الفكرية والحسية وهلاوسنا السياسية عليها. فبيروت، بعد كل شيء، ليست (هانوي)، ولا هي بنك او ملهي ليلي، انها مدينة تحاول ان تتخفف من رهاناتنا عليها كرافعة لا تكل لعبء تاريخي.. هو، بدوره، لا يتغير.

مدينة تريد ان ترتاح قليلا، وربما ان تأوي الي النوم!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية