سافرت الى بيروت مغرب يوم الاربعاء الماضي 15/5/2013، لحضور ، الذي انعقد في بيروت يومي 17 و16/5/2013، بحضور مجموعة من رجال الفكر والاصلاح من شتى أنحاء العالم. عقد المؤتمر تحت إشراف لجنة المساعي الحميدة التي انبثقت عن المؤتمر السادس والعشرين للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية. درس المؤتمر أوراق العمل المقدمة، وسنحت الفرصة لمشاركة جميع الحضور مشاركة فاعلة، لحسن الاعداد والادارة وتهيئة المناخ المناسب، لعمل هذه اللجنة، التي ندعو لها بالتوفيق ولسعيها بالنجاح. عدت يوم السبت 19/5 ظهرا، وكان كل شيء ميسرا في مطار القاهرة حتى الجوازات وكشوف الأمن، ولكن أفسد ذلك التيسير طول الانتظار لاستلام الحقائب، رغم أن المطار لم يكن مزدحما. كانت هناك طائرتان فقط صغيرتان، من بيروت ومن بنغازي، حتى سمعت أحدهما يقول لصاحبه مع طول الانتظار: قلت لك بلاش من القاهرة، كانت تلك الكلمات الحادة كالخنجر. لماذا نسيء إلى مصر وسمعة مصر وسياحة مصر، ونفسد جمالها حتى يكرهها بعض السياح؟
على أية حال، عقد المؤتمر في بيروت ثلاث جلسات، جلستان يوم الخميس وجلسة ثالثة ختامية يوم الجمعة، كل جلسة ثلاث ساعات ونصف الساعة مع الراحة في المنتصف، مما أتاح وقتا كافيا للحوار الحر بين أعضاء المؤتمر خارج نطاق الجلسات الرسمية، مما يساعد على التفاهم والتقارب..
اعتمد المؤتمر النظام الأساسي للجنة المساعي الحميدة، الذي أوضح في مادتيه الأولى والثانية أنها تضم كوكبة من علماء الأمة ومفكريها من شتى المذاهب الاسلامية في أنحاء العالم، ممن يؤمنون بفكرة وبمشروع التقريب ويسعون لإيجاد حلول بناءة لأزمات العالم الاسلامي. تتشكل لجنة المساعي الحميدة من 50 شخصية تمثل مختلف المذاهب، ممن لهم خبرة في شؤون العالم الاسلامي، ومعرفة تامة بمشاكلها والتحديات التي يواجهها. ويدخل هذا ضمن الاهتمام بمشاكل العالم الاسلامي وتقديم حلول مقبولة لأزماته.
يشمل عمل اللجنة مواجهة إفساد التيارات التكفرية، والدعوات الهدامة، والدعوات المعادية للاسلام الوسطي، وعلى الأقل تهدئة النزاعات المذهبية والطائفية، انطلاقا من وسطية الاسلام، واستعانة بجميع الوسائل المتاحة. ومما لاشك فيه أن حل بعض النزاعات يحتاج الى لجان خاصة للتوفيق أو التحكيم نزوعا لحل المشكلة.
ومن الرسائل المهمة لجمع العلماء حول هذه القضية الصعب في هذه الظروف التي تعيشها الأمة، أرسل الأمين العام لمجمع التقريب بين المذاهب الاسلامية، رسالة الى سماحة الشيخ العلامة القرضاوي، نقتبس منها هاتين الفقرتين، إذ جاء في الفقرة الأولى: ‘انني وباسم مجمع التقريب بين المذاهب الاسلامية اناشدك بالله يا شيخنا أن تعود الى سيرتك الماضية الحسنى، في حمل لواء التقريب والوحدة بين المسلمين، سنة وشيعة وعربا واكرادا وغيرهم، وأن تحذر مؤامرات الاعداء الذين يريدون السوء بالمسلمين، وألا تصغي الى ما ينسجه الشياطين من اكاذيب وافتراءات يراد لها ان تمزق شمل المسلمين وتهييج بعضهم على بعض، واثارة الفتن بين طوائف المسلمين وفئاتهم’ .
وجاء في الفقرة الأخرى’ ان مجمع التقريب بين المذاهب الاسلامية يعلن استعداده لبذل قصارى الجهد، وبالتعاون مع فضيلتكم، ومن تشاؤون من علماء الاسلام وأهل الكلمة النافذة من شخصياتهم ووجهائهم، من اجل تقريب وجهات النظر بين الفئات المتصارعة في مناطق الازمات في عالمنا الاسلامي والوصول الى حل اسلامي يرضي الله سبحانه وتعالى ويرضي عباده الصالحين’.
ولعل الشيخ العلامة القرضاوي يعود – رغم الصعوبات الكثيرة- لحمل هذه الأمانة، أمانة التقريب بين المذاهب وحل مشكلات الأمة، فاللقاء والحوار من الأدوات الفاعلة أما سلاح المقاطعة فأحيانا يكون من أسلحة التدمير والتمزيق بين أبناء الأمة الواحدة، والمعضلة التاريخية التي لا دخل للعقيدة في كثير من جوانبها، بل السياسة التي يستفيد منها الأعداء، وتنقسم بسببها البلاد، فيزداد العداء بين أبناء الأمة الواحدة، ويأمل الكثيرون ممن يحبون الأمة مخلصين لها، ولا دخل لهم باختلافات المذاهب والفرق والفتن الناتجة عن ذلك، أن تكون هذه الدعوة محل اعتباروتقدير واستجابة مهما كانت الصعاب، ويا ليت شيخنا العلامة القرضاوي بما يحظى به من علم واحترام، يدعو لجنة المساعي الحميدة الى اجتماع في قطر أو مصر، وبعض العلماء الذين يرى صلاحيتهم لهذه القضية للتفاهم والتشاور وإذابة الثلوج، ومواجهة الفتنة التي تنتشر بين السنة والشيعة، والتي تتبناها الحركة الصهيونية، كما جاء في توصيات مؤتمر هرتسليا الأخير في الشهرالماضي في هرتسليا بفلسطين المحتلة. ويقع فيها بعض المخلصين من أبناء الأمة الوسطية ويلونون العقيدة بأفكارهم، ويضيقون رحمة الله الواسعة، وقد ركزت في كلمتي الرئيسية أمام المؤتمر على عدة محاور أو نقاط منها:
المحور الاول: كان عن ضرورة الحذر من ضياع العقل في الفتن، في الفتن الكبيرة يضيع العقل، فالفتنة عندما تقبل، كما يقول الحكماء، لا يدركها إلا العاقل أو العالم أو الحكيم أو الفقيه، الذي يعيش الواقع ويفهمه، وعندما تدبر الفتنة، يعرفها العاقل والجاهل، ولكن بعد أن تضيع الفرصة. وقد ضاع العقل العربي مرارا وتكرارا في عصرنا الحديث، حتى بعد ثورات الربيع العربى. ضاع العقل في فلسطين، وضاع العقل في أفغانستان، وضاع العقل في العراق، وضاع العقل في الصومال، وضاع العقل في سورية، وضاع العقل في السودان. ما أسهل أن يضيع العقل في العالم العربي والاسلامي، ولذلك كانت الحكمة خيرا كثيرا لمن يؤتيه الله تعالى الحكمة وفي ذلك، قال الله تعالى ‘ومن يؤتى الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا’ .
المحور الثاني: كان عن الخلل في أن تكون هناك لجان تبحث عن عمل وترصد لها الأموال وتجتمع وتنفض على كل المستويات، ولجنة المساعي الحميدة تثقلها المشكلات والتحديات التي تنتظرها قبل البدء. تتشكل لجان وطنية واقليمية ودولية تبحث عن عمل، ولم تستطع أن تجد حلولا لمشكلة واحدة من مشاكل وقضايا العالم الاسلامي الكبيرة، بل تتفاقم بتشكيلها ورسميتها التحديات والمشكلات. ولذلك اشتهر في العالم العربي قول وهو حق إلى حد بعيد ‘إذا أردت ان تزيد تعقيد قضية ما أو مشكلة ما أو ان تميتها فشكل لها لجنة’، والقصص التي تروى في هذا الاطار تجل عن الحصر.
أما المحور الثالث فكان، عن الخطر الصهيوني الأمريكي الذي يلتهم مقدرات الأمة بلدا وراء بلد، ولا نفطن له، وتقاد الأمة وتسير وراء قيادات جاهلة اوعميلة، وبعض علماء السلطان الذين يقودون البلاد الى الوقوع في هذا الخطر الداهم عمالة من بعض المسؤولين فيها، أو جهلا بذلك الخطر، ونكون بذلك مثل الفراش الذي يموت باللجوء الى مصادر الضوء والنور.
أما عن المحور الرابع، فكان عن حركة التكفير التي تنتعش بانتعاش التكفير المضاد. لقد انتعشت حركة التكفير في العالم العربي والاسلامي، وهي حركة تدميرية لقلة الفقه، والبعد عن الوسطية، وسهولة الانضمام الى هذا التيارالتكفيري، وبعضه للأسف الشديد ينتسب ظلما وعدوانا الى التيارالسلفي، والسلف منه براء. طالت حركة التكفير للأسف الشديد، حتى الشهيد سيد قطب رحمه الله تعالى، الذي دافع عن المفهوم العظيم، مفهوم التوحيد الخالص: لا إله الإ الله محمد رسول الله.
أما عن المحور الخامس، فتناولت فيه الحكومات والأنظمة التي قد تنهار أو تتغير، ولكن الكيانات، أي الدول يجب أن تظل ثابتة مهما كانت التحديات. ففي الصراع السوري السوري، الذي فتح الباب للتدخلات الأجنبية العالمية حتى ضم أمريكا وروسيا والصين وايران والعالم العربي وغيرها، نظرا لفشل المنظمة العربية
(جامعة الدول العربية) ونظرا لفشل المنظمة الاسلامية (منظمة المؤتمر الاسلامي) في إيجاد حل سلمي للحفاظ على سورية كدولة وكيان مهم في العالم العربي قريب من فلسطين المحتلة، الذين دعموا المقاومة، بغض النظر عمن يحكم البلد، كانوا يتمنون معارضة واحدة قوية ومستقلة وفاعلة، والذين وقفوا مع خط الحفاظ على الدولة والكيان السوري، أبرزها الاعلام المفتون التابع أنهم يقفون مع النظام القاتل لشعبه. وأنهم يقفون مع أخطاء النظام ضد التغيير. ونحن مع ضرورة التغيير، الذي طال أمده، ولكن الى الأحسن مع المحافظة على سورية الدولة والكيان الذي كان مقاوما ومعينا للمقاومة في لبنان وفي فلسطين. أما النظرة الاستراتيجية التي دعت الى تبني هذه النظرة فظلت مهملة ومبهمة، بل وقفت في قفص الاتهام حتى ينفض عنها الناس، وينقسموا قسمين، كما انقسموا في معظم قضايا الأمة المهمة. وفي الفتن الكبيرة وقف قسم مع النظام وقسم مع المعارضة التي انقسمت على نفسها عشرات المرات والكيانات.
أما المحور السادس، فقد أكدت فيه أننا نعمل احيانا ضد القرآن والسنة الصحيحة. يقول الله تعالى ‘واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا’ فلا نعتصم إلا شكلا ونتفرق حتى اصبحت الأمه نموذجا في التفرق والتشتت. ويقول الله تعالى ‘ولا تنازعوا فتفشلوا’، ونحن نتنازع ونتحزب تحزبا ضارا ونفشل ولا نتعلم مع كثرة التجارب. وفضلا عن كل ذلك لم نقدم النموذج الذي يبهر الآخرين، نموذج الحكم الرشيد، قبل ثورات الربيع العربى وبعدها.
أما المحور السابع، فقد أشرت فيه الى أننا نحمل من القضايا والتحديات والمشكلات أكثر مما تحمله كتف الأمة، وضاعت اولويات الحل. أين الخلل؟ ليس هناك اتفاق كيف نبدأالحل؟ ليس هناك اتفاق أيضا.
أنا لست بشاعر، ولكن الشعور بالأزمة التي تمر بها الأمة وإشفاقي عليها، جعلني أنطق في هذا المؤتمر وأقول بيتا من الشعر حين قلت:
‘جلت عن الاوصاف فتنتها (أو فجوتها) حتى انتفت قيمتها في المسرح الدولي ‘ في هذه اللقاءات فوائد كثيرة، حيث يلتقى الانسان بعض أصدقائه وإخوانه، ممن لم يرهم لسنوات طويلة. كان ممن لقيت من أصدقائي القدامى منذ السبعينيات الأستاذ أورهان أغوز أصيل ترك، نائب السياسي الفذ المجاهد نجم الدين اربكان في حزب النظام ثم الرفاه ثم السعادة، وكان أيضا وزيرا لداخليته، عندما كان البروفيسور أربكان رئيسا لوزراء تركيا خلال سنوات التأسيس الاسلامي، الذي كان يسمى (بالمللي) وتعني الكلمة القومي من ناحية، أو الملة الاسلامية من ناحية اخرى.
وقد نشرت ‘الأهرام’ على صفحتها الواحدة والعشرين يوم الاثنين 13 مايو2013، نقلا عن تصريحات لفضيلة الامام الاكبر شيخ الأزهر في طريقه لزيارة عمان، نقلت قوله ‘إن الدول العربية والاسلامية تمر بظروف استثنائية، وفتنة طائفية بغيضة في العراق وسورية. واتهم من وصفهم بخصوم الاسلام، بإشاعة الفوضى وإثارة المشكلات الحقيقية والموهومة في مختلف الاقطار العربية والاسلامية، وقال سماحته: انه يصبح واجبا على كل قادر على بذل مسعى إيجابي للإصلاح والتفاهم وحسن العلاقات بين أبناء الأمة الواحدة، ألا يتردد في بذله والنهوض إليه’. وتسرنا دعوة الامام الأكبر الدكتور أحمد الطيب للاسهام مع قيادة لجنة المساعي الحميدة للقضاء على المشكلات والتحديات التي أشار إليها وغيرها والفتنة الطائفية والمظالم الواضحة حتى في بعض دول الخليج وفي قضية التكفير والفتنة الطائفية التي بدأت تنتعش في مصر أيضا. ولعله يدعو اللجنة الى حوار مفيد في مصر.
‘ كاتب مصري