لو محصنا الحقيقة من الرمز والواقع والأسطورة والممكن من المستحيل، لوجدنا أن الثورة وعملية الخلق الفني والإخصاب، بالمعنى الأسطوري والواقعي، عودة إلى الحضور أو هو البعث في الحياة عن طريق الانتقال عبر لحظات التجدد الثوري إلى ذات أكثر اكتمالاً. ولكن الناس في خضم تلك العصور الموغلة في القدم، لم يكتشفوا هذه الحقيقة، لأن الفلسفة والعلم كانا لا يزالان في دور الطفولة، ولكنهم حاموا حولها، وحاولوا أن يجسدوها ـ دون أن يعوها ـ بشكل جنيني غامض. وما شخصية جلجامش ـ الذي كان ثلثاه من مادة الآلهة وثلثه الباقي من مادة البشر الفانية ـ إلا شروع غامض في الرؤيا لخلق الإنسان الثوري الذي يحاكي الآلهة والطبيعة، وينافسها في الخلق والابتكار، بل يوقعها أحياناً في شراك حبه، كما وقعت عشتار ـ بهجة البشر والآلهة ـ في حب جلجامش.
هذه [تفسيرات أساطير سومر وبابل وآشور وقدماء المصريين] خطوط عامة لرحلة طويلة قمت بها في شبابي الباكر عبر الحرائق الشعرية التي كنت أحترق بها، وهي لم تكن رحلتي الأولى ولا الأخيرة، في الكشف عن صفحات هذا الإنسان الذي عاش في هذه البلاد العريقة التي ننتسب إليها.
وهي سيرة ذاتية، ارتبطت بالخطوط العامة لهذه الرحلة الطويلة، فإذا وضعنا إلى جانبها سيرتي الذاتية المرتبطة برحلة أخرى طويلة في الكشف عن صفحات هذا الإنسان ذاته في ظل الحضارة العربية ـ الإسلامية العظيمة، لاجتمعت أجزاء الصورة.
فالعرب الساميون ـ كما يقول غوستاف لوبون ـ هم أول من علّم التوحيد المطلق، فقهروا ممالك العالم باسم الله وفتحوها فتحاً روحياً، استمر في التوسع والانتشار بعد توقف الانتصارات المادية التي لم يبق من نتائجها إلا القليل، فورثه ـ هذا الإنسان العظيم الذي ناهز الخمسة آلاف سنة من عمره ـ سقطوا تحت سنابك خيول الغزاة: منذ الغزو المغولي حتى انحسار مدّ الاستعمار الأوروبي في منتصف القرن العشرين.
وبذك انطبق عليهم قول أحد المؤرخين: «كانوا أنصاف تعساء، قبل الاستعمار الأوربي، ثم اتتهم أوربا بنصف التعاسة الآخر، فاكتمل عليهم ثوب الحداد».
فالتعاسة الصامتة التي لا يتحدث عنها، ولا يسمع بها، أحد وسط هذه الأنقاض والبحث والكشف عن إنسان كل الحضارات والعصور، دفعني إلى مواصلة الطريق وراء هذا الفجر، الذي كان أشبه بالخيط في يد ليل طويل، كلما ألقى به في أفق، عاد إليه.
ها أنذا أوشك على الانتهاء من هذه الصفحات التي قدّر لبعضها أن ترى النور ولبعضها أن يضيع في الزحام وأن تحمله الريح إلى بلاد بعيدة، وها أنذا أعود ثانية لأهزّ شجرة الزقوم التي تواجه البحر والصحراء والسماء، وحيداً بلا وطن أو بيت، بعيداً عن ولائم هذا العالم وأعياده وصخب تجاره وسياسته.
فهذا الانصهار والاحتراق والقلق الذي يفترسني ليل نهار، كما افترس من قبلي شعراء سومر وبابل وبغداد ودمشق في عصور النشوة والكشف والفتح والبراءة والقتل والإرهاب والسحر الأسود والميلاد الجديد والثورة، هو الذي قضى على مطامحي الدنيوية، بل إنه دفعني إلى إحراق كل الجسور التي تربطني بأعياد الأرض، وإلى مواجهة جدار الإعدام.
فأنا منفي داخل نفسي وخارجها، مبصر وأعمى، ميت وحي، في حوار أبدي أخرس مع موتي في رحلة الليل بالنهار.
إن اليقظة المرعبة التي أعيشها والوعي الحاد بالعالم والأشياء، جعلني أشبه بمتهم كافكا، ولكني أدري، على الأقل، لماذا أنا هنا، ولماذا عُصبت عيني.
فسقوط قشرة الواقع السياسي وانتفاء الجدل والصراع، بعد المد الثوري العظيم في الخمسينات، الذي أخمده وامتصه الساسة المحترفون لحسابهم، ولعبة تبادل المراكز ـ إذ يأخذ الخائن مكان الثوري ـ ومحاصرة الثورة العالمية ومحاولة اغتيالها واستخدام كافة الأساليب الميكيافيلية والإيديولوجية لإيقافها، وخيانة بعض الكتّاب للواقع الثوري، وتحولهم إلى ببغاوات وملفقي بكارة للواقع المومس وللبرجوازية العجوز.
كل هذا جعل من الأرض، التي نقف عليها، رمالاً متحركة، أشبه بالرمال المتحركة التي كان يقف عليها الشاعر البابلي القديم صارخاً في وجه الكهان والسحرة والمشعوذين والوعاظ والساسة المحترفين، يوم كان معذبو الأرض في بلاد سومر وبابل ينتظرون الطوفان ـ الذي تنبأ به العرافون ـ لكي يغسل الأرض من أدرانها، يوم ماتت الأسطورة ومات أنكيدو وعيناه تنظران الطوفان والبعث الجديد:
لتندبك المسالك التي سلكتها في غابة الأرز
وعسى أن لا يبطل النواح عليك ليل نهار
وليبكك شيوخ أوروك ذات الأسواق
وليبكك الأصبع الذي أشار إلينا من ورائنا وباركنا
فيرجع صدى البكاء في الأرياف
وليندبك الدب والضبع والفهد والنمر والأيل والسبع
والعجول والظباء وكل حيوان البرية
ليندبك نهر «أولا» الذي مشينا على ضفافه
وليبكك الفرات الطاهر الذي كنا نُسقى منه
لينحْ عليك رجال أوروك ذات الأسوار
ولينح عليك من أطعمك بالغلة
ومن مسح ظهرك بالزيت المعطر ومن سقاك الجعة
ولتبكك الزوجة التي اخترتها
وليبك عليك الأخوة والأخوات.
مجلة «المعرفة»، 77، أيار (مايو) 1968.
الواقعي الثوري
كان الشاعر العراقي (1926 ـ 1999) ثالث ثلاثة، بعد بدر شاكر السياب ونازك الملائكة، صنعوا الحداثة الشعرية في العراق، ثمّ العالم العربي؛ ولكنه كان الأوّل الذي دأب على كتابة شعر ملتزم، يساري النبرة، صوفيّ الروح، استدرّ توصيفات نقدية غائمة، مثل «الواقعية الاشتراكية» و»الواقعية الثورية» والواقعية الملحمية»، لازمت شعره حتى رحيله في الواقع. وكان الناقد الفلسطيني الكبير الراحل إحسان عباس قد أصدر، سنة 1955، كتيباً بعنوان « : دراسة في أباريق مهشمة»، توقف فيه عند المجموعة الثانية للشاعر (الأولى صدرت سنة 1950، بعنوان «ملائكة وشياطين»)؛ وبعده صدرت عشرات الأعمال النقدية، ومئات الدراسات والأطروحات الجامعية المتفرقة، حول تجربة البياتي.
ولعلّ كتاب الناقد السوري محي الدين صبحي، «الرؤيا في شعر البياتي»، 1986، وكان في الأصل أطروحة جامعية؛ هو الجهد الأبرز الذي شذّ عن سلسلة التوصيفات الواقعية تلك، وذلك حين فسّر مواقف البياتي اليسارية والتقدمية والثورية ضمن مخطط نقدي أسطوري ـ نفسي ـ رمزي محض. والمنهج ذاك، الذي اعتبر صبحي بأنه سيحقّق «كشوفات لم يسبق أن توصّل إليها النقد العربي من قبل»، استند إلى ترسانة مصطلحات نقدية حول الوعي/ اللاوعي الجَمْعي، قادمة مباشرة من خليط «الراسب النفساني» عند كارل يونغ، و»النمط الأعلى» الرمزي عند نورثروب فراي، والأنساق الشعائرية الأسطورية عند جيمس فريزر.
تنقّل البياتي في بلدان كثيرة، وأقام فترات متقطعة في مصر وإسبانيا الأردن وسوريا، التي توفي ودُفن في عاصمتها دمشق. وكان شديد الاعتداد بتجربته الشعرية (في حوار مع ماجد السامرائي، جزم بأن شعره، و»القليل فقط» من شعر السياب، هو كل ما يتبقى من حداثة الشعر العراقي)، فدخل في خصومات مع شعراء كثر، من أبناء جيله أو الأجيال اللاحقة، وخاض معارك طاحنة لم تكن دائماً لأسباب وجيهة. وبصرف النظر عن هذا الجانب في شخصيته، مارس البياتي تأثيراً كبيراً على المشهد الشعري العربي، من حيث توظيف الأسطورة في منحى ثوري ونضالي، واستلهام التصوّف بطريقة إبداعية وعصرية، والتعريف بالشعر الثوري العالمي من خلال القصائد التي اعتاد كتابتها على سبيل امتداح ثوريي العالم؛ وكذلك في تطوير شكل التفعيلة، الذي عُرف تحت تسمية «الشعر الحر».
مجموعات البياتي الشعرية تجاوزت العشرين، وبينها: «المجد للأطفال والزيتون»، «رسالة إلى ناظم حكمت»، «أشعار في المنفى»، «عشرون قصيدة من برلين «، «كلمات لا تموت»، «سفر الفقر والثورة»، «النار والكلمات»، «الذي يأتي ولا يأتي»، «الموت في الحياة»، «عيون الكلاب الميتة»، «بكائية إلى شمس حزيران والمرتزقة»، «الكتابة على الطين»، «قصائد حب على بوابات العالم السبع»، «كتاب البحر»، «قمر شيراز»، «كتاب المراثي»، و»بستان عائشة».
عبد الوهاب البياتي