الدوحة ـ«القدس العربي»: لعل من أبرز المحاور التي شغلت اهتمام وسائل الإعلام الدولية في التعديل الوزاري الذي اعتمده أمير قطر مؤخرا مغادرة الدكتور خالد بن محمد العطية مبنى وزارة الخارجية لاستلام مهامه الجديدة وتكليفه بشؤون الدفاع وترك منصبه لمساعده السابق لشؤون التعاون الدولي الدبلوماسي الشاب الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني.
اقترن اسم العطية الذي اضطلع بمهامه على رأس الوزارة خلفا للدبلوماسي المخضرم الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني الذي أدار القطاع في فورة بروز دور قطر في المحافل الدولية، بسؤال محوري طرحه المراقبون عن سبل استكمال المسيرة، وقليلون كانوا واثقين من تمكنه من تسجيل اسمه على صعيد إدارة التركة السابقة والمضي بها بالوتيرة نفسها.
الطبع الهادئ للطيار السابق في سلاح الجو القطري وقلة كلامه وعمله في صمت شكلت ملامح شخصيته التي تبلورت تدريجيا في هذا العالم الذي تحفه ألغام عدة مزروعة في حقول شاسعة ليس بالسهولة على أي شخص أن يسير وسطها من دون أن يتفادى انفجاراتها المترددة وتتطلب منه حنكة واسعة للتعامل معها.
على مدار سنوات من العمل لاكتساب خبرات متراكمة بدأ نجم العطية يبرز تدريجيا فكان الملف السوري أحد أهم المحاور البارزة للسياسة الخارجية القطرية على ضوء الصراع الذي دخلت فيه قوى إقليمية حاولت أن تبسط ذراعيها عليه وتكون لها الكلمة الفصل في أي حل وتسعى جاهدة لاستمالة أطراف الصراع لجناحها وتحديد بوصلته. هيأ المحامي الذي استفاد من عمله في هذا المجال اللولبي الأرضية لتشكيل الائتلاف السوري وجمع كافة الأطياف السورية تحت سقف واحد للنقاش والتشاور فيما بينهم لتوحيد الرؤى، وكان ذلك نقطة الانطلاق للمعارضة السورية الموحدة في العمل السياسي.
الائتلاف السوري وفي ظل الاجتماعات التي عقدت في الدوحة وكان الوزير العطية أحد مهندسيها لاقت الترحيب الأممي والدولي من ما يفوق الـ 110 من الدول، وأصبح الممثل الرسمي للشعب السوري.
بعد رفض فصائل المعارضة على الأرض المشاركة في جنيف 2، قام بفضل حنكته بإقناعهم للمشاركة في المسار، وشهد ذلك اول تعاون وتنسيق على مستوى أكبر محفل دولي بين المعارضة السياسية وفصائل الثوار على الأرض.
لم يقف كثيرا أمام المطبات التي اعترضت طريقه وواجه النظام السوري بجرائمه على مشهد من المجتمع الدولي في جنيف 2، وكانت له مناكفات مع وزير خارجيته وليد المعلم استخدم فيها ما لديه من ترسانة الدلائل والقرائن التي ساقها لكشفه وإبراز ما اقترفه طيلة فترة الصراع الذي عمر لسنوات ولم يكن من السهل التوصل لحل ينهي الأزمة.
جاب رئيس اللجنة الوطنية القطرية لحقوق الإنسان العواصم الدولية لإبراز معاناة الشعب السوري والسعي لتخفيف معاناته فكانت له لقاءات مع صانعي القرار في أكثر من دولة بيدها مقاليد الأمر. اللقاءات الأخيرة التي عقدها مع القادة الروس كان من ثمارها تقريب وجهات النظر بين الدوحة وموسكو في إيجاد تسوية لهذه الأزمة المستعصية.
إيقاف وزير الاستخبارات الاسرائيلي عند حده وكشف تضليله وسعيه لوضع الضحية (الشعب الفلسطيني) في خانة الجلاد كانت من أبرز المواقف التي سجلها العالم لخالد العطية الذي نقلت وسائل الإعلام الدولية مناظرته مع المسؤول الإسرائيلي خلال ندوة لمؤتمر ميونيخ للأمن مطلع عام الماضي. شكلت الندوة وما تخللها من مواجهة شرسة بين المسؤولين القطري والإسرائيلي مادة دسمة طيلة فترة مع صمت الوزير الصهيوني حينما سعى لاعتبار حركة حماس إرهابية واتهام الدوحة بدعمها حينما سأله وزير خارجيتها عمن تسبب في قتل المدنيين واغتصب الأرض وقصف المدارس والمساجد والمستشفيات وارتكب كل الجرائم، ولم يحدث أن تعرض مسؤول إسرائيلي بارز لموقف مشابه منذ فترة.
وقبل هذه المواجهة شهد عام 2013 جهوداً مكثفة بينه وبين وزير الخارجية الامريكي جون كيري للعمل على مبادرة السلام العربية وكانت مواقفه جلية في المفاوضات لوقف الحرب على غزة في رمضان 2014، وقد ظهر في لقاء تلفزيوني مع صحافيي قناة «سي ان ان» في وقته وطالب فيها المجتمع الدولي بوقف الحرب الجائرة على غزة.
على مدار تبوؤ الوزير السابق لحقيبة الخارجية سجلت الفترة تنسيقاً قطرياً سعودياً، وقطرياً خليجياً مميزاً خلال ترؤسه لدورة مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وشهدت المرحلة المفصلية لهذا التجمع الإقليمي التنسيق في العديد من القضايا والملفات السياسية. وتوجت بتقارب جلي بين الرياض والدوحة على اثر خلافات ثنائية طالت فترة من الزمن. وتلى ذلك مرحلة جديدة من التعاون والتنسيق وصلت حد الدفاع عن المملكة العربية السعودية في مؤتمر السياسات العالمي في مدينة مونترو السويسرية.
تحدث دبلوماسيون قطريون تواصلت «القدس العربي» معهم عن وزير الخارجية السابق بفخر واعتزاز عن المرحلة التي جمعتهم بالرجل الذي شهدوا له بالتواضع والأدب وأكدوا على ما تميز به من حسن الخلق دماثة الأخلاق وبقربه من الناس وسعيه لخدمة بلاده والرفع من شأنها في المحافل الدولية واخلاصه في عمله وكان يقضي ساعات اليوم منكبا على دراسة ومراجعة ملفات ضخمة يتابع تفاصيلها. ويؤكد أحد الخبراء الذين تحدثنا إليه أنه لم يكن يجد حرجا في استدعائه في كل مرة يحتاج لفهم وتبين تفاصيل الملف الذي يتابعه ويطلب منه دراسة وافية شافية تعينه في تحديد البدائل الملائمة ولا يتخذ قراره أو يدلي برأيه في الموضوع من دون الاطلاع عليه بشكل دقيق حتى يكون ملما به من كل جوانبه. .
اعترفت دبلوماسية قطرية تواصلنا معها بدور وزير الدولة الجديد لشؤون الدفاع في ولوج عالم الدبلوماسية من أبوابه الواسعة ومنحها الفرصة لتمثيل بلادها في المحافل الدولية، وأشارت إلى أن الخارجية شهدت في عهد العطية انخراط المرأة القطرية في السلك الدبلوماسي. وارتفع تمثيلها بشكل لافت فسطع نجم الشيخة علياء أحمد بن سيف آل ثاني مندوبة قطر الدائم لدى الأمم المتحدة التي دافعت في أكثر من مناسبة عن حقوق الشعب الفلسطيني.
رحيل العطية عن مبنى وزارة الخارجية وتوديعه حين تسليمه العهدة لمساعده الشاب الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني الذي رافقه في معالجة وحل العديد من الملفات والقضايا الدولية لكافة الموظفين فردا فردا ترك انطباعا إيجابيا لدى العاملين في المبنى الذي يستعد لاستكمال المسار وتفعيل كافة المحاور التي شكل رهان الدبلوماسية القطرية. وتستعد الدوحة لفتح صفحة جديدة مع التعديل الحكومي الجديد لتعزيز تواجدها على الساحة الدولية بالرغم من المطبات التي تواجهها خصوصا مع الأزمة السورية التي ظلت تراوح مكانها والأزمة المستعصية مع مصر التي تحتاج لوسائل وبدائل جديدة لمعالجتها لتصفير كافة المشاكل الإقليمية والدولية.
سليمان حاج إبراهيم