بات من الصعب اليوم فصل سياسات الدول الخارجية عن محركات سياساتها الداخلية، إذ تبدو التأثيرات المتبادلة بين الأثنتين جلية في زمن المعلوماتية فائقة التقانة وتأثيراتها في صنع الرأي العام وتأثيراته في الداخل والخارج. وهذا ما يبدو واضحا للمراقب للسياسة المصرية الخارجية منذ 25 يناير 2011 وحتى الآن، فقد مرت بتغيرات، أو إذا شئنا الدقة انقلابات ارتبطت بتغيرات الداخل المصري.
شهدت السياسة الخارجية المصرية انحسارا وقلة فاعلية في نهاية حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، وبدا جليا تراجع دور مصر الإقليمي منذ منتصف التسعينات، حيث تخلت عن دورها القيادي إقليميا لدول صعدت لملء الفراغ مثل قطر والسعودية مضافا إلى ذلك تعاظم الدور الإقليمي الإيراني والتركي في الشرق الأوسط، كما ان العلاقات المصرية الإسرائيلية بقيت محفوفة بالتوترات رغم التعاون الاقتصادي الذي حاولت حكومة احمد نظيف تطبيقه عبر صفقات الغاز والتعاون السياحي وغيرها من النشاطات التي بقيت تلقى رفض الشارع المصري للتطبيع وتراجع دور مصر القومي.
لقد بدا الشارع المصري متفائلا بعد 25 يناير ومتوقعا انعكاسا للتغيير الداخلي على السياسة الخارجية، وابتدأ يطالب صناع القرار بعودة الدور المحوري المصري في المنطقة، لكن علماء الاستراتيجية يؤكدون على بديهية تراجع دور السياسات الخارجية في البلدان التي تشهد هزات أو تغيرات داخلية كالثورات والانتفاضات والانقلابات، إذ تنكب جهود الحكومات الجديدة عادة على ترتيب المشهد الداخلي وحل الأزمات العالقة لكي تستطيع بعد ذلك التحرك خارجيا وفق أجندتها السياسية، وهذا ما حصل في حقبة تولي المجلس العسكري لزمام الأمور في الفترة الانتقالية المترعة بالأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.
كما يعتبر المراقبون للمشهد المصري ان فترة حكم الرئيس السابق محمد مرسي بعد فوزه بالانتخابات الرئاسية هي فترة تخبط وعدم وضوح الرؤيا في مجال السياسات الخارجية، فبرغم التقارب الذي انتهجته حكومة مرسي مع لاعبين مهمين في الإقليم مثل تركيا وإيران والميل الخجول تجاه الولايات المتحدة، إلا ان كم المشاكل في السياسات الخارجية في تلك الحقبة كان كبيرا وكارثيا، فقد أضر التقارب المصري الإيراني بعلاقات مصر مع الدول الخليجية، وهنا تجدر الإشارة إلى تنوع الموقف الخليجي من السياسات المصرية، فقد توترت العلاقات المصرية مع دولتي الإمارت والكويت وبدرجة أقل مع السعودية، بينما انتعشت أو كانت الفترة الذهبية من العلاقات المصرية القطرية، كما ان العلاقات المصرية الإسرائيلية إبان حكم الرئيس مرسي شابها الكثير من الضبابية وعدم الوضوح، فقوة العلاقة مع حركة حماس وحكومتها في قطاع غزة غيبت الدور المصري السابق الذي كانت تلعبه كموجه ومؤثر في محاولة رأب الصدع بين حكومتي قطاع غزة والضفة الغربية، كما ان تصريحات قيادات مهمة في حركة الإخوان بخصوص دولة الخلافة القادمة وعاصمتها القدس أصابت معاهدة السلام الإسرائيلية المصرية بالكثير من التوترات التي انعكست بشكل أدى إلى تحفز إسرائيل على الحدود المصرية، كما ان التخبط الأسوأ كان في العلاقات الخارجية مع دول حوض النيل ما أوصل الأمن المائي المصري إلى حافة الكارثة مع إعلان مشروع سد النهضة الاثيوبي الذي سيصيب مصر بكارثة مائية في فترة ملء السد، والملفت هو التعامل المسترخي لحكومة الرئيس مرسي عبر تصريحات وزير الري في تلك الحكومة الذي حاول ان يطمئن المصريين على أسس بدت وكأن الوزير المعني يعيش في كوكب آخر، أو لعبة الرئيس مرسي الذي بث على الهواء اجتماعا استضاف فيه رموزا للعملية السياسية دون علمهم، ما عكس انطباعا لدى المتلقي المحلي والأجنبي بمدى تدني مستويات الساسة المصريين في تعاملهم مع الأزمات الاستراتيجية. كما ان ضغوط حكومة مرسي على الجامعة العربية أدت إلى انحيازها إلى جانب المعارضة السورية ما أدى إلى تعليق كرسي سوريا في جامعة الدول العربية، بينما كان ينتظر من مصر ان تلعب دورها القيادي في المحافل القومية لرأب الصدوع التي حصلت بعد انتفاضات الربيع العربي ومحاولة الخروج من الأزمة بأقل الخسائر، كذلك كان موقف الخارجية المصرية من الأزمة الليبية وتداعياتها على الداخل المصري وتهديد الأمن عبر تسريب السلاح والمقاتلين الجهاديين الذين لعبوا بعد ذلك أدوارا في زعزعة الأمن الداخلي بعد 30 يونيو. وبعد حركة الجيش في 30 يونيو فيما عرف بثورة يونيو من طرف البعض أو بانقلاب العسكر من طرف آخر، ومع التفاف طيف واسع من الشارع المصري حول حركة الجيش، بدت واضحة محاولة الحكومة الانتقالية ومن ثم حكومة الرئيس عبد الفتاح السيسي في إجراء تغييرات ملموسة في السياسة الخارجية، وكانت اولى انعكاسات الإطاحة بحكومة مرسي هي التقارب المصري مع بعض دول الخليج التي تتخذ موقفا معاديا لحركة الإخوان المسلمين كالإمارات والسعودية والكويت، بينما انعكس تبدل الحكم وخروج الإخوان من العملية السياسية على علاقات مصر سلبا مع قطر وتركيا، أبرز حلفاء الإخوان المسلمين في الشرق الأوسط، والدولتان اللتين مثلتا ملاذا آمنا لمن استطاع الهرب من مصر من قيادات الإخوان المسلمين بعد 30 يونيو.
لقد سعى الرئيس عبد الفتاح السيسي وطاقم حكومته لتسويق التغييرات في السياسة الخارجية عبر جولاتهم المكوكية في زيارت ودية أو حضور مؤتمرات دولية، فقد قام الرئيس السيسي بحوالي عشرين زيارة شملت كل الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن وكذلك زيارات الدول المتوافقة مع سياسات مصر الجديدة كالسعودية (قام بثلاث زيارات رسمية لها) والكويت والإمارات والجزائر والسودان والأردن، ومن الدول الافريقية غير العربية زار غينيا لحضور القمة الافريقية وإثيوبيا لبحث التعاون بين البلدين وبحث ملف مياه النيل. وبرغم تغير رأس الدبلوماسية المصرية في حكومة السيسي، إذ تم تغيير وزير الخارجية نبيل فهمي الذي شغل المنصب منذ الفترة الانتقالية وهو ابن إسماعيل فهمي وزير الخارجية المصري الذي استقال أثناء مفاوضات كامب ديفيد عام 1979 بالوزير الجديد سامح شكري، إلا ان هذا الإجراء لم يعكس تغيرا ملموسا في الدبلوماسية المصرية، كما ان مراكز الدراسات السياسية والاستراتيجية ترى ان السياسة الخارجية المصرية ما تزال تعاني من الكثير من المشاكل، فانعكاسات الاقتصاد المترنح الذي تعاني فيه قطاعات مهمة كالسياحة والطاقة والنقل الكثير من المشاكل برغم محاولات حكومة السيسي إيجاد حلول لهذه المشاكل عبر توقيع عقود إقامة محطة الضبعة النووية مع روسيا لحل مشكلة الطاقة، وتوسيع وصيانة وحفر تفريعة جديدة لقناة السويس لإعادة حيويتها وما تقدمه من دعم للاقتصاد المصري، ومحاولات الاشتغال على تنمية سوق السياحة الذي لم يستعد عافيته منذ 25 يناير 2011، كل تلك المعالجات كان لها انعكاساتها الواضحة على مسارات السياسة الخارجية المصرية، كما ان حكومة السيسي تحاول تتبع سياسة النأي بالنفس عن الصراعات الإقليمية في اليمن وسوريا برغم دعمها للسعودية وحلفائها في الخطاب الرسمي، إلا ان هذه التصريحات لم تتحول إلى خطوات عملية قد تدخل مصر في أزمات لا تستطيع ان تدفع فاتورتها، لذلك كان موقفها المؤيد للتحالف السعودي في «عاصفة الحزم» مثلا عبارة عن تأييد إعلامي لم يترجم إلى مشاركة حقيقية، وقد عزا الكثير من المحللين الموقف المصري إلى محاولة حكومة السيسي للحفاظ على المعونات السخية التي تقدمها السعودية والإمارات للاقتصاد المصري.
كما يرى العديد من المراقبين الدوليين ان على السياسة الخارجية المصرية ان تقدم الكثير من الأدلة لتحسين صورة الداخل المصري الذي يعاني اقتصاده من هزات عنيفة، وأمنه الهش الذي يتعرض لضربات الجهاديين المتطرفين وبشكل خاص في شبه جزيرة سيناء وما يمثله وجود هذه المجاميع الجهادية في سيناء من تهديد لأمن إسرائيل، والأهم هو اعطاء تطمينات للغرب ان مصر لا تسير في مسار يحولها إلى دولة شمولية يتحكم فيها الجنرالات، وتتعرض إلى تناقص مستمر في هامش الديمقراطية عبر الضغط غير المبرر على الناشطين المدنيين وتهميش العديد من القوى السياسية وعدم فتح باب المشاركة الحقيقية في العمل البرلماني والحكومي لكل الفرقاء السياسيين.
كما ان الشارع المصري اليوم يطالب حكومة السيسي بالشفافية في ما يتعلق بالأمن المائي، واتخاذ تدابير حصيفة في التعامل مع الكارثة المحيقة بمصر بسبب تغيير سياسات دول حوض النيل، كما ان المطلوب داخليا وعربيا وإقليميا من مصر، هو ان تلعب دورا أكثر فعالية في رأب الصدع بين حكومتي بنغازي وطرابلس لأهمية ما يمثله الملف الليبي من تهديد لحدود مصر الغربية، كما ان إعادة الامساك بالملف الفلسطيني واتخاذ خطوات جادة وحقيقية في تفعيل المصالحة الوطنية الفلسطينية سيرفع عن كاهل مصر الكثير من التوترات التي تعاني منها حدودها مع أراضي السلطة الوطنية الفلسطينية وما سيمثله ذلك من استقرار في سيناء الذي يجب ان يتم عبر احتواء السيناويين عبر تنفيذ خطط تنمية وطنية قائمة على التخلي عن السياسة البوليسية التي تنتهجها إدارة محافظات سيناء في تعاملها مع السكان وتفعيل مفاهيم المواطنة لدى بدو سيناء.
لقد بذلت حكومة السيسي جهدها في تنويع علاقاتها مع المحاور الدولية الفاعلة في المنطقة عبر تفعيل شراكات استراتيجية مع روسيا والصين والاتحاد الاوروبي كي تخرج نفسها من المعادلة القائلة ان الولايات المتحدة تمسك بكل أوراق اللعبة في الشرق الأوسط التي فرضتها سياسات السادات في السبعينات، ومن ثم استمرار حكومة مبارك على النهج نفسه، وهذا التنويع في العلاقات انعكس على مواقف السياسة الخارجية المصرية من الصراع السوري، إذ اصبح الموقف المصري أكثر تحفظا في تأييد المعارضة السورية، وأصبحت الخارجية المصرية تلعب دور الباحث عن حلول سلمية لانهاء الصراع قائمة على التفاوض بين أطراف النزاع، وهذا الموقف بدوره تلعبه الخارجية المصرية بحذر كي لا يصطدم مع مواقف الدول الحليفة لها كالسعودية التي تتخذ مواقف أكثر عدائية من النظام السوري.
من كل ما تقدم نستطيع ان نخرج باستنتاج هو ان الطريق ما زال شاقا ومحفوفا بالكثير من الأزمات والمطبات أمام الخارجية المصرية لكي تعود إلى دورها الفعال إقليميا ودوليا إبان عصرها الذهبي في ستينات القرن المنصرم.
صادق الطائي