قوامها جنود ومثقفون: الدولة الأمنية «عكاز» السيسي الذي ورثه عن مبارك

حجم الخط
3

القاهرة ـ «القدس العربي»: مات جوزيف غوبلز وزير إعلام النازي لكنه أنجب في أنحاء المعمورة أحفادا كثيرين ما زالوا يستمدون بنات أفكارهم من مدرسته التي لخصها في كلمات قلائل «اكذب كي يصدقك الناس». الشعار نفسه كان له مفعول السحر غداة اندلاع الثورة المصرية وما زال فعالاً حتى الآن خاصة في ظل السلطة التي ارتدت لمستوى أبعد عن دولة مبارك في هيمنتها على مقاليد الأمور وتشبثها بمختلف خيوط اللعبة وإمساكها بمقاليد السلطة من الإعلام للمؤسسة الدينية ومن الرياضة للصحة مروراً بالعدل وحتى شؤون الأطفال الذين يرزح منهم أعداد تقدرها بعض الجمعيات الحقوقية بالآلاف في السجون. لم تعد الدولة الأمنية تترك جحر نملة إلا وتسللت إليه متسلحة بسلاح الشك الذي لا يفرق بين عدو وحبيب.
هي الدولة نفسها التي شيدها في عصور غابرة المماليك والتي اتخذت من العسس سلاح الضرورة في كل لحظة، واتخذت من الشعب عدواً لها ..مضت مصر من عهد إلى عهد والأمنيون هم المهيمنون فيها على الأخضر واليابس. وتحت ذريعة الحفاظ على الأمن القومي برعت السلطة في ان تستلهم التجارب وتبني كل عهد مزيدا من السجون ربما لأنها أدركت منذ زمن بعيد ان الأفكار أشد خطراً على بقائها من الاستعمار ولأجل ذلك تعلمت دولة 30 يونيو التي ولدت من رحم دولة مبارك الديكتاتور الذي نبت لحمه وترهل من ضحايا المصريين انه لا أمان لها في ظل وجود ميكروب ثورة يناير نشطاً في أجساد المصريين، لذا اتخذت كافة الحيل للقضاء عليه فيما أطلقت العنان لسلاح الكفتة الذي سيشفي المصريين من فيروس «سي» في غمضة عين.
على مدار تاريخها الحديث وطدت الدولة المصرية العلاقة بين جناحيها الأمني والإعلامي، فطوال العقود الستة الماضية ارتبط الدور الأمني بالإعلامي للحد الذي جعل الخطاب الدعائي متوجاً بصبغة أمنية تهدف في الأساس لغسيل واسع لأدمغة الجماهير تجلى في الكثير من الأحداث. وما زالت نكسة حزيران/يونيو وما صاحبها من أكاذيب تتعلق بعالم الكوميديا أكثر من علاقتها بالواقع في الأيام الأولى لغزو إسرائيل لشبه جزيرة سيناء. ففيما كانت أبواق الإعلام الرسمي تتحدث عن نصر مبين على العدو وهو ما تبددت أوهامه بعد أيام، ظلت الآلة الإعلامية تؤدي دورها في خدمة النظام خلال عصري السادات ومبارك، وحينما ولدت ثورة الخامس والعشرين من كانون الثاني/يناير زاد الأمر تعقيداً وبات تدخل الأجهزة الأمنية شديد الوضوح والاحكام ويلخص قولا منسوبا للمشير حسين طنطاوي تلك العلاقة حينما اتهم خصوم الإخوان الجيش بأنه سلم البلد لهم عندها قال «ولم لا تقولون سلمنا الإخوان للبلد» وهو ما حدث بالفعل ..حيث رحل نهار الجماعة سريعاً وعادت البلد لحضن المؤسسة بأسرع مما تخيلت الجماعة وأنصارها. وعلى مدار الأعوام التالية لثورة الخامس والعشرين من يناير باتت كل المؤسسات الرسمية والوزارات لا تقوى على أي قرار إلا بعد ان يقول الأمن كلمته الجسور. يسيطر الهاجس الأمني الذي يصل لحد الهلع من كل ما له علاقة بالثورة والثوار على النظام الذي دفع بأذرعته الأمنية للتعامل بحزم مع أي محاولة الهدف منها التظاهر وهو ما أسفر عن تجفيف منابع الثورة من جذورها. إلا ان رموز الثورة باتوا أكثر ثقة الآن بأن تلك الدولة التي بناها نظام 30 يونيو على جماجم كثير من الثوار في طريقها للاختفاء. يسري فودة الذي زاره الرئيس بنفسه في المستشفى أيام كان يتولى حقيبة وزارة الدفاع أطلق بشارة خلال الأيام الماضية أكد خلالها نصاً ان: «دولة السيسي تحتضر والإعلام موجه ولا توجد حرية في مصر».
وعلى الرغم من ان الدولة أخرجت للعلن قانون التظاهر قبل وصول السيسي لسدة الحكم إلا انها تدافع باستماتة من أجل بقائه سيفاً مسلطاً على رقاب الثوار وقد تعرض الكثير من نواب البرلمان لصدمة عنيفة على إثر علمهم أنه لا يحق للبرلمان مناقشته وذلك لأنه صدر في عهد الرئيس المؤقت عدلي منصور ولكن عددا من المشاكسين وعلى رأسهم نائب الاسكندرية شددوا على انهم لن يسمحوا بان تهنأ الحكومة بالقانون لتتخذ منه أداة لقمع الثوار حال تطلب الأمر التظاهر لأمر يهم الوطن والجماهير العريضة التي ما زالت تراهن على ان ثورة يناير التي دعت للخبز والحرية والعدالة الاجتماعية باعتبارها الطريق الأمثل لحصد ثمار الثورة. ومن مؤسسة الإعلام التي باتت رهينة دولة السيسي تسير وفق إشارة منها إلى مؤسسة العدالة وفي القلب منها وزارة العدل التي يترأسها مستشار (لابد من قتل كل الإخوان والمؤيدين والمتعاطفين معهم وكل جندي نقتل قصاده 10 آلاف من الإخوان) وهو الاعتراف الذي يكشف بجلاء ان هناك ثأرا بات يظهر للعلن بين مؤسسة العدالة تجاه نشطاء الثورة المصرية للحد الذي جعل الوزير يعرض حراس العدالة للنقد البالغ بعد ان يضعهم في مواجهة مع أطراف ثورية فيما ينفي ان تكون الحيادية هي المنطقة التي ينبغي عليهم ألا يحيدوا عنها.
ومن أبرز ما آلت إليه دولة السيسي انها أخضعت المثقفين لنفس الحظيرة التي استخدمها طيلة حياته مستخدما اياهم ظهيرا لدولته القمعية، ولعل نائب رئيس الجمهورية السابق محمد البرادعي لم يضف جديداً حينما غرد امس الأول مؤكداً أن اضطهاد المدنيين يعد جريمة ضد الإنسانية. إذ كتب على «تويتر»: «بمقتضى ميثاق الجنائية الدولية: الاضطهاد واسع النطاق أو المنهجي ضد أي جماعة من السكان المدنيين على أساس سياسي أو ديني هو جريمة ضد الإنسانية». كان البرادعي يرد من وراء ستار وبلغة لا تخلو من الدبلوماسية على تلك التصريحات التي تمنى خلالها وزير العدل قتل عشرة آلاف إخواني مقابل كل شرطي تزهق روحه. غير ان أيمن نور زعيم حزب غد الثورة كان أشد جرأة حينما غرد عبر «تويتر»: «تصريح وزير العدل الزند.. يستوجب العقاب الجنائي..ويفقده صلاحية البقاء.. ويشي بمنطق العصابة..في غياب الرقابة على الحكومة». وأضاف: «الزند ارتكب جريمة التأثير على قضاة في قضايا منظورة وجريمة التحريض على قتل خارج القانون وتدخل بوصفه سلطة تنفيذية في أعمال السلطة القضائية».
اهتم نظام 30 يونيو منذ بزوغ نجمه لطلب العون من المثقفين والفنانين. وسار النظام الذي بني على رفات الإخوان والذي حرص على تدليل رموز الوسطين الفني والثقافي كداعم رئيسي في المشاركة في عملية غسل الأدمغة التي ظلت وما زالت تتم على قدم وساق، غير ان اللافت ان حالة «صحيان» باتت تعتري تلك الأوساط للحد الذي دفع بعض رموز المثقفين لخلع عباءة السيسي وانتقاده عبر منصات صواريخ اطلقت عبر «تويتر» و»فيسبوك» وها هو نادر فرجاني المفكر البارز صاحب تقرير الأمم المتحدة قبل عشرة أعوام يعلن بدون خوف ان نظام 30 يونيو وقياداته خانوا الجماهير مكررين خطأ الإخوان نفسه، مشدداً على ان مصر على موعد مع ثورة جديدة. وعلى النهج نفسه عبر رئيس جمعية حق الأداء العلني للمؤلفين والملحنين الشاعر سيد حجاب ان السيسي على رغم رهان الجماهير عليه إلا ان نظامه لم يقف عند حسن ظن الناس التي لم تر أمامها انجازا حقيقيا على الأرض.
من منا ينسى تصريح الرئيس الشهير «نمضي للمستقبل ولن نعود للوراء» .. الحقيقة التي لا مراء فيها والتي يعترف بها رموز السياسة والثقافة أننا نعود بالفعل للوراء خاصة في سلوك المؤسسة الأمنية ليل نهار.. من منا يصدق ان حمدين صباحي المرشح الرئاسي السابق والذي يلاحقه حتى الآن لقب الكومبارس بدأ يفيق من غفوته ويشرع في جمع شتات القوى الثورية وهو الرجل الذي تعرض لهجوم الترسانة الإعلامية لرجال السيسي والمعارضين له في آن واحد؟
ومن أبرز المؤشرات التي يعتبرها المعارضون للنظام الحاكم تلك التقارير وبعضها رسمي والتي تشير إلى أن عدد السجون التي بناها الرئيس في عامين بلغ 22، وبذلك زاد العدد ليصبح 42 سجناً. وهو يؤكد أن عدد السجون التي بنيت منذ رحيل الإخوان عن المشهد يزيد عن عدد السجون التي بناها حكام مصر منذ فجر البشرية. فضلاً عما تروج له قوى المعارضة من ان النظام دشن العديد من السجون السرية في معسكرات الأمن المركزي ومقرات الاحتجاز داخل أقسام الشرطة والبالغ عددها 382 مقراً.
الكارثة بحسب خصوم النظام أنه لم يبن مدرسة أو جامعة أو مستشفى واحد. كما تقلصت عمليات صيانة المستشفيات والمدارس والجامعات إلى درجة كبيرة جداً تكاد تصل إلى العدم. ووفقاً لتقارير صادرة عن جماعة الإخوان وقوى معارضة تنتمي لليسار واليمين فإن السجون الجديدة تضم أكثر من 50 ألف ثائر كانوا بمثابة العمود الفقري للثورة المصرية الذين ثاروا ضد حكم مبارك وهم خليط من كافة ألوان الطيف السياسي، ومنهم إخوان واشتراكيون ثوريون فضلاً عن حركة 6 إبريل ونشطاء غير مصنفين ثاروا فقط من أجل الحرية والعدالة والكرامة والعيش الكريم. وبلغ عدد طلبة الجامعات الآلاف من بينهم حشد من المتفوقين في المدارس والجامعات فضلاً عن 248 أستاذا جامعيا وفقاً للمصادر نفسها التي أكدت وجود عدد من العلماء الذين حصلوا على جوائز عالمية وتشهد بتفوقهم الجامعات والمراكز الأممية قابعين خلف الزنازين الباردة.
ومن السجون الجديدة التي بدأت السلطات في تدشينها سجن ليمان جمصة على مساحة تتجاوز 40 ألف متر، وفي اذار/مارس عام 2014 بدأت السلطات في بناء سجنين في محافظة المنيا وثالث بمدينة الصالحية في محافظة الشرقية.
وعلى مساحة عشرة أفدنة افتتحت منتصف العام الماضي وزارة الداخلية سجناً جديداً بمدينة 15 مايو. وفي 30 كانون الاول/ديسمبر 2014 اُفتتح سجن آخر بمدينة 6 أكتوبر. فضلاً عن سجن في حلوان جنوب القاهرة يقام على مساحة 15 فدانا. كما أعلن عن البدء في إنشاء سجن النهضة بمدينة السلام على مساحة 12 ألف متر. وقد نال هذا السجن بسبب اسمه المزيد من النقد اللاذع بين الثوار الذين تساءل بعضهم كيف يكون بناء السجون معيارا على النهضة؟ ذلك الاسم الذي يثير هاجساً لدى قطاع كبير من المواطنين لإقترانه بالسد الاثيوبي الذي يهدد «المحروسة» بعطش يدق الأبواب.

حسام عبد البصير

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية