دمشق في مسلسلات السكن العشوائي: الانتساب القسري للتاريخ!

حجم الخط
0

محمد منصور

عرضت القنوات الفضائية في الفترة الأخيرة، العديد من المسلسلات الدرامية السورية، التي تقدم صورة مختلفة عن دمشق التي تكرست في مسلسلات البيئة الشامية، والتي اختزلت دمشق بالحارات القديمة، والبيوت الواسعة التي تملؤها الخضرة، ويعرش فيها الياسمين، والشخصيات الشعبية المحببة التي تحمل قيم النبل والفروسية، وأصالة التراث الاجتماعي الذي تميزت به هذه المدينة العريقة. في المسلسلات التي نعنيها، ومنها مسلسل (الانتظار) للكاتبين حسن سامي يوسف ونجيب نصير، والمخرج الليث حجو… وقد انتهت قناة (سما دبي) من عرضه مؤخراً، أو مسلسل (كسر الخواطر) للكاتب محمد أوسو والمخرج نذير عواد، والذي تعرضه قناة (الراي) الكويتية… ثمة صورة مختلفة لدمشق، تتمثل في أبنية السكن العشوائي، والنماذج الاجتماعية المهزوزة، والعلاقات الدرامية التي تتخذ مسارات غرائبية، تبدو علي قدر من الانحطاط الأخلاقي والاجتماعي، لا يصنعه الفقر بالضرورة، بقدر ما تصنعه نماذج متنوعة الانتماءات، وفدت من مناطق عدة، لتصنع وسطاً اجتماعياً خاصاً بها، ينتسب إلي دمشق باللهجة والجغرافيا فقط. كل شيء في دمشق الحقيقية ماضياً وحاضراً يختلف عما نشاهده في تلك المسلسلات؛ فحتي في الأحياء الشعبية الفقيرة التي لم تخل منها دمشق في أي مرحلة من تاريخها، لم تكن مجرد تجمعات عشوائية، تفتفر لأي ذائقة، أو أي إحساس بالألفة مع المكان وصناعة جماله الخاص! إلا أن هذه المسلسلات رغم ذلك ـ تأتي نتاج واقع ملموس ومعاش، وليست تعبيراً عن شطحات خيالية لكتاب يريدون أن يستوردوا دراما المهمشين كما قدمتها السينما المصرية في ثمانينات وتسعينات القرن العشرين! لقد أدت الهجمة السكانية غير المدروسة علي دمشق، وعجز الدولة عن التخطيط العمراني السليم، وعن إنشاء المشاريع السكنية التي تستوعب تلك الهجرة التي جعلت من العاصمة مقصد كل ريفي متعلم، وكل ريفي عاطل عن العمل أيضا، إلي نشوء مناطق سكن عشوائي التهمت المساحات الخضراء التي كانت تعرف باسم (غوطة دمشق) لتحل محلها ضواحٍ أسمنتية ليست إلا مناطق مخالفات، في ظل قانون منع البناء علي الأراضي الزراعية الخصبة، أو أملاك الدولة. لكن كما في كل قانون في سورية فإنه في الواقع العملي ـ يخرق بألف استثناء، ويتم التحايل عليه بمائة ألف طريقة، ثم يتحول إلي فزاعة لإخافة الضعيف وابتزازه في آن معاً، ولتسهيل عمل المدعوم ومنحه فرص الثراء… من دون أن يحمي شيئا من تلك الأراضي الزراعية التي سن من أجل حمايتها، لأنها كانت رئة دمشق الطبيعية التي تتنفس من خلالها! وهكذا أصبحت دمشق اليوم محاطة بعشرات ضواحي السكن العشوائي، بدءا من (مزة 86) إلي (عش الورْوَرْ) إلي (وادي المشاريع) و(السومرية) وسواها، ويبدو أن هذه التجمعات التي خلقت نمطاً معمارياً يختلط فيه الفقر بالفوضي وغياب أي نمط هندسي أو فني متسق، ناهيك عن تدني مستوي الخدمات… قد اجتذبت بنمط علاقاتها الغريب الكتاب فصاغوا لها دراماها الخاصة، التي يعتبرها بعضهم، صورة لدمشق المعاصرة… إلا أنها في حقيقة الأمر صورة للفوضي التي أحاطت بدمشق، وصورة للقبح الذي حاصرها، وصورة للانتهاك الصارخ الذي تعرضت له البيئة الطبيعية والعمرانية لواحدة من أجمل المدن العربية علي الإطلاق. وإذا كان المشاهد قد تابع في السنوات الأخيرة الكثير من (دراما العشوائيات) هذه، والتي بدأها الكاتبان حسن سامي اليوسف ونجيب نصير في مسلسل (أيامنا الحلوة) الذي أخرجه هشام شربتجي قبل 4 أعوام، ثم تابعاها في مسلسلات أخري، ونسج علي منوالها كتاب آخرون، بدافع التقليد حيناً، أو بدافع استلهام هذه البيئة الهجينة المثيرة درامياً بنماذجها وشخوصها وأحداثها حيناً آخر؛ فإن هذه الدراما تحفل بكم من التجاوزات التي تشكل مادة خصبة لدراما اجتماعية مثيرة: فقر، تشرد، رومانسية خشنة، علاقات حب يكتنفها العنف والاستغلال، جرائم شرف بدافع الشبهة، وسرقات بأساليب وأشكال تكفل حضور السجن كركن أساسي بهذه الدرامات! ولعله من نافل القول، أن هذه المسلسلات هي تعبير عن تجمعات سرطانية تنمو بلا حساب ولا نظام ولا شرعية معمارية، يمكن أن تضيف لدمشق التي يخبرنا تاريخها أنها لم تكن مغلقة يوماً في وجه التوسعات المدروسة، فقد تمددت عبر القرون، واتصلت بضواحيها، وبكثير من المناطق التي سكنها وافدون والتي كانت أشبه بالقري والبلدات المستقلة؛ لكن ضمن نظام معماري يمد جسور الألفة مع هوية دمشق ونسيجها المعماري، وضمن نظام اجتماعي يحترم القيم النبيلة ويعتبرها الأساس في التعامل، مهما برزت التجاوزات والاستثناءات الشاذة. وبخلاف من يعتبرون هذه المسلسلات تشويهاً لصورة دمشق، فإني أعتبرها أعمالا فنية أمينة جداً للواقع، فهي تفضح التشوه المعماري، وتنقل الرثاثة الاجتماعية، وتبرز أية إضافات حاقت بالمدينة العريقة بدل أن تجملها وتحافظ علي مزاياها الطبيعية التي حباها الله بها، وأي عملية انتساب قسري للتاريخ تكتبها هذه العشوائيات! وأعود إلي المسلسل الأخير الذي تابعته في هذه الدراما، (كسر الخواطر) لأشيد بموهبة محمد أوسو في الكتابة الكوميدية المبدعة، وفي تجسيد دور غاية في التلقائية وخفة الظل، والقدرة علي الوصول إلي قلب المشاهد من خلال أحد الأدوار التي مثلها، رغم ذلك المزيج من الذكاء الفطري والسذاجة المكتسبة الذي يطبع ردود أفعاله… كما أود أن أنوه بالجهد المتميز حقاً للمخرج نذير عواد، في واحد من أجمل الأعمال التي شاهدتها لها، إلي جانب الكاركترات البالغة الثراء والجاذبية التي صاغها كل من: أمل عرفة ـ وائل رمضان وسواهما! وإذا كانت مناطق العشوائيات حول دمشق، قد عانت طويلا من ضعف وسوء الخدمات، ومن اعتبارها تجمعات غير قانونية، رغم أن وجودها كأمر واقع يلحظه القانون؛ فإن الدراما السورية في السنوات الأربع الأخيرة قد أشبعتها بحثاً وتصويراً وقولبة… بل وأخذ الكتاب والممثلون راحتهم في هذه (القولبة الفنية) التي لا تخلو من تصعيد ومبالغة، لأن سكان هذه العشوائيات لن يرفعوا صوتهم للاحتجاج علي إظهار صورتهم هكذا، مهما كان الأسلوب الذي ظهرت فيه… كما درجت العادة مع فئات أخري، فهؤلاء لا يملكون القدرة الكافية علي إيصال الصوت أو الاحتجاج، وهم يرون في تلك الأعمال مرآة سوداء لواقع أسود، لن تنتقص منه أو تضيف أي حالة شطط يمكن أن تكون أكثر سوداوية أو أقل! انطلاقة موجة برامج الشعراء! مثلما فتح نجاح الاتجاه المعاكس قبل عشر سنوات علي انتشار برامج الرأي والرأي الآخر في استوديوهات العديد من المحطات التي تحولت إلي حلبات صراع ديكة… ومثلما فتح نجاح (من سيربح المليون) قبل سبع سنوات الباب علي مصراعية لاستنساخ برامج مسابقات عديدة، ومثلما أثار نجاح برنامج (سوبر ستار) الرغبة في تقليده، وبرامج (تلفزيون الواقع) الرغبة في استثمارها واستهلاكها علي الوجه الأشنع… ها هو نجاح برنامج (شاعر المليون) علي قناة أبو ظبي يفتح الشهية الآن علي إنتاج برامج اكتشاف مواهب الشعراء، وتنصيبهم أمراء في الوقت الضائع الذي مات في الشعر وانكفأ منبر القصيدة. قناة المستقلة المرتجلة والفقيرة… أعلنت أنها ستقدم برنامجاً لاكتشاف شاعر شعراء العربية اليوم، أما قناة (نيو تي في) فقد بدأت ببث برنامجها (أمير الشعراء) داعية الجميع للمشاركة والتصويت والترقب، وخصوصاً بالنسبة لأبناء الخليج الذين يحترم البرنامج بكل تأكيد العائدات المحترمة لتصويتهم علي الهاتف الخليوي! امير الشعراء منفذ بتقنية جيدة: الديكور، الموسيقي، الأستوديو، الكومبارس الذي يصفق، الإضاءة التي تلعب علي وتر الترقب والانتظار، وأسلوب الإخراج كذلك. ما يعيبه فقط أنه يأتي ليركب موجة لا ليصنع إضافة برامجية، وهو يتحلي بهاجس تجاري يطغي علي كل أهدافه الإعلامية التي يريد أن يسخرها في خدمة الشعر وأميره المنتظر! وسام الصبر علي الشدائد!! تستحق المذيعة وفاء كيلاني، التي تقدم برنامج (ضد التيار) علي قناة روتانا، وسام الصبر الحقيقي لقدرتها الرائعة علي الصبر علي ضيوفها من الإعلاميين ونجوم التلفزيون الذين استضافتهم في حوارات يجري أصحابها ضد كل التيارات بلا أي جدوي أو هدف يمكن أن ينفع الناس! آخر الحلقات التي أظهرت فيها المذيعة وفاء كيلاني هذا الصبر علي الشدائد، تلك التي استضافت فيها مريم نور… وقد عبرت الست مريم عن ازدرائها لمضيفتها، حين وصفتها (في لحظة صفاء وليس غضب أو توتر)، أنها أقل من أن تحاورها، وان تفهم عالمها وثقافتها.. كما رفضت مريم نور الاستماع بداية ـ لريبورتاج آراء المشاهدين فيها، معتبرة أن ذلك تضييع للوقت… وسوي ذلك من التفسيرات المتناقضة التي كانت تفسر بين لحظة وأخري سبب رفضها لرؤية نفسها في أعين الجماهير الذين تخاطبهم في برنامجها! وفاء كيلاني باختصار: متزنة، تتمتع بروح ساخرة بلا عدوانية، تعرف الحدود الحقيقية للمذيعة، وتعطي المساحة للضيف، مهما سبح فيها ضد التيار! ہ ناقد فني من سورية[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية